كشف أسرار الجنس البشري.. تقارير كائن فضائي من مجرة بعيدة ج 2

من خلف آلاف السنين الضوئية، ومن قلب مجرة لا تحمل اسمًا بل لحنًا لا يسمعه إلا من غاص في أسرار الوجود.. جاء هذا الكائن. لا ليغزو. لا ليدمِّر. بل ليُحاضر.

تخيل معي: مخلوق لم يعرف الجوع كما نعرفه، ولا الموت كما نخافه، ولا الحب كما نحترق به، يقف على منبر غير مرئي، ليُلقي محاضرة مدهشة عنا نحن البشر.. عن ماضينا، وحاضرنا، ومستقبلنا، عن بكائنا وغنائنا، عن كل ذلك الخليط الغريب الذي نسميه «حياة».

في هذا الجزء من سلسلة «كشف أسرار الجنس البشري»، نقترب أكثر من تلك المرآة المتصدعة التي بدأناها في الجزء الأول، و التي يرى فيها الكائن الفضائي صورتنا، بلا أقنعة، بلا زينة... كما لم نرَ أنفسنا من قبل.

مرحبًا بك في رحلة ستعيد ترتيب نظرتك إلى الإنسان، بل إلى نفسك أنت أيضًا.

المحاضرة ٧٤ – الجزء الرابع: «الطيف الذي لا يُمسّ»

المكان: حجرة الاستبصار الكوني – كوكب الغيم الساكن
الزمن: عندما يصمت الزمن وتنشق الذكرى من الحاضر

(يبدأ الكائن المحاضر كلامه هذه المرة بصوت أخفض من العادة، كمن يهمس بسر)

«حين ظننت أنني وصلت إلى حدود ما يمكن فهمه من هذا الكائن الأرضي.. اكتشفت أنني لم ألمس سوى جلده».

-تُعرض صورة لكائن بشري في حالة تأمل. عيناه مغمضتان، لا يتحرك. لكن إشارات في الدماغ تشتعل كما لو أنه يرى المجرّات.

«أيها الزملاء... الإنسان لا يعيش فقط في الخارج، بل يسكن عوالم داخلية، لا نعرف إن كانت حقيقية أم خيالية... لكنها بالنسبة له، أشد واقعية من واقعه ذاته».

عوالم الإنسان الداخلية

(تتحول الشاشة إلى موجات دماغية مضطربة ثم تتزن فجأة في نمط يُدعى «دلتا»)

«في حالاته العميقة من التأمل – أو ما يسميه «التصوف» – يُغلق هذا الكائن عينيه... فيفتح أبوابًا لا تُرى. يُقسم بعضهم أنهم يسمعون نداءات، يرون ضوءًا، يشعرون باتحاد مع شيء أعظم... لا يوجد تفسير علمي قاطع، لكن التجربة، كما يُسجلها الدماغ، تُشبه لحظة الموت!»

(يرتفع صوته قليلًا)

«نعم... لحظة الموت! أتعرفون؟ كثير منهم مروا بتجربة تُدعى «الاقتراب من الموت»، رأوا فيها نفقًا من الضوء، شعروا بالخفة، وانفصلوا عن أجسادهم. ثم عادوا... مذهولين، باكين، مُوقنين أن شيئًا بعد هذه الحياة».

(تظهر شهادة حقيقية من طبيبة تُدعى «ماري نيل»، نشرت تجربتها عام ٢٠١٢، تحدثت فيها عن لحظة غرقها وكيف شعرت بالانتقال إلى «مكان آخر»)

«لكن المدهش ليس فقط أنهم يشعرون بذلك... بل أن كثيرين منهم – بعد عودتهم – تتغيّر حياتهم تمامًا. يتركون وظائفهم، يُسامحون أعداءهم، يحبون الحياة على الرغم من أنهم عرفوا الموت. ما هذا؟ من أين تأتي هذه الطاقة؟».

(يعرض صورة لراهب بوذي يبتسم في أثناء حرق نفسه احتجاجًا على الحرب عام ١٩٦٣)

«هل يمكن لكائن أن يحترق حيًا... دون أن يصرخ؟ نعم. الإنسان يستطيع... إذا آمن بشيء أقوى من النار.»

إنسان يحترق

(صمت. ثم بصوت أعمق، أقرب إلى الرجاء)

«أقولها وأكاد لا أصدق: الإنسان لا يرى بعينيه فقط... بل بروحه. نعم، هذا الكائن لديه شيء داخله يُسمى «الروح» – لا يُمكن لمسها، ولا تحليلها، ولا إثبات وجودها بأجهزتنا، لكنها... هي التي تجعله إنسانًا».

(تظهر صورة لرسم طفلة بشرية، كتبت عليه: «هنا يسكن قلبي»)

«الروح هي تلك التي تجعله يبكي حين يسمع لحنًا، هي التي تجعله يشعر بالجمال وهو ينظر إلى زهرة... لا تنفعه في شيء، هي التي تجعله يصر على الأمل، على الرغْم من أنه يعرف المصير».

(تنبض الإضاءة في القاعة ببطء، كأنما تُحاكي نبضات قلب بشري)

«أيها اللاجسديون... أنتم لا تعرفون كيف يشعر المرء حين يحب، حين يفتقد أحدهم، حين يؤمن بأن أحدًا يراه ويهتم لأمره… حتى وإن لم يكن موجودًا».

(يسحب من جيبه صندوقًا صغيرًا، يفتحه. فيه صورة ممزقة لإنسان وُجدت على سطح كوكبهم، محفوظة من مئة دورة نجمية)

«لقد وجدنا هذه الصورة في مركبة كانت تائهة في الفضاء. إنه إنسان، يضحك. وكتب خلف الصورة كلمات بلغة لا نفهمها، لكن أحد زملائي ترجمها مؤخرًا: «نحن نرسل هذه الرسالة بسلام.. لمن قد يجدها من كواكب أخرى».

«نعم… على الرغم من جراحه، ووحدته، وموته القريب… أرسل لنا سلامًا. أيُّ نوع من الكائنات يفعل ذلك؟».

(يُغلق الصندوق ببطء. وتتحول الشاشة إلى سواد، ثم كلمة واحدة تلمع وسط العتمة: «إنسان»)

«سؤالي الأخير لكم:
هل نحن، بتفوقنا، ببرودنا، بخلودنا، أفضل منه؟
أم أن هناك شيئًا فيه... فقدناه نحن؟»

(ثم يقول بهدوء... وعيناه الشفافة تُحدِّق في اللاشيء)

«ربما... في محاولة فهمه، سنفهم أنفسنا أول مرة».

(ينهي المحاضر كلامه ثم يصمت، وقبل أن يغادر، ينظر للجمهور ويقول: نسيت أن أخبركم… بعضنا، نحن… كنا ذات يوم… بشرًا) ثم ينطفئ النور.

المحاضرة ٧٤ – الجزء الخامس: «الجسد الذي يعيش آلاف الحيوات دون أن يدري»

المكان: المعهد العالي لفك الرموز العضوية – كوكب الغيم الساكن

الحضور: كائنات متعددة الأبعاد، ليس لها شكل ثابت ولا خط زمني محدد

(يبدأ الكائن المحاضر – هذه المرة دون أن يظهر وجهه. فقط صوت. كأنه يأتي من فراغ يُخاطب العقل مباشرة.)

«ظننتم أن الحديث عن عقل الإنسان وروحه قد أتى على كل غرائبه؟
لا... لم نبدأ بعد.
إن جسد الإنسان، ذلك الكيان الهش الظاهري، يخفي وراء ضعفه... أعظم أسرار الكون العضوي.»

(يُعرض نموذج ثلاثي الأبعاد لجسد بشري، تتغير ألوانه بسرعة، تُظهر النشاط الخلوي بداخله)

«تصوَّروا كائنًا: يتغير بالكامل دون أن يشعر.
كل خلية فيه، كل شعرة، كل ذرة جلد، عظم، دم...
تتجدد ببطء.
وبعد 7 سنوات تقريبًا... يكون قد أصبح إنسانًا جديدًا كليًا، دون أن يدري.
لكنه ما زال يظن نفسه هو...!»

(يضحك الكائن قليلًا، ثم يتابع بنبرة تأملية)

«كل دقيقة، تموت ٣٠٠ مليون خلية في جسده.
وكل ثانية، يخلق جسده ٢٥ مليون خلية جديدة.
إنه مصنع منظم لا ينام.
ومع ذلك... لا يشعر بشيء من هذا كله.»

(تظهر صورة لجسم الإنسان من الداخل، تتحرك فيه شرارات كهربائية)

«لكن ليس هذا فقط.
جسد الإنسان... يولد كهرباء.
هل تصدقون أن بإمكان جسد واحد أن يُشغِّل مصباحًا صغيرًا؟
بل أن قلبه – ذلك العضو العجيب – يولد نبضات كهربائية تكفي لتحريكه من تلقاء نفسه، حتى لو نُزع من الجسد مؤقتًا؟!»

جسم الإنسان والكهرباء

(صمت. ثم يظهر مقطع مُصوّر بتقنية زمنية مسرعة لنمو شعر إنسان)

«شعره ينمو دون إرادة.
أظافره تتمدد حتى في غيابه عن الوعي.
جلده يُبدِّل نفسه بنفسه، كأنه يُمحى ويُعاد رسمه كل لحظة.
كأن الجسد يقول له بصمت:
أنا حيّ من دونك... ولكنني خُلقت من أجلك.»

(تظهر صورة لطفل بشري يُولد، يصرخ. ثم صورة لشيخ يموت، يبتسم)

«والمذهل؟
أن جسده يعرف متى يولد... ومتى يموت.
يُطلق ساعة داخلية تدق بلا توقف، تُعلِمه متى يجوع، متى ينام، متى يشتاق،
بل متى يبكي دون سبب!»

(نقلة مفاجئة: يُعرض ملف لأشخاص نادرين يُسمّون «الذين لا ينامون»، أمثال التايلاندي «Thai Ngoc» الذي لم يذق النوم منذ أكثر من ٤٠ سنة)

«نعم... بعضهم لا ينام!
هل تدركون ماذا يعني هذا؟
أن يعيش وعيه ليلًا ونهارًا دون انقطاع...
ومع ذلك لا ينهار؟!»

(يُعرض أيضًا دماغ بشري نشيط، بجواره صورة لأجهزة عملاقة تُقارن بقدراته)

«عقل الإنسان في حالة راحة، يستهلك طاقة تكفي لتشغيل مصباح كهربائي.
لكنه حين يعمل، يُطلق نبضات...
تفوق سرعة الكمبيوترات لدينا.
ومع ذلك، لا يعرف هذا العقل كيف يعمل هو نفسه!»

(تنكمش الشاشة على نقطة واحدة: صورة دمعة تسقط من عين بشرية)

«هل تعلمون أن الإنسان -على الرغْم من كل هذا- لا يستطيع منع نفسه من البكاء إذا امتلأ داخله؟
حتى أقوى أجسادهم... تبكي.»

(صمت طويل. ثم بصوت منخفض)

«إنه كائن جسده أقوى مما نتصوّر... وأضعف مما يظن.
يُصاب بعطل من فيروس مجهري لا يُرى...
ويُشفى أحيانًا فقط بالحب، أو نظرة، أو ابتسامة من طفل.»

(ثم، يظهر على الشاشة سطر وحيد بلغة البشر:
(أنا لستُ مجرد جسد... أنا قصة معقدة من آلاف الحيوات.)

ثم ينطفئ كل شيء فجأة ويختفي المحاضر دون مقدمات...

المحاضرة ٧٤ – الجزء السادس: «الظلال التي تمشي بداخله»

الزمان: بعد سبع دورات نجمية من مدار الكوكب الأزرق البعيد
المكان: قاعة الصدى النفسي العميق – القطاع الثالث في المجمع الفضائي للبحوث الشعورية

(تعود الإضاءة الخافتة... يظهر الكائن المحاضر أخيرًا، لكن هذه المرة ليس له وجه، بل شاشة سوداء تعرض وجوهًا بشرية متبدلة: تارة ضاحكة، تارة دامعة، تارة لا تعني شيئًا... ثم يبدأ الحديث)

«قلتُ لكم إن الإنسان ليس مجرد جسد...

بل هو مدينة كاملة من المشاعر والهواجس والعُقد والأسرار.

لكن ما لم أقلْهُ لكم بعد...

هو أن هذه المدينة لا تُبنى بالحجارة، بل بالذكريات.»

(صورة لطفل يبكي في حضن أمِّه. ثم نفس الطفل يضحك فجأة... دون سبب منطقي)

«الإنسان يبكي دون ألم أحيانًا، ويضحك وسط الحزن.

لديه ظاهرة لا نفهمها تُسمَّى: الدموع بلا سبب.

وقد يمضي ليلًا كاملًا وهو يشعر باختناق داخلي لا يعرف له اسمًا».

(تظهر على الشاشة كلمة: Nostalgia – الحنين)

«هذا الكائن... يشتاق.

لكن إلى ماذا؟

إلى لحظات مرَّت، أماكن لم يعد فيها، أشخاص اختفوا، بل أحيانًا... يشتاق إلى أشياء لم تحدث قط!»

الحنين

«ثم يُعرض مشهد متكرر لأناس مختلفين، يقفون فجأة في منتصف الزحام، كأنهم نسوا أين هم، ويتأملون الفراغ»

«هكذا... يتجمّد الزمن داخل رؤوسهم للحظة.

ويقول أحدهم:

(أشعر أنني عشت هذا من قبل.)

ظاهرة تُعرف عندهم باسم: ديجا فو – Déjà vu.

وهي ومضة زمنية مجهولة المصدر...

كأن جزءًا من ذاكرتهم يعيش في بُعد آخر،

أو كأن أحلامهم تنزف إلى الواقع.»

(يظهر تسجيل صوتي لحلم بشري، تتداخل فيه رموز غريبة، طيران، سقوط، أشخاص فقدهم منذ زمن)

«نعم... الأحلام.

إنهم ينامون، لكن عقولهم لا تنام.

تُبدع عوالم كاملة من الفراغ:

يحلمون أنهم يموتون، أنهم يطيرون، أنهم يتحدثون مع موتاهم.

وهذه الأحلام أحيانًا تُخبرهم أشياء لم تحدث بعد.»

(ثم يُعرض رسم بياني معقَّد لتفاعل المشاعر في الدماغ: حزن، فرح، قلق، أمل... في وقت واحد)

«مذهل؟

الإنسان يمكنه أن يشعر بشيئين متناقضين في اللحظة نفسها.

أن يشتاق ويغضب.

أن يفرح ويبكي.

أن يضحك من شدة الألم!

نظام الشعور عندهم ليس له مفتاح تشغيل أو إيقاف...

إنه سيل جارف غير خاضع للمنطق.»

(تتغير الشاشة. يظهر رجل يبكي أمام لوحة. امرأة تتأمل البحر. طفل يحدّق في السماء.)

يتفاعل أحد الكائنات الفضائية مع العرض، ويطرح سؤالًا ساخرًا: «هل كانوا يملكون وعيًا حقًا أم كان ذلك وهمًا طينيًا؟»، ويتبع ذلك لحظة صمت في القاعة، ثم يعود المحاضر ليستأنف بشيء من التوتر.

«هم أيضًا... يتأثرون بالجمال.

شيء لا يمكن قياسه، لا وزنه، لا طعمه...

ومع ذلك، قد يجعل أحدهم يبكي ساعات لأنه سمع لحنًا معيّنًا».

(ثم بصوت منخفض، متهدّج)

«لكن الأغرب؟

أن كل هذا – كل هذه العواطف، الذكريات، الدموع، الأحلام –

يمكن أن يعيشها إنسان في دقيقة واحدة فقط.»

(صمت طويل. ثم تظهر جملة أخيرة على الشاشة:

«أنا إنسان... أعيش آلاف الحيوات في دقيقة واحدة، ولا أحد يفهمني حتى نفسي.»»

يقول المحاضر وهو يختم حديثه، بنبرة تشبه التردد: «عذرًا على اختفائي المفاجئ المرة الماضية، لكن لو رأيتم ما رأيته لاختفيتم مثلي. نكمل في الجزء القادم إبحارًا في أعجب كائن في الكون...)

ختامًا: للحديث بقية.

كل شيء في هذا العالم الهائل.. صامت.. كل شيء.. إلا الإنسان.

هو وحده من يكسر صمت الكون، بغنائه، بحلمه، بدموعه، بضحكته المجروحة.

وهنا، عند هذا الحد الفاصل بين السكون والصراخ، ينتهي لقاؤنا اليوم مع هذه النظرة الغريبة المدهشة إلى طبيعتنا، لكن الرحلة لم تنتهِ بعد.

ما زال الكائن القادم من الأعماق يحضّر لنا المزيد... المزيد مما سيجعلنا نتساءل: من نحن حقًا؟ ولماذا نحن بهذه الطريقة العجيبة؟

تابع معنا الجزء الثالث من سلسلة «كشف أسرار الجنس البشري»، ففي هذا الجزء تتعمق الرؤية، وتتشابك الأسئلة، وتتسع دائرة الدهشة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.