كرمة لبنان

عندما يكتب عنها جبران، وتغني لها "جارة القمر" فيروز، وغيرهما من الشعراء والمطربين فلا بد من التوقف والتأمل ملياً لنتذوق كروم لبنان، ونبتهج بعناقيدها المتدلية، كحبات اللؤلؤ التي تتلألأ بألوانها الرائعة كثريات الذهب، ومن قبل وبعد بثقافتها، وأجوائها العاشقة.

بصوتها العذب الرخيم تصدح فيروز بقصيدة جبران خليل جبران (1883م -1931م) والتي فيها:

سكن الليل وفي ثوب السكون تختبئ الأحلام

وسع البدر وللبدر عيون ترصد الأيام

فتعالي يا ابنة الحقل نزور كرمة العشاق

علنا نطفئ بذياك العصير حرقة الأشواق...

كما تغني له أيضاً أبياتاً يقول فيها:

هل جلست العصر مثلي

بين جفنات العنب

والعناقيد تدلت

كثريَّات الذهب...

ومنذ قدم الزمن شكلت الكرمة، والحنطة، والزيتون ثالوثاً غذائياً، وجمالياً كان له وما زال دورٌ رئيسٌ في حياة سكان منطقة الشرق الأوسط عامة وأهل لبنان والشام خاصة.

ومن هذا الشرق انطلقت الكرمة العتيقة، وانتشرت لأرجاء المعمورة، لكنها تبقي في لبنان حيث موطنها المُفضل، وشجرها المعزز المكرم مستثمراً فيها من كرّامي لبنان زراعياً وتجارياً، ليكون إنتاجها وفير، ومذاقها أثير، ولثقافته أثر وتأثير، ويمتد موسم قطاف العنب عادة ثلاثة أشهر، من تموز إلى أيلول، تسبقه مرحلة من العناية والاهتمام تمتد أشهراً، وتبدأ في كانون الأول بعملية (التشحيل)، ثم رش الورق كل 15 يوماً بأدوية زراعية منعاً لفتك الأمراض والأوبئة، وعندما ينبت الحصرم يتم رشه مرة أخرى، ولعل الطقس ودرجة الحرارة ونسبة الرطوبة من أهم العوامل المناخية تأثيراً في نجاح زراعة العنب.

وفي البقاع على طول السهل وعرضه كروم بقاعية، كما تتجول بسعادة وسط كروم (الفرزل، وتمنين، وسرعين، وقصرنبا، وحوش سنيد، والبقاع الغربي)، غير أن منطقة (مغدوشة) تشتهر بعنبها الحلو المذاق، حتى إنها تنظم كل عام مهرجانات كروم الشمس نسبة إليها، يعتمد أبناؤها بشكل رئيس في أرزاقهم على موسم العنب إلى جانب (البوصفير) الذي يصنع منه ماء الزهر والزيتون، وسعر كيلو العنب المغدوشي يتراوح بين 4 ـ 6 آلاف ليرة لبنانية، فهو مميز في الأسواق اللبنانية ومعروف بأنه حلو المذاق ليس له مثيل، وقد استقدمت الشجيرات الأولى من حيفا ـ فلسطين، وزرعت في البلدة قبل أن تعرف فيما بعد بعنب مغدوشة.

وإذا ما صحوت الصبح ورأيت الكروم ذات الأغصان المتلونة البراقة المبتهجة شعرت أنك في لبنان حقاً، وكل لبنان جميل، وجمال أعنابه في تفاوت ألوانها بحسب أصنافها إما سوداء، أو زرقاء، أو بنفسجية، أو ذهبية اللون تميل إلى الخضرة أو بيضاء، فتلك عنبة استعارت لون الشمس الأصفر فوق ثوبها، حتى تكاد العين تمسك بالبذرة الكامنة النائمة لحين، أما العنبة التي احمرت خدودها، فتماسك نسيج ثوبها، والعنقود الكبير الحجم من الأعلى والذي تتدلى منه عنيبات صغيرة الحجم ذات طعم فائق الحلاوة. 

سيد الفاكهة اللبنانية

يعتبر العنب من الفواكه ذات القيمة الغذائية والعلاجية الجيدة، ويُقبل اللبنانيون على الكروم زراعةً وأكلاً، ويأكلونه أكثر من أي فاكهة أخرى، وما التفاح، والكرز، والخرما، والفريز... إلخ إلا أنواعٌ دخيلة، ومهما علا شأنها يبقي العنب في نظره سيد فاكهته، فهو فاكهة طبيعية شهية، تغري العين قبل اللسان، وهو رفيق طعام الإفطار مع صحن من الجبن الأبيض، والزيت والزعتر والزيتون، ومع طعام الغداء مع صحن من الباذنجان المقلي أو بطاطا مع كزبرة وثوم مدقوق، وهناك ورق العنب الملفوف بالزيت.

ويحول العنب إلى الدبس (يقوم مقام السكر)، بينما يغادر مذاقه وشكله ليغدو خلاً، ذاك الخل صديق وفيٌّ لصحن الفتوش، وفي مواسمه وغير مواسمه، يجفف العنب ليتحول زبيباً، عبر مشواره مع أشعة الشمس التي تجفف ماءه، مع الاحتفاظ بمكوناته من الطعم.

أما الدبس المفلتر فيُعصر العنب باليد لكي لا يتكسر بذره، ويوضع في كيس ذي قماش سميك ويخلط معه تراب الحور، ويعلق الكيس لكي يبدأ عصير العنب بالتخلص من كل الشوائب ويفلتر، ويُؤخذ العنب المصفى ويُغلى على النار حتى يتماسك فيكون دبساً، هو عنب ودبس في آن معاً، ومزارعو لبنان يجزمون بأنك لن تجده في أي مكان آخر، لكن حال صناعة الدبس في لبنان، كما الكثير من الصناعات الريفية التي شبت عليها أجيال وأجيال، فبعدما كانت عاملاً أساسياً في ضمان أمن الناس الاجتماعي والاقتصادي، حلّت الآلات الجديدة وبات التراث شيئاً مستهجناً، كما هي الحال مع صناعة الفخار، والنحاسيات، والدباغات، وهناك الخبيصة أو الملبن وتتكون من عصير عنب مصفى وطحين، وملاعق من القريش ومن السمسم المحمص.

طرب ودراما

للعنب أيضاً غنّى المطرب المصري ماهر العطار (على بياعين العنب)، كما غنت نظيرته فاطمة عيد (بياعين العنب)، وهناك أغنية (عنقود العنب) لمحمد منير، وفيها:

مانيش آخر حبيب يدخل مدينتك

ولا هتكوني يوم آخر حبيبة

ده اللي انكتب مفروط يا عنقود العنب

واللي انقرا غنيوة بس قصيرة.

وفي لبنان كثير من المواقع الخلابة التي كانت موضع جذب لتصوير العديد من الأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية، والأغنيات التصويرية، ويفتخر أهالي دوما الواقعة في جبال البترون على بعد نحو 88 كلم عن بيروت بأن بلدتهم أصبحت استوديو طبيعي لتصوير الأفلام، والفيديو كليبات، والمسلسلات، فكل زاوية في دوما يبدو أنها صورت ذات يوم لتشكل مشهداً من فيلم ما، أو أغنية، أو ربما مسلسل، وغرام المخرجين ليس لجماليتها فقط، ولكن لأنها لا تزال عتيقة أصيلة، وفضلاً عن أن سوقها القديمة تشكل مقصداً للسياح، ولستَ بحاجة لدليل في دوما كي تعرف أمام أي دكان في السوق جلس الفنان فارس كرم ليصور كليب (الأرجيلة)، لكن فيلم "سفر برلك" (1965م) الشهير لفيروز والأخوين رحباني ما يزال يذكره الناس كباكورة ما تم تصويره في دوما.

ودوما بلدة الحلقوم (نوع من الحلوى يؤكل مع البسكويت) والحلاوة، وكل من يأتي إلى هنا لا بد أن يأكل من بوظة الزحلاوي، لكن الأهم أن الفنانين يحبون دوما حيث صورت نجوى كرم فيديو كليب (بحبك ولع) في بيت جميل غطته النباتات الزاحفة من أعلاه أسفله، ودوما الجبلية التي ترتفع نحو 1100 متر عن سطح البحر لها موقع خلاب، فإذا ما أخذت أحد الطرق الصغيرة من دير مار يعقوب للوصول إليها تجد نفسك وسيارتك وكأنك تقف على كتف واد سحيق، مشهد يذكرك مباشرة بأشهر ما صور في هذه المنطقة على الإطلاق، وهو فيلم (هلأ لوين) لنادين لبكي الذي عرض عام 2011م، وجاب المهرجانات العالمية وحصد العديد من الجوائز المهمة، ومن الأفلام التي صورت مشاهد منها في دوما أيضاً "باب الشمس" للمخرج يسري نصر الله، وهناك أيضاً المسلسل السوري الاجتماعي "نيران صديقة" الذي صور في غالبيته الساحقة في هذه الضيعة الجميلة التي تتباهى ببيوتها التراثية القرميدية، وكذلك المسلسل التاريخي "جنى العمر" للمخرجة اللبنانية ليليان البستاني، وكثيرون صوروا هنا كالفنان جو أشقر حيث صور فيديو كليب، وكذلك الفنانة باسمة ودينا حايك، ذلك لأن كل شيء جميل في دوما: البيوت الأثرية، وموقعها الجبلي الخلاب، وهندستها الأصيلة، وقرميدها الأحمر، وضيافة أهلها وروحهم الطيبة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.