بين النشوة والانهيار.. لماذا نحب كرة القدم حبًا غير مشروط؟

هذا المكان مملوء بالصخب، والضجيج، والتوتر.. والنشوة أيضًا.

على قارعة الطريق استغنوا عن الكراسي التي امتلأت بالجالسين، وافترشوا الأرض بكل بهجة وترقب، مشرئبين الرؤوس، كل الأعين باتجاه واحد نحو شاشة التلفاز.

كوكتيل عجيب بين ضجيج المارة، ورائحة الشاي التي غلبت كل الروائح، وصوت المعلق يصدح بكل القوة في بداية المباراة، ثم يخفت صوته رويدًا مع النهاية.

الصبي يمر على الجالسين لأخذ طلبات المشروبات اللازمة، صوت الملاعق داخل الأكواب بحركة ماهرة تأتي من بعيد، الصوت الذي يشعرك بغمرة راحة وهمية، كصوت أم كلثوم الخافت الذي يأتي من بعيد، لا تعلم مصدره ولا يعنيك، كل ما يهمك أن شيئًا يجتاحك ولكن لا تعرف كنهه، أهي مشاعر خافتة أم لحظات من التجلي!

صخب المتابعين في هذا المكان.. يحللون كل شيء حتى فنجان القهوة الذي لم يطلبونه بعد، يحللون الفرقة ويحللونها عن بكرة أبيها.. التشكيلة التي لن تعجبهم قط.. اللاعب، المدرب الذي لا يعرفونه ولكنهم تعجبهم ابتسامته.. وآخر تعجبه عصبيته، تسريحة شعره، هدوءه.. المهم أن الكل في هذا المشهد يجد ليلاه التي يبحث عنها.

يتنفس عبقًا من حب طفولي وجده بين الجموع، وهو يشاهد كرة القدم، هي مجرد هواء في لفافاتٍ بلاستيكية دائرية، مع كل تسديدة آهات تحمل آلاف الآمال والأماني، مع كل هدف آلاف الصيحات.. الحلم الذي يُبنى والأمل الذي يُفنى.. كلها في ثوانٍ معدودة.

«أفيون الشعب» لا توصفها كلمات، ولا تشرحها سوى النشوة في لحظة الفوز، والانهيار والسقيع في لحظة الهزيمة.

ماذا يضير المرء لو كان له ما يلجأ إليه ليخفف عنه وطأة ما صادفه طوال يومه، سوى مباراة لفريقه المفضل في نهاية اليوم؟!

لا أعلم إذا كانت كرة القدم تعلم مقدار المشاعر المختلطة التي يشعر بها محبوها أم لا، أظن لو أنها كانت رجلًا لتكبرت وعتت عتوًا كبيرًا.. يحبونها لذاتها حبًا غير مشروط.. في الفوز تزداد عشقًا، وفي الهزيمة تزداد إصرارًا، وفي كليهما لذة.

لا أعلم إذا كانت كرة القدم تعلم مقدار المشاعر المختلطة التي يشعر بها محبوها أم لا

لا شيبان ولا كبار، فالكل في حضرة كرة القدم صبيان ببراءة الأطفال..

نشوة الحلم التي تستطيع الشعور بها، القفز الحر الذي لم تطأه قط، فرحة الأطفال عندما تلامس أيديهم قطرات المطر، شعاع الشمس الذي يتخلل خلسة ثنايا الفراغ، الريشة الطائرة بحريتها في الهواء.

لا شيء يضاهي النشوة.. يبحث الإنسان عنها حتى في سُباته.. لا شيء يضاهي أن تلمس قدماك حافة ملعب كرة القدم.

لا شيء يضاهي أن تسدد الكرة بملء قدمك، تُلقي معها كل شيء حملته فوق كاهلك.. هكذا دفعة واحدة، كأنه سهم، كأنه كبت، كأنه ثأر.

كأنها حياة لتوها وُلدت.. لحظات من الحب والتوتر والجنون.. تسعون دقيقة ليست دقائق فحسب.. بل كأنها حيوات متداخلة، كلما انطفأت أشعلتها نار اللذة.

التوهان المحبب والملاذ الذي أدمنته.. تنتشي بكل قوة وتغضب لذاتها.. ثوران غامر يهدأ بتسديدة عابرة أو هدف، كأنك أنت من سجلته وأنت من ذلك براء..

تصرخ بالقوة ذاتها لحظة الانتصار ولحظة الهزيمة.. ثأرًا من الأيام التي خذلتك.. في هذا المكان ملجؤك دائمًا، وملاذك.. هذا المكان مملوء بالصخب والضجيج والتوتر والنشوة أيضًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة