كذب الحُبّ

لا أجيد كتابة المقدّمات، لكن يمكن لي أن أشد انتباهك ببعض الكلمات المطرّزة بدقة ولياقة في جملٍ مسترسلة لعلّ أبرزها يهتم بمنطق الحُبّ، ويمكن أن يكون بعضها الآخر مربوط بمفهوم الكذب.. لا لا انتظر هل الحُبّ كذب؟ أم يوجد كذب في الحُبّ؟

أسئلة راودتني منذ أن أحببت أول مرة.. هل حقًا أحببتها أم كنت أكذب عليها.. هل أحبتني هي أم كذبت عليّ؟ لا يُمكن لي طرح هذه النظريات لأنني لا أجيد الكذب بيد أنها هي أيضًا لا تجيده ولكن يمكنني أن أجزم أنها لم تكن تعرف الحُبّ ومعناه. وفي الحقيقة أنا أيضًا كنت مثلها لا أعرف معناه ولا أجيد ممارسته.. وبذلك ها قد اجتمعنا على نفس القيم والمبادئ وترابطنا في الثنائيات فهي لا تعرف الحُبّ وأنا مثلها، وأنا لا أجيد الكذب وهي مثلي.. فكيف كنا سويا ونحن لم نحب بعضنا يومًا ولا ساعة ولا دقيقة بل لم نحب بعضنا لثانية.. لقد استنتجت بعد أن تفارقنا وعلاقتنا هذه لم تدم إلا أشهر معدودات.. حقًا لقد صدق محمود درويش لما قال: "الحُبّ كذبتنا الصادقة".. 

وجزم حافظ الشيرازي عندما كتب في قصيدته: "ألا أيها الساقي... أدر كأسًا وناولها".

وكأنه أراد ألا يدرك كذبها وأراد منها ألا تتفطن بكذبه فسقاها الخمر وشرب معها حتَّى يكونان صادقين تحت تأثير الشراب.. فهم لم يحبا بعضهما ولو لوهلة.. فلماذا كانا معًا وبقيا يكذبان؟

هذا فقط تخمين ولا صلة له بواقعنا أي مجرّد نظريات. 

عمومًا ما ألطف تجريب مذاق العشق ومتعة العشاق.. ما أجمل أن تكون كذبتك صادقة.. فكلنا نعلم أن الحب لن يدوم فالشاب غادر والفتاة خائنة ولكل رقعته الشطرنجية.. لكن هل ستحمي الملكة ملكها حقًا من غدر الحب! وهل سيكون الملك صادقًا في حبه لها! 

يقول جورج امادو في تفسيره لمفهوم الحب: "في أول البدء كان الحب الأول بين آدم وحواء فعاشا سويًا وأنجبا ثمّ بدأت العاصفة.  فالجميع يحبون، يغنون للحُبّ، يرقصون للحُبّ، يؤلفون القصائد والقصص عن الحُبّ، يتلون الخرافات والأساطير عن الحُبّ، يتتوقون للحُبّ، ويعيشون للحُبّ، يقتلون من أجل الحُبّ، ويموتون من أجل الحُبّ، ولكن لا أحد يفهم مكنون السرّ في هذا". 

ويقول البعض إن هنالك قناعة تامّة بأن ليس كل الَّذين يخونون لا يحبون، ولا كل الَّذين يحبون لا يخونون، فالبعض يخون برغم الحب والبعض يحب برغم الخيانة.

فما هو الكذب في الحُبّ وهل الحُبّ كذب.. ولما ربط الكذب بالخيانة؟ 

فمن الصادق الحبيب أو الحبيبة.. إن أغلبية المحبين في عالمنا هذا يتبادلون الحُبّ لأغراض شخصيّة فهذه أغريت بماله ونسبه، وذلك أحب جمالها لا شخصيتها وتلك ارتبطت به للانتقام من معشوق سابق، وهذا ارتبط بها ليتمتع ببنيتها الجسديّة ويلهو بها لبعض الوقت.. وكل هذا مقابل قول كلمة أحبّك ولو أنها في الحقيقة أحبك كذبًا..  فهذا الشكل من العلاقات ينتهي عادة بشكل سريع جدًا، كما أن التناقض يؤثر عليه.. 

فلما نقول إن عالمنا مغمور بالحب وأنه بني على الحُبّ.. فآدم لم يحب الله لأنه خان وعده وأكل من الشجرة وابنا آدم لم يحبا نفسهما وتشاجرا على فتاة وقتل الأخ أخاه وغيرهم من الأحباب الكاذبين.. 

فهل كنتُ كاذبًا مثلهم لأنني مارست الحُبّ! 

فهمت الآن أن الكذب في الحُبّ مرتبط بالإتقان والفعل.. فكثيرون يقولون إن الحُبّ فعل لا الكلام ولكن قليلون من يفعلون.. 

اعتمدتِ في كشفك لكذبتي عندما أغلقت عيناي الاثنتين لما سألتني هل أحببتك أم لا فاستنتجت من ذلك أنني خفت ولم أنظر لك خجلًا من قول الحقيقة، وأنني كنتُ كاذبًا لكن الَّذي أعرفه أنني لم أفتح عيني لأنك كنت دمعة داخلها فحاولت عدم فتحها حتَّى لا تخرجين وأخسرك..

فقد تاهَ قَلبِي عَنِ الجَميع ولَم تعُد تُبصِرُ عَينايَ سِوَاكِ، ولكن في كلتا الحالتين خسرتك وهذا دليل على كذبك في الحُبّ اي أنك هربت سريعًا وكأنني أنا من مارس الكذب.. وفي الحقيقة أنا أحببت ولكن هي الَّتي كذبت.. فربطتِ الحُبّ بالكذب وكنتِ تكذبين يا حبيبة.. فلا أنا أحببتك ولا أنت كذبت.. فها أنا أكذب الآن كما أنت أحببت..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال جميل

ارجو ان تقرا مقالاتى و تعطينى رايك

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب