كذبة نيسان مقاربات في تاريخ الكذب

مقاربات تبدو غريبة إلا أنها تتحدث عن موضوع شائع وله رواج إعلامي، اليوم بوصفه بابًا للاحتفال والترويح عن النفس تحاول أن تجعل منه شبكات التواصل بابًا للاحتفال والتواصل فقد حلت تلك الوسائل محل الأعياد الشعبية التي تذكرنا بمواسم الحصاد التي كانت تحدث بالربيع في بابل وآشور، وإحدى تلك الاحتفالات الشائعة  اليوم هي: كذبة نيسان (April Fools' Day)؛ إذ تعد بمثابة يوم للمرح، وكسر التوقع، لما هو ثابت وتقليدي؛ على الرغم من أن هذه المناسبة ليست يومًا رسميًا أي احتفال كأي احتفال رسمي سواء كان سياسيًا أم دينيًا، بل يمكن أن ينتمي إلى تراث شفاهي عميق الحضور في ثقافتنا الشعبية، يتم الاحتفال بهذا اليوم للمرح والخروج على التقليدي والروتيني؛ لكنه يبقى احتفال شعبي كرنفالي اعتاد فيه على الاحتفال وإطلاق النكات وخداع بعضهم لبعض.

على الرغم من  أن الناس اعتادوا على ممارسة الكذب بأشكاله  المتنوعة: (السياسية، والاجتماعية)؛ إلا أنهم لا يقولون عنها أنها مناسبة للكذب على الرغم من أنها تسمى "كذبة نيسان"، ولعل هذا يدفعنا إلى الحديث عن الكذب وتاريخه كما عرض له الفيلسوف الفرنسي "جاك دريدا" من خلال كتابه الذي سماه "تاريخ الكذب"، لا ينشد فيه سوى تحديد مفهوم الكذب، ما يدفعه لنبش الأفكار الإنسانية التي ناقشت هذا المفهوم منذ زمن أفلاطون، وأرسطو، وصولًا إلى "حنا آرنت" ودراستها الموسعة في السياسة والكذب، ولعل هذا الكتاب يبين لنا أن الكذب حدث متوطنًا بعمق في ثقافتنا الإنسانية، وإن اتخذ أقنعة ومسميات متنوعة.

نعود إلى موضوع الحديث إنه "كذبة نيسان" فهو يوم واسع الحضور في تاريخ الإنسانية سعةً وعمقًا في غالبية دول العالم باختلاف ألوانهم وثقافاتهم، وذهبت أغلبية آراء الباحثين إلى أن "كذبة أبريل" تقليد أوروبي قائم على المزاح يقوم فيه بعض الناس في اليوم الأول من أبريل بإطلاق الإشاعات أو الأكاذيب، ويطلق على من يصدق هذه الإشاعات أو الأكاذيب اسم "ضحية كذبة أبريل"، إذ هو: مهرجان للتسلية ومما ذكر في هذا الصدد "علام مهدي" في كتابه الرائع حول فلسفة الكذب قوله: "في الأول من نيسان أعلنت جريدة بريطانية عن افتتاح معرض مهم  للحمير، ولما حضر القوم صباحًا لم يجدوا أحدًا هناك، ولما انتظروا لم يفتتح المعرض، فوضع كل يده على أذنيه وقال من هم الحمير إذن غيرنا؟ فكانت نكتة أول نيسان المشهورة".

هناك تاريخ لهذه المناسبة أي "كذبة نيسان"، ويبدو أن هناك تأويلات متنوعة عن أصل هذا الاحتفال وهي في أغلبها غير مثبتة، كعدم ثبات الاسم الذي يختلف به الغرب بين من أطلق على الضحية ففي فرنسا اسم السمكة وفي اسكتلندا نكتة أبريل، على الرغم من هذا فهناك حكايات تقول إن الأصل فيه يعود إلى "عيد هولى" الهندوسي في 31 مارس من كل عام، وفيه يقوم بعض البسطاء بمهام كاذبة لمجرد اللهو والدعاية، ولا يكشف عن حقيقة أكاذيبهم هذه إلا مساء اليوم الأول من أبريل، وهنا يبدو أن الحدث وليد تصورات دينية شعبية تضم معتقدات خرافية تشكل تصورات، وطرق لرؤية الأشياء، والعمل، التي تجمع كلها تحت اسم الفولكلور، والفولكلور متعدد، وشديد التنوع، يقف في تعارض وتناقض ومعارضة ضد التصورات الرسمية يمكن فهم الفولكلور بوصفهِ انعكاسًا لشروط حياة الشعب الثقافية.

وهو ما يظهر في الفولكلور المسيحي في العصر الوسيط، إذ أن شهر أبريل في هذه الحقبة كان وقت الشفاعة للمجانين وضعاف العقول فيطلق سراحهم في أول الشهر ويصلي العقلاء من أجلهم، وفي ذلك الحين نشأ العيد المعروف باسم عيد جميع المجانين أسوة بالعيد المشهور باسم عيد جميع القديسين، لعلها فعلًا مقاربة ساخرة عندما يجتمع هذا العيد وتاريخ ولادة "بسمارك " السياسي الألماني المعروف. وأيضًا من أشهر الأكاذيب التي عرفها الفولكلور الشعب الإنجليزي الذي يعد أشهر شعوب العالم كذبًا في أول أبريل هذه الكذبة التي جرت في أول أبريل عام 1860م في هذا اليوم حمل البريد إلى مئات من سكان لندن بطاقات مختومة بأختام مزورة تحمل في طياتها دعوة كل منهم إلى مشاهدة الحفلة السنوية "لغسل الأسود البيض" في برج لندن في صباح الأحد أول أبريل مع رجاء التكرم بعدم دفع شيء للحراس أو مساعديهم وقد سارع جمهور غفير من السذج إلى برج لندن لمشاهدة الحفلة المزعومة.

فهكذا احتفالات تبقى جزء من تلك الثقافة الشعبية بطابعها الشفاهي، وتنوعها العرقي، وانتشارها اليوم بين شبكات التواصل يستثمر طابعها الشعبي من أجل جعلها أكثر انتشار ،وتلقي بين الأوساط الاجتماعية، إلا أنها تبقى مختلفة عما عرفت به الثقافة الرسمية والعالمة من رقابة وثبات وأكثر يقينية، بينما تفلت الثقافة الشعبية من أية رقابة، بما فيها الرقابة التي يفرضها الأنا الوعي على اللاشعور اللاوعي، على نحو ما يكشف التحليل النفسي الذي يرى "النكت" مجالًا يتحرر فيه اللاوعي من رقابة الوعي، وكثيرًا ما نعثر -بجانب النكت- على حكايات وأغانٍ تخترق المحظور في القيم السائدة، سواء على الصعيد الديني أو الجنسي أو السياسي.

على الرغم من هذه المحظورات إلا أن تلك الثقافة الشعبية حافظت على قصصها ونكتها و… إلخ، للتعبير عن موقف الجماعات من العالم والحياة، إدراكًا أو تفسيرًا أو تبريرًا أو سخريةً، حسب الموقف والسياق وطبيعة كل نوع ووظيفته، مما يجعل من الأنواع الأدبية الفولكلورية أنواعًا حتمية، لإحداث التوازن والمقاومة، في واقع تاريخي يقع داخل دائرة التسلط، والاختلال الاجتماعي.

لكن للكذب حضوره في الثقافة العالمة أو الرسمية مثلما هو في الثقافة الشعبية ففي المدونات الرسمية هناك تعاريف للكذب نجدها حاضرة منذ الفكر اليوناني منذ أفلاطون الذي أسماه "فن الكذب"، وعند أرسطو الذي ركّز في كتاب "الميتافزيقيا" على ثلاث موضوعات تتصل بالكذب، أولها الشيء، وثانيها القول، وثالثها الإنسان الكذاب، وهو ليس "فقط الذي يملك القدرة على الكذب، بل هو الذي يميل إلى الكذب" بحسب أرسطو، وعن الكذب يقول فرانسيس بيكون: " إن خلط الكذب بالصدق مثل خلط الذهب بالفضة قد يسهل استعماله ولكنه يحط من قيمته؛ لأن هذه السبل الملتوية تشبه سير الأفعى فتسير سفلًا على بطنها وليست سوية على أقدامها".

وللكذب أبعاد متنوعة وأشكال للسخرية ولعل في تراثنا العربي اشكال متنوعة منها عن "جحا "، ففي يوم طلب جار لجحا استعارة حماره لقضاء حوائج له قال إنه ليس في الزريبة، ولم يكد جحا ينتهي من كلامه حتى ارتج المكان بنهيق منكر للحمار؟ التفت الجار إلى جحا وقال ماذا تقول؟ قال جحا أتكذبني وتصدق حمار؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة