انتشرت في حياتنا كذبة تسمّى كذبة إبريل التي جعلت الكذب مباحا! فترى الأصدقاء يتفقون على قول كذبة لصديقهم ممّا قد يسبب له الذعر وفقد قيمة الحبّ والاحترام المتبادل بين بعضهم البعض، لذلك فإن الكذب خلق ذميم وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم...
فأنت حينما تكذب ستشعر بالضيق.. وهذه الضيقة ناتجة عن اقتراف هذا الذنب... فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند كذابًا.
فالكذب كالسيجارة المشتعلة حينما ترمي بها في حديقة مزهرة فتحرقها وتحولها إلى رماد.. ناهيك عن آثار الكذب على الفرد والمجتمع.. فالكذب لا يعمر بيتا ولا يرفع قدرًا ولا يزيدك سلطانًا.. وكل ما فيه سخط الله فإنه يهوي بالعبد... وعلينا أن نعلم أن حبل الكذب قصير سرعان ما ينكشف فيجعلك تبدو ذميمًا في أعين الناس...
وقد قال الله سبحانه وتعالى في الحث على الصدق: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" التوبة (119)
فكذبة إبريل ليست من تعاليم ديننا، وإن أباحها الناس وقد أمرنا الله أن نكون مع الصادقين حتى نفلح ونفوز برضاه وجنته.. فلا يوجد كذبة بيضاء وسوداء ولا يجوز الكذب على سبيل المزاح... فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمزح مع أصحابه لكن دون أن يكذب أبدا... وهذه قصّة تبيّن لنا كيف كان مزاح النبي عليه الصلاة والسلام،" عن أم أيمن أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لزوجها، فقال لها: (من زوجك؟ قالت: فلان، فقال: الذي في عينه بياض؟ فقالت: أي رسول الله! ما بعينه بياض، قال: بلى. إن بعينه بياضاً، فقالت: لا والله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما من أحدٍ إلا في عينه بياض)، وفي رواية: (فانصرفت عجلة إلى زوجها، وجعلت تتأمل عينيه، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في عينيك بياضاً، فقال: أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها) ".
نجد أن مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إضرار فيه فقد كان يتحدث بصدق تام فكل الناس في عينيهم بياض، فكان صلى الله عليه وسلم دائما مبتسما ويحب أن يجبر قلوب الناس ويزيح عنهم ما أثقلهم من هموم الحياة. ففي حديث ابن عباس أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دعابة قليلة" أي مزاح يسير ليفرح به قلوب من حوله. وقد كان مجتنبا تماما لصفات المزاح المذموم فالمزاح المذموم يورث الحقد بين القلوب ويورث الضغينة في الصدور وربما جر إلى النميمة والغيبة وبعض المزاح يقلل هيبة المرء وبعض المازحين قد يفضل غيابهم الآخرون حتى يرتاحوا من شرهم وإيذائهم...
فنرى كيف يعلمنا رسول الله كيفية المزاح التي لا يوجد فيه أي صفة مذمومة ومن بعض قصص مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: أنه قد دلل بعض أصحابه بيا ذا الأذنيين ملاطفة ومداعبة ولم يكن بغرض الاستهزاء والسخرية، بل لرسم ابتسامة على وجه الصحابي فمن ليس له أذنان؟
أما عن محبة الله للصدق والصادقين فقد قال سبحانه جل في علاه: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم" المائدة (119).
فأي فوز قد أعده الله لعباده الصادقين... وأي ظفر هذا الذي قد حازوه! فالله يبشرك إن صدقت ولم تكن كاذبا أن لك جنة خالدا تعيش فيها تجري من تحتها الأنهار، ليس هذا فحسب، بل لك من رضوان الله ما يشرق روحك ويملأ صدرك أفراحا وسرورا... "رضي الله عنهم ورضوا عنه" فالله الله بالصدق إنه للفوز العظيم الذي يشرح الصدور... ويملأ ساحات قلبك بالنور...
وقد روى سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد قال: "رأيت الليلة رجلين أتياني، قالا: الذي يشق شدقه فكذاب، يكذب بالكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة. (صحيح البخاري)
وهذا الحديث يدل على عظمة خطورة الكلمة فلا يصح أن يتحدّث الإنسان بالكذب حتى لا يأتي يوم القيامة بذنوب عظام يسببن له سخط الله ولربما ولوج النار نسألك اللهم عفوك، فإن الكذب صفة المنافقين فكما قال رسول الله صلى الله عليه: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان.
لذا فعلينا بالمبادرة إلى التوبة من الله، وطلب العفو والمغفرة منه سبحانه، وعدم اتّباع طرق الضلال؛ لنحظى بروح مشرقة ورب راض عنّا غير غضبان، ليوفقنا ويهدينا سبيل الجنة والرشاد...
وداعًا كذبة إبريل لا تستحقين أن تفتكي بحسناتنا... وتورثينا ذنوبًا ثقال...
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.