كذبة إبريل

اعتاد الناس في مختلف بقاع العالم ربط كل شهر بحدث تاريخي معين، وقد وصلت بعض الأحداث إلى درجة العالمية، بحيث أصبح يحتفى بها على نطاق واسع.

لقد أصبحت الأيام العالمية محطات لتذكير الانسان بماضيه وماضي أجداده، وربط الناشئة بالتراث القومي والوطني والمحلي.

وإذا بحثنا في تاريخ كل يوم من الأيام العالمية، لا بد وأن نجد وراءه حكاية كبيرة مثيرة للانتباه، هذه الحكاية تم تداولها ونشرها على المستوى المحلي حتى وصلت إلى درجة العالمية، فأصبحت عيدًا أو يومًا عالميًا.

ولنا في عيد الحب واليوم العالمي للشعر واليوم العالمي للبيئة وغير ذلك من الأيام دليل على اتجاه التاريخ الإنساني إلى اتخاذ بعض الأيام والأحداث المرتبطة بها رمزًا وذكرى يتوقف عندها وقفة تأمل من أجل اقتفاء العبر واسترجاع تاريخ الأمجاد وكذا ربط الماضي بالحاضر.

إن الإنسان يتفاعل وينفعل ضمن ثلاث متغيرات أساسية (المجال، المجتمع، الزمان) محددة لوجوده الاجتماعي، وذلك التفاعل يفرز العديد من الأحداث الاجتماعية، منها ما تنسيه الأيام، ومنها ما يظل حيًا في الذاكرة الشعبية، أو العالمية.

ونحن في شهر أبريل، لا بد أن تتبادر لكل امرئ منا أفكار قد تكون مستفزة، وقد تكون مجرد أفكار عابرة عبور السحاب في السماء في يوم مشمس.

لكل أبريل من كل سنة كذبته، ولكل دولة أو أمة كذبتها، وفي أبريل يجتهد أصحاب الخيال لنسج كذبات على شكل توقعات مستقبلية قد تكون قريبة من الحقيقة، بحيث يتم تداولها بشكل كبير بين الناس.

ولعل سرعة نشر المعلومة اليوم في زمن السرعة أصبحت أكبر من ذي قبل، وهو ما سيكون في صالح المبدعين في إنتاج الكذب بمختلف أنواعه.

في زمن الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أصبح الفرد يفر كل الفرار إلى وسائل الترفيه، والتي تأخذ منها وسائل التواصل الاجتماعي حصة الأسد.

فكذبة أبريل أصبحت مناسبة من المناسبات المهمة سنويًا، تدخل الجماهير سيكولوجيا على حد تعبير (غوسطاف لوبون) في جو من المزاح والمرح، فرغم أن الفكرة تافهة جدًا، تجدها تلقى انتشارًا بالغ الأهمية بين الناس، ولأن كثرة الجد تقتل، والناس محتاجون للترويح على القلوب ساعة دعابات بسيطة، أو نكت جديدة، ففي أبريل تطل عليهم الكذبات تباعًا، فتنزل بردًا وسلامًا على الكثير من القلوب التي أوجعتها ضغوطات الأيام القاسية.

إن كذبة أبريل نتاج اجتماعي إنساني محض، تتخذ قالب حكاية أو نكتة عجيبة ومثيرة للانتباه، بحيث لا تخلو من صفة السخرية والمزاح والمرح، ما إن تتلقفها مسامع الناس، وتدركها العقول، إلا أن تتفاعل معها بالضحك والانبساط.

ونحن نتكلم عن كذبة أبريل، لا بد أن تطل من أذهان بعضنا أفكار ثانوية تتسم بالجدل تتوق إلى معرفة أصل كذبة أبريل، وما دام الموضوع يتعلق بكذبة متداولة عالميًا، يصعب التحقيب لها بشكل علمي دقيق، اللهم إلا إذا حفر بعض الحفر في الذاكرة الإلكترونية، من خلال ما لفظه المحيط الإلكتروني، ومن خلال ما طرحته أمواج عبابه المتراطمة.

كانت وجهتنا إلى ويكيبيديا، لعلنا نقتفي المرجع الأصلي لانطلاق كذبات أبريل العابرة للأوطان في عصر الحداثة المفرطة.

لا توجد حقيقة مؤكدة لأصل هذه العادة، رجحت بعض الآراء أن أصل هذا اليوم هو أن الكثير من مدن أوروبا ظلت تحتفل بمطلع العام في الأول من أبريل، حيث بدأت هذه العادة في فرنسا بعد تبني التقويم المعدل الذي وضعه شارل التاسع عام1564م، وكانت فرنسا أول دولة تعمل بهذا التقويم وحتى ذلك التاريخ كان الاحتفال بعيد رأس السنة يبدأ في يوم21 مارس، وينتهي في الأول من أبريل بعد أن يتبادل الناس هدايا عيد رأس السنة الجديدة.

ثم جاء البابا غريغوري الثالث عشر بنهاية القرن السادس عشر، وعدل التقويم ليبدأ العام في 1 يناير، وتبدأ احتفالات الأعياد من 25 ديسمبر، وأطلق الناس على من ظلوا يحتفلون حسب التقويم القديم تعليقات ساخرة لأنهم يصدقون (كذبة أبريل)، لكن "قصص كانتربري" للكاتب (جيفري شوسر) انقضت هذه النظرية وقالت أن حكايات "كذبة أبريل" تعود للقرن الرابع عشر وقبل قدوم البابا غريغوري الثالث عشر.

انتشرت إلى البلدان الأخرى وانتشرت على نطاق واسع في إنجلترا بحلول القرن السايع عشر الميلادي، ويطلق على الضحية في فرنسا اسم السمكة وفي اسكتلندا نكتة أبريل.

ويرى آخرون أن هناك علاقة قوية بين الكذب في أول أبريل وبين عيد هولي المعروف في الهند والذي يحتفل به الهندوس في 31 مارس من كل عام وفيه يقوم بعض البسطاء بمهام كاذبة لمجرد اللهو والدعاية ولا يكشف عن حقيقة أكاذيبهم هذه إلا مساء اليوم الأول من أبريل.

وهناك جانب آخر من الباحثين في أصل الكذب يرون أن نشأته تعود إلى القرون الوسطى إذ أن شهر أبريل في هذه الفترة كان وقت الشفاعة للمجانين وضعاف العقول فيطلق سراحهم في أول الشهر ويصلي العقلاء من أجلهم وفي ذلك الحين نشأ العيد المعروف باسم عيد جميع المجانين أسوة بالعيد المشهور باسم عيد جميع القديسين.

وهناك باحثون آخرون يؤكدون أن كذبة أول أبريل لم تنتشر بشكل واسع بين غالبية شعوب العالم إلا في القرن التاسع عشر.

والواقع أن كل هذه الأقوال لم تكتسب الدليل الأكيد لإثبات صحتها وسواء كانت صحيحة أم غير صحيحة فإن المؤكد أن قاعدة الكذب كانت ولا تزال أول أبريل ويعلق البعض على هذا بالقول أن شهر أبريل يقع في فصل الربيع، ومع الربيع يحلو للناس المداعبة والمرح.

وقد أصبح أول أبريل هو اليوم المباح فيه الكذب لدى جميع شعوب العالم فيما عدا الشعبين الإسباني والألماني، والسبب أن هذا اليوم مقدس في إسبانيا دينيًا أما في ألمانيا فهو يوافق يوم ميلاد "بسمارك" الزعيم الألماني المعروف.

يعتبر الكذب عبارة عن قول أو فعل يلجأ إليه الإنسان لإخفاء حقيقة ما، حينما يتعذر عليه سرد واقعة ما كما وقعت بالضبط فإنه آنذاك يلجأ مضطرًا خوفًا من العقاب أو فقط من أحكام الناس إلى الكذب والافتراء، دون أن ننسى أن الفرد قد يكذب لأسباب أخرى قد لا تكون معقولة، إلى درجة أن نجد بعض الأشخاص متخصصين في الكذب على الناس.

وتزداد قيمة الكذبة عندما تنشر على نطاق واسع، وتنال الكذبات المشهرة ببعض الشخصيات المرموقة انتشارًا بالغ الأهمية، نفس الشيء يحدث بالنسبة للكذبات التي تبعث على الضحك والمزاح.

ولا يمكن التنبؤ مطلقًا مستقبلًا بانتهاء زمن الافتراء والكذب وكذا التنكيث، ذلك لأن بني البشر مختلفون من حيث الطباع والتكوين على مستوى الشخصية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.