كتاب «هتاف المنسيين».. من العشوائيات إلى المسارح: المهرجانات كصورة للتمرد والعدالة الاجتماعية

بعد أن أدى حسن شاكوش وعمر كمال أغنيتهما «بنت الجيران» في إستاد القاهرة بمناسبة عيد الحب، على خلفية تحقيقها لـ 111 مليون مشاهدة -حتى وقت كتابة هذا المقال- على موقع يوتيوب؛ قامت الدنيا ولم تقعد، وتم فتح ملف أغاني المهرجانات الشائك مرة أخرى.

وهذه المرة بحجة أن الأغنية بها ألفاظ خادشة مثل (خمور وحشيش)، ليقوم هاني شاكر نقيب الموسيقيين بإصدار قرار بإيقافهما ومجموعة من مطربي المهرجانات عن العمل.

الغريب أن معظم المواد الصحفية التي كُتبت حول هذا الموضوع لم تلتفت لكتاب «هتاف المنسيين» للكاتب الصحفي يسري حسان الذي انحاز إلى حق مغنيي المهرجانات في الغناء والتعبير عن الطبقات التي ينتمون إليها، ولكن «بالأصول» -حسب تعبير الكتاب- وأنه ضد إيقافهم عن الغناء، وكأن الكتاب تنبأ بالإجراء الذي اتخذته نقابة المهن الموسيقية المصرية مؤخرًا بإيقافهم عن الغناء في الحفلات والأفراح.

 تميز الكتاب في طرحه بأنه عمد إلى رصد الظاهرة من داخلها، فأشار إلى نشأته الشعبية، وحضوره العديد من الأفراح وما يُطلق عليه (الجمعيات) في تلك المناطق، فاستطاع تصوير منظومة القيم التي تحكم المناطق الشعبية.

وأوضح الفارق بين المناطق الشعبية التي يُعرف (أصل وفصل) كل واحد فيها، وبين العشوائيات التي تدل ابتداء من اسمها على أن أهلها تجمعوا دون أي ترتيب، لذا استطاع الرصد بعين المعايشة والتفاعل لا بعين التنظير دون الاختلاط بهم، فجاء تفاعله مع تلك التفاصيل بطبيعة انتمائه وانحيازه إلى البيئة التي أنتجت هذا النوع من الغناء منتج بشري بالأساس.

رصد الكتاب عشرة أسباب لظهور هذا الشكل من الغناء، بدأها بالرغبة في التمرد لدى هؤلاء الشباب نتيجة لشعورهم بغياب العدالة الاجتماعية، وأن البيئة كانت مهيأة لاستقبال المهرجانات، فكانت تلك الأغنيات هتافهم، كهتاف الصامتين الذين دوَّنوا على مركباتهم أو على الحوائط، كما جاء في كتاب «هتاف الصامتين» لعالم الاجتماع الدكتور سيد عويس، الذي استقى منه يسري حسان عنوان كتابه.

وبقية الأسباب عرضها إجمالًا في أن انتشار المهرجانات بعد 2011 صاحب خروج البلاد وقتها من مرحلة صعبة، وشبَّه ذلك الوضع بظهور أغنية «السح دح امبو» لأحمد عدوية بعد النكسة مباشرة، ثم إن معظم مغنيي المهرجانات لم يتلقوا تعليمًا جيدًا، إضافة إلى تعرضهم لسيول من الأفلام والمسلسلات التي أرَّخت للثراء غير المبرر ومنطق القوة المطلقة، إضافة إلى سهولة صناعة تلك الأغنية وقلة تكاليفها.

فالأمر لا يحتاج أكثر من جهاز كمبيوتر وشخص يستطيع التعامل مع بعض برامج الصوت التي تجعل الأصوات كلها معدنية متشابهة، إضافة إلى سهولة الوصول إلى الجمهور عبر يوتيوب الذي أتاح ذلك للجميع.

وتناول الكتاب الصادر مؤخرًا عن دار بتانة بعض الظواهر التي صاحبت ظهور المهرجانات وساعدت على انتشارها، مثل الأفلام السينمائية التي صاحبت هذه الظاهرة واحتفت بها، وبخاصة أفلام منتج بعينه (يقصد السبكي طبعًا)، إلى حد إنتاج فيلم اسمه (المهرجان) يحكي قصة سادات وفيفتي، وآخر اسمه (4 كوتشينه) بطولة أوكا وأورتيجا، و(8%) عن فرقتهم، التي ساعدت على ارتباطها بمعاني البلطجة والانتقام وغير ذلك من المعاني.

ويرى الكتاب أن حضور المهرجانات في الأفراح والمناسبات جاء تطورًا طبيعيًّا لفكرة (النبشطي) الذي كان يغني في الأفراح الشعبية، وهو في الغالب يؤدي أدوارًا عدة، فهو بجوار وظيفته الأصلية كشخص يتلقى أموال (النقطة) يغني إن غاب المطرب، ويحمي الراقصة، يحيي الحضور بما يمثل لهم قيمة نفسية كبيرة. 

وارتبطت المهرجانات في تنفيذ ذلك الدور بصورة أكثر تطورًا وهي صورة «الدي جي» الذي يستعينون به اليوم في الأفراح كبديل عن الفرقة الموسيقية.

تنقسم أغاني المهرجانات إلى أغانٍ جيدة نابعة من واقعها وتعبر عنه بشفافية كبيرة، وأغانٍ أخرى خالية من أي جمال وتتضمن كثيرًا من القبح والمعاني الفجة التي لا يحبها غالبية الشعب المصري. 

وأشار إلى وجود فروق جوهرية بين الأغاني الشعبية التي تحتوي معاني جنسية، لكن يتم تأديتها بخفة دم، وبدون فجاجة، فانحاز الكتاب إلى الجمال دون الركون إلى أحكام أخلاقية نهائية، واعتمد الذائقة العامة للمجتمع المصري في تركيبته الشعبية الأصلية كمعيار أخلاقي وحيد، وفي سبيل ذلك رصد كثيرًا من تفاصيل الحارة الشعبية بقيمها المتجذرة فيها.

استعرض حسان في بدايات كتابة ثقافته الغنائية الكبيرة التي شفت عن وعي باتجاهات الغناء المصري ومراحله، التراثي منها والكلاسيكي والحديث، وكذلك أشار إلى ما أحبه من الغناء غير العربي، في معرض حديثه عن استحالة أن ينفي لون غنائي لونًا آخر، مؤكدًا أهمية البحث عن الفن الجيد دون النظر لشروطه، أو كما قال نصًا «يطلع شعبي، يطلع شرقي، يطلع غربي، المهم إني أستمتع به».

تتضمن بعض أغاني المهرجانات كثيرًا من القبح والمعاني الفجة

في بداية الكتاب الصادر حديثًا عن دار «بتانة» المصرية يناقش الكاتب المصري يسري حسان أغاني المهرجانات بوصفها ظاهرة فنية، تحمل في طياتها كثيرًا من التفاصيل والاشتباكات.

وأوضح أنه لم يقصد إلا رصد الظاهرة فقط دون أن يطمع في رضا مطربي المهرجانات أو رضا المثقفين، وربما كان لكتابة معظم متنه بلغة تراوح بين الفصحى السلسة والعامية المصرية أثر في الحفاظ على الجو العام للكتاب الذي يتناول ظاهرة غنائية لا يقرأ معظم أصحابها ولا يكتبون.

أشار الكتاب إلى حوار أُجري مع سادات وفيفتي وعمرو حاحا، وهم أول من ابتكروا هذا الشكل الغنائي، واستفاض في بيان الخلفية الاجتماعية التي جاءوا منها هم وغيرهم، وما عانوه من قبل من تعليم رديء، وما يعانونه من وعي قليل. 

وفي الجزء الأخير يتعرض الكتاب لكثير من أغاني المهرجانات بشيء من التحليل، ليفرق بين ما يمكن أن يتم تقديمه داخل هذا الشكل الغنائي دون أن يكون خارجًا عن الأعراف الأخلاقية للمجتمع الذي ينتمون إليه.

وتوقف الكاتب في صفحتين كاملتين للحديث عن «تيم مطبعة» بما ينصف هذا الفريق الذي يعده الكاتب أهم من قدم هذا اللون الغنائي، فيحتوي الفريق على أصوات وصفها الكاتب بأنها «معقولة» ويجتهدون في تقديم كلمات هادفة فعلًا تعالج بعض أزمات المجتمع فعلًا، ويحمل بعضها بُعدًا سياسيًا صريحًا أحيانًا، لافتًا إلى أن هذا الفريق على وجه التحديد لم ينل حقه من الظهور الإعلامي مثل بقية الفرق. 

يخلص الكاتب في نهاية كتابه إلى أن تجاهل هذه الظاهرة، ونفي نجاحها، سيحولها إلى أزمة، ويرى أن الحل الوحيد للحد من سوءاتها هو توجيه هؤلاء الشباب إلى تقديم أعمال هادفة فعلًا، واستغلال نجاحاتهم تلك في الوصول إلى الناس بكثير من الرسائل. 

وحذر هؤلاء الشباب أنفسهم من مغبة الانسلاخ من بيئتهم، وضرورة الحفاظ عليها، مشيرًا إلى أن أبناء الطبقة الغنية في مصر يسمعونهم من باب التغيير لا أكثر، وسفرهم إلى أكثر من دولة أجنبية إنما يعبر عن اهتمام الأجانب بمتابعة كل شيء لا أكثر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.