كتاب فنّ الحرب

الفصل الثّامن: تنوّع التّكتيكات الحربيّة. 

أوّلًا: الاسم الحقيقيّ لهذا الفصل هو التّغيرات التّسعة، ويعود هذا الاسم لمعتقد قديم لدى الصّينيّين يفيد بأنّ الرّقم 9 هو أكبر الأرقام وهو جامع لكلّ المميزات، ورقم 10 ليس أكبر منه لأنّه مجرّد تكرار لرقم 1 و0 معًا، بالإضافة إلى أنّ كلّ رقم يفوق 10 يعتبر رقمًا سماويًّا، أمّا باقي الأرقام فتخصّ البشر، والرّقم تسعة يخصّ الإمبراطور وحده، فنلاحظ أنّ الإمبراطور يرتدي ملابس بها 9 تنانين، والرّقم المفرد في الصّين يرمز للذّكر والزّوجيّ للأنثى. 

يقول سون تزو: "في الحرب يتلقّى القائد التّعليمات من الحاكم، ثمّ يجمع الجيش ويركّز قوّاته".

إذا كنت قد خضت حربًا في أرض لا تحوي ماءً ولا طعامًا وتضاريسه لا تناسبك فلا تنصب معسكرك، بل اتّحد مع حلفائك ولا تتسكّع في أماكن خطيرة، إذا كنت في أرض محاصرة الجأ للخداع، وإذا دخلت إلى أرض الموت يجب أن تقاتل.

1. يوجد طرق يجب ألّا تسلكها: الأرض الّتي تشكّ بوجود فخٍّ فيها.

2. يوجد جيوش يجب ألّا تهاجمها: إذا كان لديك فرصة هجوم لكنّك ضعيف.

3. يوجد مدن يجب ألّا تحاصرها: لا تحاصر مدنًا لا تستطيع السّيطرة عليها أو مدنًا تضرّك.

4. يوجد مواقف يجبُ ألّا تقاتل فيها بضراوة.

5. يوجد أوامر للحاكم يجب ألّا تطيعها: عندما تعرف ما هو الحلّ المناسب لا تنتظر أيّ أمر فقط، تحرّك.   

القائد الضليع بهذه الأمور الّتي تنتج عن تنوّع التّكتيكات يعرف كيف يتعامل مع قوّاته ويوظّفها بأحسن شكل، أمّا القائد الّذي ليس لديه إلمامٌ بها فحتّى لو عرف تضاريس المكان لما فاز.

أمّا طالب الحرب غير المتمرّس بفنونها والّذي لا يجيد كيفيّة تغيير التّكتيكات حسب متغيّرات الحرب فلن ينجح في تحقيق الفوز، فهو لا يستطيع استغلال جيشه جيّدًا.

إذا كان الطّريق قصيرًا خاليًا من المخاطر اسلكه، وإذا كان جيش العدوّ معزولًا فهاجمه، وإذا كانت مدينة العدوّ محفوفة بالمخاطر حاصرها،وإذا كان الموقف يسمح بالهجوم الكاسح يجب أن تحاول الهجوم، وإذا توافقت مع الأعراف العسكريّة فيجب إطاعة أوامر الحاكم.

باتّخاذ العناصر المواتية للحسبان تصبح الخطّة الحربيّة قابلة وجاهزة للتّنفيذ، وباتّخاذ العناصر غير المواتية للحسبان يتمّ تذليل الصّعاب والبحث عن حلول؛ أي إذا أخذت ردّة فعل العدوّ في الحسبان فإنّك تعطي خطّتك أكبر الإمكانيّات للنّجاح، مع العلم أنّه إذا كنت في وسط المشاكل وأتتك أيّ فرصَةٍ للخروج من هذه المشاكل يجب أن تنتهزها إذا كنت مستعدًّا لها.

لتقلّل من عدد أعدائك يجب أن تلحق بهم كلّ أنواع الأذى الدّاخلي ممّا يجعلهم مشغولين بحلّ تلك المشاكل ثمّ قدّم لهم إغراءات خادعة تجعلهم يخرجون من مكانهم لملاحقتها.

"يعلّمنا فنّ الحرب ألّا نعتمد على فرضيّة عدم هجوم العدوّ، بل أن نجهّز أنفسنا لملاقاته، ليس اعتمادًا على فرضيّة عدم قيامه بالهجوم، بل على حقيقة أنّنا جعلنا موقفنا العسكريّ صلبًا لا شكّ في قوّته".  

خمسة أخطاء خطيرة تؤثّر على القائد العسكريّ: 

1. الطّيش: شجاع من دون حكمة وهذا يجعله يذهب إلى التّهلكة بنفسه.

2. الجبن: سيقع في أيدي أعدائه بسرعة وسهولة.

3. حدّة الطّبع والتّسرّع: أبسط إهانة تغضبه. 

4. الحساسيّة: لديه حساسيّة مفرطة اتجاه الشّرف والعار ممّا يسبّب له الخوف والتّوتّر. 

5 .القلق المفرط: لا يرغب بتقديم أبسط التّضحيات بجنوده حتّى لو ستنقذ آلاف الجنود والأبرياء.

إنّ هذه الأخطاء الخمسة لها أثر مدمّر على إدارة الجيش لهذا عند خسارة الجيش ومقتل القائد وخسارة الحرب فالسّبب لن يخرج عن هذه الأخطاء الخمسة. 

الفصل التّاسع: التّحرّك بالجيش.

قال (سون تزو): هنا سنتحدث عن أماكن ضرب العدوّ ومراقبة العلامات الّتي تصدر عن العدوّ.

بداية الحرب الجبليّة: يجب أن تمرّ من على الجبال وتجاور الوديان؛ أي ألّا تبتعد عن مصادر الماء والطّعام، انصب معسكرك في أماكن عالية غير الجبال كالهضاب والتّلال ممّا يجعلها في نفس الوقت مواجهة للشّمس، ولا تتسلّق المرتفعات لتقاتل فهذا كافٍ بما يخصّ حرب الجبال.

الحرب النهريّة: بعد عبورك للنّهر ابتعد عنه لتغري عدوّك فيلاحقك، وعندما تعبر قوات غازية للنّهر بالطّريقة المعتادة لا تهاجمها في منتصف العبور، بل اسمح لنصف الجيش بالعبور ثمّ اهجم، وإذا كنت متحمّسًا للقتال لا تنتظر عدوّك بقرب نهر يريد عبوره، فهو لن يعبر منه بسبب خوفه من الهجوم، أرس سفنك في مكان أعلى من العدوّ، واجعلها تقابل الشّمس، ولا تبحر بعكس التّيار من أجل الهجوم، فالعدوّ سيستغل التّيّار ضدّك وهذا يكفي بالنّسبة للحرب النّهريّة.

الحرب على الأراضي المالحة: عندما تقطع المستنقعات يجب أن تهتمّ فقط لأمر واحد هو عبورها دون أيّ تلكُّؤ؛ فالمستنقعات أراض مسطّحة تسهّل على عدوّك الهجوم عليك، وإذا اضطررت للقتال عليها يجب أن يكون ذلك بالقرب من مصادر ماء صالح للشّرب، ويجب أن تكون مؤخّرتك محميّة بمنطقة بها أشجار كثيفة، وهذا يكفي بالنّسبة للحرب على الأراضي المالحة.

الحرب على الأرض الجافّة المستوية: يجب أن تحتلّ موقعًا قريبًا من المرتفعات من جهة اليمين من الخلف، وبهذا يكون الهجوم من المقدمة، وهذا يكفي بالنّسبة للحرب في الأرض الجافّة المستوية.

إنّ هذه الفروع الأربعة للمعرفة العسكريّة (الجبال، المستنقعات، الأنهار، الأراضي المنبسطة) جعلت الإمبراطور الأصفر يقهر أعداءه.

تفضّل الجيوش الأراضي المرتفعة على المنخفضة، والمشمسة على المظلمة، والصّلبة على الرّطبة؛ فهي لا تسمح للأمراض بالانتشار.

بتطبيق ما سبق ستكون قد حقّقت بداية النّصر.

إذا كان النهّر الّذي تريد اجتيازه به فيضان فيجب أن تنتظر حتّى يهدأ، والأراضي الّتي تحدث فيها الانجرافات سهلة الدّخول لكن الخروج شبه مستحيل؛ ولهذا يجب أن تجعل عدوّك هو من يدخل إليها، وإذا كان هناك أيّ تلّ أو نهر تنمو على سطحه النّباتات يجب أن تحرسه؛ فهو من بين أحسن الأماكن لنصب الكمائن.

عندما يكون العدوّ قريبًا منك وهادئًا فهو يستغل مزايا الطّبيعة، وإذا كان بعيدًا واستفزّك فهو متشوّق للهجوم، وإذا كان موقع معسكره مكشوفًا وسهل المنال فهو ينصب لك كمينًا، وإذا تحرّكت أشجار الغابة يمينًا و يسارًا بعد هدوء طويل فهذا يعني أنّ العدوّ يقترب، وإذا واجهتك حواجز وسط العشب الكثيف فهو يريدك أن ترتاب، وإذا ارتفعت الطّيور في طيرانها يعني أن كمينًا في الطّريق، وارتفاع التّراب بشكل عموديّ علامة على اقتراب عربات حربيّة،أمّا إذا انتشر التّراب بشكل أفقيّ فجنود المشاة قادمون، وإذا انتشر التّراب بشكل عشوائيّ ففرق المؤونة قد تمّ إرسالها وإذا كانت سحب التّراب تَتحرّك ذهابًا وإيابًا فالعدوّ إذن ينصب معسكره.

"الكلمات المتواضعة والتّجهيزات المتزايدة علامة على استعداد العدوّ للتّقدّم، والكلمات العنيفة والتّقدّم للأمام كما لو كان ينوي الهجوم علامة نيّة الانسحاب والتّقهقر"

إذا تقدّمت العربات الحربيّة متمركزةعلى أجنحة الجيش فهذا علامة على الهجوم، ورسل السّلام بدون عهود مختومة علامة على المكيدة والمؤامرة.

"عند كثرة الهرج والجري، وعندما يجتمع الجنود ضمن فرقهم تحت راياتهم في أماكنهم المفروضة فهذا علامة اقتراب اللّحظة الحرجة" 

"عندما ترى البعض يتقدّم والبعض يتأخّر فهذه علامة على الإغراء للوقوع في الشّرك"

"عندما يقف الجنود منحنيين على رماحهم فهذه علامة الجوع الشّديد"

"عندما يبدأ السّقاة بأنفسهم فيشربون أوّلًا فهذه علامة معاناة الجيش من العطش الشّديد"

"عندما يعثر العدوّ على ثغرة تتيح له تحقيق مكاسب فلا يتحرك لاستغلالها فهذه علامة على إرهاق الجنود الشّديد"

"عندما تجتمع الطّيور في أيّ مكان تريده فهذه علامة خلوّ هذه الأماكن، والجلبة الصّاخبة ليلًا علامة العصبيّة والهلع"

القائد الّذي لا يتحكم في جيشه يكثر الشّغب عنده، وستنتقل الرّاية من طرف إلى آخر أي إن عصيانًا سيكون وشيكًا، وإذا كان القائد غاضبًا من جنوده فهو يشعر بأقصى درجات الملل.

إذا أكلت الأحصنة الحبوب بدل أن يأكلها الجنود، وذبحت المواشي لأجل تغذية الجيش، ولم يعد الجنود لخيامهم ليلًا لأجل النّوم فهم مستعدّون للموت مقابل النّصر، وإذا بدأ التّهامس بين الجنود فهناك مشكلة في توزيع الرّتب، وإذا تكرّرت المكافآت في مدّة قصيرة فهذه حيلة من القادة لتهدئة الجنود، وإذا تمّ اللّجوء إلى العقابات الكبيرة فالجيش غير منظّم.

إذا جاء عدوّك إليك وهو محمّل بالهدايا فهو يسعى لعقد هدنة سببها أنّه قد تعب أو شيء آخر، وإذا بقيت قوّات العدوّ واقفة في نفس النّقطة لوقت طويل من دون عمليّة تناوب لأخذ راحة حينها يجب الحذر من غضبهم، وإذا كانت قوّاتنا نحن والعدوّ متساوية لكن لا يوجد أي ميزة تساعد أيًّا من الطّرفين فيجب أن نبقي الأقوياء في المقدمة، والمستجدّين في الخلف؛ للقيام بأعمال أخرى، وهذا أحسن حلٍّ فهو سيبعدنا عن احتمال استخدام المرتزقة. 

لا تعاقب الجنود قبل أن يضعوا ثقتهم فيك، ولن يطيعوك، وفي نفس الوقت هذا لا يعني ألّا تعاقبهم بتاتًا ففي كلتا الحالتين سيكونون دون نفع لك، لذا عاملهم بإنسانيّة، لكن اضبطهم من خلال النّظام الصّارم، وعوّدهم على طاعة الأوامر، وهكذا سيكون الجيش منظّمًا، وأظهر ثقتك فيهم كي يطيعوك وهم مغمضو العين.

الفصل العاشر: التّضاريس.

تنقسم التّضاريس إلى ستة أقسام كالآتي:

1. الأراضي سهلة المنال: هي الأراضي الّتي يمكن لكلا طرفي القتال عبورها؛ لهذا يجب أن تسرع لتحتلّها ولكن يجب أن تحمي خطوط إمداداتك فيها.

2. الأراضي المحفوفة بالمخاطر: هي الطّرق الّتي يمكن الانسحاب منها ولكن لا يمكن احتلالها مرّة أخرى بسهولة، وإذا كان العدوّ غير مستعدّ للهجوم فيمكنك مهاجمته وتحقيق النّصر، وإن كان العكس أنت وحظّك، وإن لم تستطع الانسحاب فليكن الله في عونك.

3. الأراضي المعوّقة: هي الأراضي الّتي لا يمكن لكلا طرفي القتال السّيطرة عليها، ولهذا في هذه الأراضي يفضّل عدم الهجوم أوّلًا حتّى لو كان الطّعم مغريًا جدًّا جدًّا، لهذا من الأفضل تشتيت الجيش والانسحاب لإغراء العدوّ فيقرّر الهجوم وننقض عليه في تلك اللّحظة.

4. الممرّات الضّيقة: إذا استطعت احتلالها فيجب إحكام الحصار حولها، وانتظر مجيء عدوّك، وبناءً عليه إذا اتّجه عدوّك نحو ممرّ لاحتلاله فلا تفكّر في اللّحاق به لكي لا تكون ضحية طعمه، لكن إن لاحظت أنّ تحصينه ضعيفًا فاذهب خلفه ولاعبه حتّى يستسلم.

5. المرتفعات الخطرة: إذا كنت تسبق خصمك في التّقدّم فخيّم في المرتفعات المشمسة فهي تمنحك ميزة صعوبة تحديد ردّة فعلك ومعرفة خططك، كما أنّ التّاريخ حكى عن جيوش عسكرت في السّهول والمرتفعات المنخفضة، وعندما جاءت الأمطار جرفت كلّ شيء أمامها، "إذا سبقك العدوّ لاحتلال المرتفعات لا تتبعه ولكن انسحب واغره بالنّزول وراءك"

6. المواقع شديدة البعد عن العدوّ: إذا كانت هناك مسافة بعيدة بينكما فسيكون صعباً استثارة العدوّ ليبدأ القتال، وبهذا لن يكون القتالُ في صالحك.

تتعرّض الجيوش لستة أنواع من المخاطر لا تنشأ لأسباب طبيعيةّ، بل بسبب القائد ويعاقب القائد عليها هي:

1. الاندفاع والتّهور والفرار.

2. التّمرّد وعصيان الأوامر.

3. الانهيار الدّاخليّ وفقدان الشّجاعة.

4. الخراب.

5. انهيار التّنظيم.

6. الهزيمة المنكرة.

"من يعرف كل هذه النقاط جيّدًا، ويضع تلك المعرفة عند الحرب قيد التّنفيذ؛ فسينتصر في معاركه، ومن لا يعرفها أو لا يضعها قيد التّنفيذ، فبكل تأكيد سيعاني ويلات الهزيمة". 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب