يواجه الباحث في التاريخ المحلي في العديد من مناطق المغرب العديد من الصعوبات، لعل أولها ندرةُ أو غياب المصادر الوطنية التي تدخل في دائرة نفوذه، ولا سيما المدن الكبرى والعواصم مثل فاس، والرباط، ومكناس.
وهذا جعل مهمةَ كتابة تاريخ المناطق النائية والهوامش صعبةً أو شبه مستحيلة خاصة إذا أتوا من مناطق معارضة للسلطة المركزية.
اقرأ ايضاً أستطيع| عن الكتابة وأثرها في الإنسان
الباحثون والكتابة التاريخية الكلاسيكية
إذا تم تهميش هذه الحقول من خلال الكتابة التاريخية الكلاسيكية فإن معظمها قد تلقى قدرًا كبيرًا من البحث والتحقيق من قبل الكتابات الاستعمارية، وهكذا تمكن الباحثون والمستكشفون المنتمون لهذه المدرسة من إنتاج عدد كبير من الدراسات والبحوث الميدانية والتقارير التي تحتوي على الكثير من المعلومات حول جميع جوانب الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية لسكان هذه المدرسة.
وذلك بالرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهت إلى هذه الكتابات؛ لأنها غير مستثناة من بعض الأخطاء والأحكام المسبقة، وقد لعبت دورًا رئيسيًا في كتابة التاريخ المحلي للعديد من مناطق المغرب.
اقرأ ايضاً الرؤية الكلاسيكية في مجموعة امرأة في الظل لريما الخاني
السياق التاريخي لظهور الكتابات الاستعمارية
يتفق معظم العلماء على أن فرنسا كانت تتطلّع إلى غزو واحتلال المغرب منذ بسطت سيطرتها على الأراضي الجزائرية في عام 1830، ومن المعروف أن القوات الفرنسية واجهت مقاومة شرسة من السكان المحليين، والسبب هو عدم معرفتهم بمكونات المجتمع الجزائري ومؤسساته السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية.
ومن أجل تجنب التجربة الدموية التي مرت بها في الجزائر عملت فرنسا على استراتيجية مختلفة تجاه غزوها للمغرب، تقوم هذه الاستراتيجية على توظيف المعرفة والبحث العلمي.
اقرأ ايضاً فاس المغربية الإسلامية
المؤرخ جيرمان عياش وكتابه "دراسات في تاريخ المغرب"
ويذكر المؤرخ جيرمان عياش في كتابه "دراسات في تاريخ المغرب" أنه أخبر أحد المنظرين باستراتيجية المعرفة والعلم لتسهيل عملية الغزو العسكري، إن هذا سيؤدي إلى فتح التضاريس للزحف.
وتم تنفيذه بالفعل من قبل مجموعة من الرحالة والمستكشفين في المغرب في البداية لضبط عدد سكانها، وقبائلها، وتنظيماتها السياسية والعسكرية والدينية والثروة الاقتصادية التي تحتويها أراضيها، وقوة هؤلاء الأشخاص بحسب عالم الاجتماع نور الدين الزاهي تكمن في معرفتهم لغات البلاد ومعتقداتها الدينية، على الرغم من حقيقة أنهم ليسوا علماء اجتماع ولا أنثروبولوجيين.
وليس لديهم خبرة أكاديمية بأساليب كمية ونوعية مؤهلة للحصول على معلومات دقيقة كما جمع معظم الباحثين والمؤرخين وعلماء الاجتماع المغاربة والأجانب حسب نفس الباحث أن رحلة شارل دي فوكو (1883-1884) من أهم الرحلات التي حدثت في المغرب سواء في نظريتها أو الجانب المنهجي أو الوثائقي.
ويضاف إلى ذلك رحلة ماركيز دي سيكونزاك (1889-1901)، ورحلات إدموند وتي الذي قاد لجنة المغرب بخمس رحلات دراسية إلى المغرب، ركزت على الحوزات مراكش.
وأضف إلى هذا المؤلف الهائل (Le Maroc Inconnu) لمالكه (Aquiste Moliras) الذي كان يجيد اللغة الأمازيغية، وبفضلها استطاع الحصول على بيانات كتابه عن الريف وجبالها حتى لو لم يزر المغرب، بل بدلاً من ذلك اعتمد في هذا العمل على الرحلات المتكررة لمخبر جزائري يعرف المنطقة جيدًا.
وبشكل عام استطاع المسافرون الفرنسيون -ولو بدرجات متفاوتة- تزويد المؤسسات السياسية والعسكرية الفرنسية ببيانات وفيرة عن المغرب وسكانه وأنظمته وجغرافيته ومكافآته.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، لمَ يقتصر الأمر على عمل الرحالة والمستكشفين فقط خاصة بعد إصرار الحزب الاستعماري على استعمار المغرب على أسس علمية وبحثية؟ على العكس من ذلك أنشأ ألفريد لو شاتولي "المهمة العلمية" بطنجة عام 1903، وفي إطارها عمل جورج سالمون على استكمال المجلد الأول من الأرشيف المغربي الصادر عام 1904، وتم نشره بجانب هذا العدد الأول من مجلة العالم الإسلامي عام 1906.
وبعد ذلك بعام تولى ميشو بلير -وهو باحث مألوف وله العديد من المعارف التي تهمّ المغرب- قيادة البعثة العلمية، ومع بداية عام 1914 صدر منشور جديد بعنوان "مدن وقبائل المغرب بالاتفاق مع الحكومة ودائرة الأحوال المدنية ودائرة الإعلام" بالإضافة إلى ذلك استطاعت البعثة أن تصل إلى حدود عام 1919 من نشر أربعة وعشرين جزءًا من الأرشيف المغربي، وستة مجلدات من Journal des Villes et Tribus du Maroc.
على الرغم من وفرة إنتاج كل أنواع المعرفة العلمية عن المغرب -خدمة المشروع الاستعماري الفرنسي بالطبع- انتهت البعثة العلمية في نهاية عام 1919.
وتم إنشاء المعهد العالي للدراسات المغربية الذي تم تعيين مهامه رسميًا لتشجيع البحث العلمي المتعلق بالمغرب وممارسة التدريب من خلال تقديم دورات عامة مؤهلة لضباط المخابرات والمراقبين المدنيين، ولقد نصَّ الفصل الأول من المرسوم الوزاري المنشأ للمعهد المذكور على ما يأتي: "بموجب هذا المرسوم أُنشئ معهد الدراسات المغربية، والذي يُعنى بتشجيع وتعزيز البحث العلمي المتعلق بالمغرب مع التنسيق واستخلاص النتائج".
مساهمة الكابتن جورج سبيلمان في كتابة تاريخ
ركز جورج سبيلمان -وهو ضابط عسكري فرنسي تابع لمديرية الشؤون المدنية المغربية- جهوده على منطقة درعة حيث جاء في أوائل القرن العشرين وأمضى الكثير من الوقت في جمع المعلومات، ودراسة الممارسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية لأهالي درعة والتي كانت محور بحثه كما لعب دورًا رئيسيًا في احتلال منطقة أزيلال منذ عام 1916.
ثم اتصل به العقيد هيو مدير الإعلام السياسي في الرباط إبان حرب الريف حيث عينه مستشارًا للمقيم العام في إليوتي بلوات (حصن كلاوة).
وعلى الرغم من أن جورج سبيلمان هو جندي بحكم منصبه في الجيش الفرنسي من الرحلة الطويلة التي أخذته إلى المغرب والجنوب الشرقي على وجه الخصوص، ومن أبحاثه في هذا المجال اطلع على العديد من الأدبيات العربية والمصادر المترجمة إلى الفرنسية -ابن خلدون على سبيل المثال- في حين وُلِد هذا من منطلق الرغبة في كتابة التاريخ أو مساعدة جمهور المؤرخين وعلماء الاجتماع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.