ملخص كتاب «تاريخ بير السبع وقبائلها» لعارف باشا العارف ج5

يكشف لنا المؤرخ عارف باشا العارف في الجزء الخامس من كتابه الرائد (تاريخ بير السبع وقبائلها) عن فصل دموي ومعقد من تاريخ جنوب فلسطين وسيناء، فبعد أن سرد تاريخ القبائل الكبرى من قبيلة الجبارات وبطونها إلى تاريخ قبيلة السعيديين في الجزء الجزء الرابع، يغوص بنا في سجل الحروب الأهلية والنزاعات القبلية التي كوَّنت المنطقة. هذه الحروب المعروفة محليًّا بمصطلحات مثل (الكونة) و(الحرابة)، لم تكن غارات عابرة، بل كانت صراعات طويلة الأمد دارت رحاها حول الكلأ والماء والشرف، ورسمت خريطة التحالفات والعداوات لعقود.

وقد سرد الكاتب في الجزء الثالث تاريخ قبيلة التياها وفروعها في فلسطين وسيناء، مع تفصيل الأنساب والعشائر والشيوخ وأماكن السكن والنزاع القبلي، استكمالًا لما بدأه في الجزء الأول عن تاريخ بئر السبع، وفي الجزء الثاني عن البلاد المكونة لقضاء بئر السبع.

يستعرض هذا المقال أبرز تلك الحروب القبلية، معتمدًا على الروايات الشفهية والوثائق التي جمعها الكاتب، لنفهم ديناميكيات القوة والصراع في صحراء النقب قبل بسط الدولة العثمانية لنفوذها الكامل.

الحروب الأهلية

فيما يلي ملخص تفصيلي للحروب الأهلية:

كونة بني عطية

ما إن انتهى التياها والترابين من الحرب، وجدوا أنفسهم في حربٍ أخرى أشدَّ ضراوة من سابقتها؛ كانت تلك الحرب مع بني عطية، أمّا عن سببها، فبعض المصادر قالت إنّ الجبارات هم مَن حرضوهم على مقاتلة الترابين والتياها، وبعض آخر قال إن بني عطية حينما أصابهم القحط اضطرُّوا لترك مساكنهم في «الحرة» و«تبوك» وتوجهوا إلى هناك أملًا بالعثور على مراعٍ لمواشيهم، فما كان من التياها والترابين -وربما أهل جبل الخليل- إلَّا أن يصطدموا بهم ما إن حطّ بني عطية رحالَهم في «الفرعة». فوقعت بين المتحاربين عدة مناوشات في «المشاش» -التي يقال إن بني عطية هم مَن حفروا آبارها- و«عرعرة» و«رخمة» و«أبي تلول»، وربما في وادي الخليل، إضافة إلى «الحسنة» الواقعة بشبه جزيرة سيناء، وقد ذُبِح فيها عدد كبير من معازة بني عطية، وهكذا كان النصر حليفًا للترابين كحربهم السابقة.

بنو عطية

وعلى إثر تلك الحرب، وقَّع المتحاربان الصلح، واتفقا على ألا يأتي بني عطية إلى بئر السبع إلا لابتياع حبوبهم.

عَلِمَ كاتبنا من شيخ مشايخ بني عطية الشيخ/ سليم أبو دميك أنّ قائد بني عطية بتلك الحرب كان «صقر بن عطية» وليس «بصيص» كما يُشاع، و«صقر» هذا هو «صقر بن علي بن عطية» أخ «محمد بن عطية» جدّ شيخ بني عطية آنذاك الشيخ «سليم»، وأنّ خصومهم كانوا من التياها والترابين والعزازمة والحناجرة ومعان الحجازية وحويطات الجازي والعوران/الطفيلة، إضافة إلى الزبن وهم من الصخور، أمَّا حلفاؤهم فكانوا من الجبارات والصقور وابن فايز من الصخور والهنادة ومعان الشمالية والشوبك وأهل الكرك وابن عرام من جبل الخليل.

من أجل صبيحة

كما ذكرنا سابقًا، فإنّ «رمضان» و«ارتيم» هما جدّا «الرماضين» و«الرتيمات»، وأنهما أبناء رجلٍ من رجال «شمر». وقد عاش حفدتهما على وئام لكنهم انقسموا إلى قسمين؛ فكان القسم الأول «بن دغوم» و«العجايزي» وهم من نسل «رمضان»، وكان القسم الثاني «ضويمر» و«صياح» وهم من نسل «ارتيم».

وقد بلغ الانقسام أشدَّه حينما اقتتلوا من أجل امرأة؛ فقد تزوَّج «العجايزي» امرأةً من جماعة «صياح» تُدعى «صبيحة»، لكن ابن عمها كان يرغب بالزواج منها، فلما علِم زوجها بذلك عزم على الانتقام منه، فتقاتل الفريقان بمنطقة «طويل الزنايين» الواقعة بين جبل الخليل والسموع، واضطر «ضويمر» و«صياح» للرحيل إلى الوحيدي، فنزلوا «السكرية» على إثر الهزيمة التي ألمّت بهم.

هناك، تحالفوا مع «الوحيدي»، وأغاروا على الرماضيين في «الشمسانيات» الواقعة على طريق الخليل، واضطر أولاد الرمضان للرحيل إلى «مصر» وشرق الأردن على إثر الهزيمة، لكنهم سرعان ما عادوا ليسكنوا أرضهم من جديد؛ ففي أحد الأيام ذهبت بعضُ نسائهم – اللاتي لم يستطعن الرحيل معهم – إلى «المجدل» لبيع أغنامهنّ، فلما علِم «الوحيدي» أنهنّ نسوة خصومه الرماضيين أمر عبيده باغتصابهن، ورفض أبناء عمومتهن أن يُهتك عرض نسائهم، فأرسلوا من فورهم إلى الرماضيين، فاجتمعوا في «الدوايمة» وقرّروا مهاجمة «الوحيدي»، وتمكنوا من قتله في «دكرين البردان».

ارتأى «ثابت» بن الوحيدي عقد صلح معهم، فأرسل بعضًا من رجاله إليهم، لكن الرماضيين قتلوهم، فاشتعلت الحروب مجددًا، فقرَّر كبير الوحيدات مهاجمتهم، فأغار عليهم في «المكسر» بالقرب من «خويلفة»، وهزمهم شرَّ هزيمة، فرحل الرماضيون إلى «أم تنان» قرب «عرعرة».

ذهب كبير الرماضيين إلى التياها محرضًا على قتال الوحيدي على أن تكون الأرض التي استولى عليها الوحيدي رهن تصرفهم، فوافق التياها، وهزموا الوحيدي، واستولوا على جزء كبير من الأراضي التي كانت بحوزة الجبارات، وعقدوا معهم صلحًا اقتسموا بموجبه الأراضي التي بأيديهم في الوقت الحالي، وبذلك انتهت الحروب التي اندلعت من أجل صبيحة.

حرابة عودة وعامر

يؤيد كاتبنا ما قاله الحاج/ «حرب العطاونة» -نجل «عودة»- في أنّها اندلعت عام 1813م وانتهت عام 1833م، والبعض يقول إنّها بدأت عام 1856م، لكن من المؤكد أنها وقعت في القرن التاسع عشر؛ إذ بدأت بين «عودة» و«عامر» -ولدي «سليم العطاونة»- لكن شرارتها وصلت إلى التياها كلهم، فما كادت نيرانها تُخمد حتى اشتعلت من جديد.

حرب العطاونة

ويرى الشيخ «حسن العطاونة» أن الحرب اندلعت بعد أن صار «عودة» شيخًا على عشيرته، وذلك بعد أن قُتل أخوه «سالم» على يد «إبراهيم باشا»، وبذلك تكون قد اندلعت عام 1833م.

ومثلما اختلف الناس في تاريخ اندلاعها، اختلفوا أيضًا في سبب اشتعالها؛ فبعض المصادر قال إن «هدية بنت أبي حجاج» -زوجة «عامر»- ضجرت نسوة الحي ظنًّا منهن أنهن يستملن زوجها، فلما علِم «طلحان بن أبي شنار» -وقد طغى عليه الغرور- حرَّض نسوة الحي على ضربها، فكان ما كان، فاستشاط زوجها «عامر» غضبًا وعزم على قطع رأسه ومحْو كل مَن ينتمي لأبي شنار، وبالرغم من أنّ أخاه «عودة» كان ناصحًا له، فإنّ «عامر» ضمّه إلى خصومه وأعلن عليه الحرب.

بينما قال الحاج «حرب العطاونة» إن الحرب اندلعت حينما نعتت «هدية» «موسى أبو سلامة أبو شنار» بألفاظٍ بذيئة، فأقدمت بناته على ضربها ثأرًا له، ولأنّ «عودة» كانت تجمعه صلة وثيقة بـ«موسى» -إذ إنه كان صديقًا مقرَّبًا له- حاول استرضاءها وحثّها على ألّا تبوح لزوجها بشيء، لكنها أفصحت لزوجها «عامر» عمّا حدث، فاستشاط غضبًا وهدم بيته وأقسم ألّا يعود إليه إلّا بعد أن يَثْأَرَ من «موسى» و«عودة» أخيه.

واتجه «عامر» إلى «الشريعة» مستنجدًا بالعشائر مثلما فعل أخوه «عودة»، فانضمّ إلى «عامر» كلٌّ من الحكوك والعزازمة والترابين والتياها باستثناء العلامات والشلاليين، وانضمّ إلى «عودة» كلٌّ من الجبارات والعزة والعملة وشلاليين وعلامات التياها، واشتبك المتحاربان بمنطقة «أم دبكل». وعلى الرغم من أنّ النصر كان حليفًا لـ «عودة»، فإنّ الآية انقلبت رأسًا على عقب حينما مات «يونس بن عودة» بعد أن طُرِح أرضًا، فأعطى ذلك عامرًا أملًا، فأعاد الكَرّة إلى أن انتصر على خصومه.

وما هي إلّا أيّامٌ حتى التقى الجمعان؛ فتحاربوا بـ«البرشين»، ثم في «جسير» ثم «زيتة» وبمكانٍ بين «إدنة» و«ترقومية» وعدّة أماكن أخرى. وعلى الرغم من أنّ النصر كان حليفًا لـ«عامر»، فإنّ الآية انقلبت رأسًا على عقب حينما جاء الهنادةُ من «مصر»؛ فقد جاء هؤلاء لتلك البلاد بعد أن حلَّ غضب الخديو عليهم، فأكرمهم «عودة»، فرأوا أنّ من الواجب أن يشتركوا معه في القتال.

وبذلك اشتدّت المناوشات بين الطرفين عمّا سبق، لا سيّما حينما تمكّن «عامر» من قتل رجلٍ من «الهنادة»، فضجر كبيرهم «كريم الطحاوي الهنداوي» من فعلته تلك -وذلك بحسب الرأي الشائع- فقتله بعد مشاورة «عودة»، في حين قال الحاج/ «حرب العطاونة» إنّ «يونس الطحاوي» هو من قتله، وإنه لم يشاور والده بذلك الأمر. وانتهت بذلك إحدى عشرة سنة من الحرب بعد مقتل «عامر» وعودة الهنادة من حيث أتَوا.

رفض «سليمان بن عامر» أن يقاتل عمّه «عودة»، ورأى أنّ الصلح هو الحلّ، إلّا أنّ الترابين رفضوا الصلح، فاشتعلت الحربُ من جديد لتسعِ سنوات. وعلى الرغم من أنّ «عامرًا» كان متحالفًا مع الترابين، فإنّ نجله «سليمان» تركهم وتحالف مع عمّه، وانضمّ له حينها كلٌّ من الظلام والشلاليين والعلامات وبعضٍ من العزازمة، بالإضافة إلى الجبارات والصقيرات والشتيات والبنيات وعائلة بني عمرو. وقد عُرفت تلك السنة بـ«سنة الحودة»، لأنّ العربان حادّوا عن الطرق المعتادة، وأَتَوا لنجدتهم من طرقٍ أخرى؛ وهي -بالمناسبة- نفس السنة التي اندلعت بها حرب دبش المعازة، والتي سنأتي على ذكرها بشيءٍ من التفصيل.

وقد تقاتل الفريقان في مواقع عدّة كـ «بيت نتيف» و«بيت جبرين» و«تل الصافي» و«وادي الحسي» و«التينة» و«الخربة» و«البرشين»، وكان النصر حليفًا للترابين الذين تحالفوا حينها مع الحناجرة. وقد رأى «عودة» حينها أن يتحالف مع السَّواركة، فاستنجد بهم، فقرّروا أن يغيـروا على الترابين من الجنوب. ولما علِم الترابون بذلك، أغاروا عليهم بالشيخ زويد ووادي العريش، ورجعوا ليواصلوا حربهم، فنازلوا «عودة» وخصومه بمنطقة «زيتة» الواقعة غربي بيت جبرين، وقد لقي «سليمان» في تلك المعركة حتفَه، بعد أن فقد فيها يده ورجله وكتفه، وقد دُفن ببيت نتيف، وما هي إلّا أشهرٌ معدودات حتى لحق به عمّه «عودة»، فدُفن بوادي النمل الواقع بالقرب من «عسقلان»، وانتهت بذلك حرابة عودة وعامر.

في «دبش المعازة»

أوضح كاتبنا بدايةً أنّه يُقصد بـ «المعازة» بني عطية، وكما ذكرنا سابقًا فقد اندلعت تلك الحرب فيما بين حربي عودة وعامر؛ إذ استنجد الحويطات بالترابين والعزازمة، فنجدوهم هم واللَّيائنة والنعيمات، وحاربوا معهم ضد بني عطية والمجالي والحجايا والجبارات. والتقى الجمعان في «الرصيف»، وتمكّن الحويطات وحلفاؤهم من الانتصار على خصومهم، وأخذ الترابون والعزازمة أغنامَ بني عطية، وقُتل من المجالي شيخهم، لكن «حسن الوحيدي» تمكّن هو و«عيد الدقس» من استعادة أغنام بني عطية المنهوبة.

حرابة زارع

قيل إنّ رجلًا من الغوالي يُدعى «دهشان أبو ستة» قتل رجلًا من النجمات يُدعى «محمد بن حمدان الصوفي»، وترك بيته حينها ونزل مع الهزيليين – وكان «زارع الهزيل» شيخهم حينها – ما أثار الضغائن في نفوس الترابين؛ فقد أقدم والدُ القاتل «صقر أبو ستة» على تحريض «زارع» على العزازمة نكايةً بابن المقتول صديقهم «حماد الصوفي»، فضجر الترابين حينها، وأقسم «حماد الصوفي» أن يقهر التياها، فتحاربوا في «أبي سمارة» و«كحلة» و«شنق»، وقد تمكّن التياها من الانتصار عليهم في المعركة الأولى والثالثة، ولم يستطيعوا التغلب على الترابين في المعركة الثانية.

قرَّر الترابين حينها ألا يدخلوا الحرب طالما أنّ «صقر أبو ستة» مع خصومهم؛ لذلك عزموا على زحزحته بالمال، وقد تولّى «حماد الصوفي» هذا الأمر، وعاد الستوت بذلك إلى مساكنهم، لكنهم ما لبثوا أن اشتركوا مجددًا بالحرب واشتبكوا مع الترابين، ومع ذلك كان النصر حليفًا للترابين في «العراقيب» و«خويلفة» و«وادي المليحة».

وحسبما قال الرواة، فإنّ موقعة «شنق» -المتقدم ذكرها- كانت حامية الوطيس؛ حتى إنّ جند الحكومة نزلوا إلى ميدان الحرب للحيلولة دون القتال، لكنهم لم يفلحوا. غير أنّ متصرف القدس «رؤوف باشا» رأى أنّه قد آن الأوان لوضع حدٍّ لتلك الحرب، فتوجّه بجنوده إلى «خان يونس» واجتمع هناك مع مشايخ الترابين وحثّهم على الصلح، ومثلما فعل مع الترابين بخان يونس، فعل مع التياها بالشريعة. ولما أبى الفريقان الصلح، ارتأى استعمال العنف معهم؛ فنفى أعيان البدو، وسجن منهم كثيرين، فمات بالسجن من مات، ومن خرج منه بعد سبع سنين رأى أنه ما من فائدة من تلك الحرب.

بينما عَلِمَ كاتبنا من رجلٍ طاعنٍ في السن شارك في تلك الحرب ويُدعى «حسن الباطل بن محيسن بن حسن بن حسين الباطل» أن «عزة باشا» هو من تولى هذا الأمر وليس «رؤوف باشا»، وأنه هو من نصح كبير التياها «حسن أبو شنار» وكبير الترابين «حماد الصوفي» بعقد الصلح، فوقعه «ثابت الصوفي» نيابةً عن الترابين ووقَّعه «جبر بن عطية» نيابةً عن التياها، وانتهت بذلك حرابة زارع بعد أن استمرت 7 سنوات.

حرب العزازمة والترابين

خشي سكان البلاد الأصليون كالترابين والتياها والجبارات من أن تنقلب الآية رأسًا على عقب حينما غادر أبناء عزام السبعة الحجاز واتجهوا إلى سيناء وجنوب «فلسطين»، فحاربهم الجبارات بدايةً وانتصروا عليهم وأعادوهم إلى «العريش»، لكنهم عادوا للمناطق التي استولوا عليها قبل ذلك مثل «الشلال» و«البعيريات» و«العراقيب» و«القرين».

حرب العزازمة والترابين

أما حربهم مع التياها، فيرجع سببها إلى حرب زارع، إذ تحالف العزازمة مع الترابين حينها ضد التياها حتى انتصروا عليهم، لكن الترابين رفضوا بعد ذلك اقتسام الأرض المسلوبة معهم، بل أخذوا -حسبما يقول بعض المصادر- منهم أرضهم مثل «السر» و«الجعيرة» و«الحبيبات» و«طويل الحباري»، فاضطر العزازمة للجوء إلى السيف، فحاربوهم في «الخبير» و«كحلة» و«أبي سمارة» و«أم خشرم» و«الخزعلي» و«عصلوج» و«تل دبيس» و«البرج» و«خشم الجبيل» و«صنوع الشويحي» و«الشلالة» و«الشريف» و«المقرح» و«وادي المشاش» و«الظاهرية»، لكن الترابين تمكنوا من الانتصار عليهم.

فراح العزازمة يَشْكُونَ أمرهم لولاة أمرهم، فذهب شيخهم «حسن الملطعة» إلى «الأستانة»، فأرسل «رؤوف باشا» متصرف القدس حملة سنة 1890م بقيادة اللواء «رستم باشا»، فأقدم بعد أن جمع مشايخ الترابين -كالشيخ حماد الصوفي والشيخ حمد الزريعي والشيخ حمود الوحيدي وأبو شباب وأبو حجاج وقاعود أبو مغيصب- على ضربهم وتأديبهم، بل وسجن بعضًا منهم وأرسلهم إلى «القدس»، وذلك اعتقادًا منه أنهم هم المعتدون، وأخيرًا وضعت الحرب أوزارها بعد أن أُنشئ في عام 1894م مخفرٌ للدرك بمغارة «الجهير» الواقعة على بعد تسعة عشر كيلومترًا من جهة الشمال الغربي لبئر السبع، وليكون بذلك أول مخفر يقوم العثمانيون بإنشائه بتلك البلاد.

وقد وقع الصلح بمعرفة الحكومة بقلعة «مليح» الواقعة على طريق غزة – بئر السبع؛ ووقَّع الشيخ «محمد بن عياد الصوفي» عن الترابين والشيخ «سليمان بن صالح جخيدم» عن العزازمة، وبذلك استردوا الأراضي التي كانت بأيديهم قبل نشوب الحرب.

حرابة يطَّة والظلام

تنازع عرب الظلام وأهل «يطَّة» الواقعة على جبل الخليل على قطعة أرضٍ لا تتجاوز مساحتها 20 ألف دونم تُسمى «تل عراد» على أنها تابعة لهم، فاندلعت الحرب بذلك في نفس التاريخ الذي تأسست فيه مدينة «بئر السبع» الجديدة، أي سنة 1900م، والبعض قال إنها اندلعت قبل ذلك بمدةٍ وجيزة، كما قيل إن نيرانها قد أُخمدت قبيل الحرب الكونية الأولى بسنتين، والبعض قال إنها أُخمدت قبل ذلك بخمس سنوات.

ولأن تلك الأرض كانت متاخمة لأرض الجهالين وقفوا إلى جانب أهل «يطَّة» وعلى رأسهم شيخهم «سليم بن ضيف الله أبو دهوك»، لكنهم سرعان ما تركوهم وحدهم في حربهم مع الظلام، بعد أن اتفقوا على ذلك مع الظلام برأس وادي السيل على أن يأخذوا منهم ما أُخذ منهم.

عَلِمَ كاتبنا من رجلٍ حضر تلك الحرب وهو الشيخ «محمد قبوعة» أن أهل «يطَّة» هم من ناصبوا الظلام العداء حينما أرادوا الاستيلاء عنوة على «تل عراد»، فتحارب الفريقان في «المغرقة» و«رأس وادي السيل» و«كسيفة» و«القريتين» وبالطبع في «تل عراد»، وعلى الرغم من أن الظلام انتصروا في بداية معاركهم مع خصومهم، فإنهم انهزموا بنهاية الحرب بعد أن أُصيب قائدهم الشيخ «سالم بن عيد أبو ربيعة» -وهو بالمناسبة جد شيخ الهميسات الشيخ «سلمان أبو ربيعة»- ونجله «خليل»، إضافة إلى مصرع عدد من رجالهم مثل «خميس أبو جويعد» و«سلمان الأطرم الجنوبي» و«حسن بن سلامة القرعان»، كما أن أهل «يطَّة» فقدوا عددًا ليس بالقليل من رجالهم، إذ لقي كلٌّ من «عبد الله بن حرب بن مغنم» و«عبد الله الهدار» و«أبو مر» و«ابن شريتح» و«محمد عربي» مصرعهم، كما أن كبيرهم «شحادة أبو عرام» قد بُترت ساقه بتلك الحرب.

وانتهت تلك الحرب بنفس الطريقة التي انتهت بها بعض الحروب سابقة الذكر بعد تدخل السلطات العثمانية؛ فقد سجنت عددًا من رجال الظلام في سجن القدس كالشيخ «سالم بن عيد أبو ربيعة» ونجله «خليل» وأربعة من أولاد الحاج «سالم القرعان» و«علي بن عيد المداني» و«سلمان بن جميعان الهترسي» و«حميد بن عيد أبو جويعد» و«سلمان بن حسن أبو قرينات»، وسجنت أيضًا عددًا من رجال «يطَّة» مثل «محمد أبو عرام» و«أبو صبحة» و«الهرين» و«الهايس» وغيرهم الكثير.

وهكذا وجد مشايخ المتحاربين أنفسهم ما بين حكمٍ بالسجن 15 عامًا أو بالإعدام شنقًا، فتوجّه رجال الظلام إلى «الأستانة» شاكينَ، فأُطلق سراح المسجونين، وذلك بعد توسط «شكري بك الحسيني» كونه كان تجمعه صلة نسبٍ بالصدر الأعظم «كامل باشا»، وانتهت بذلك الحرب بعد أن وقع المتحاربون الصلح.

تنويه: إن ما قرأتموه يعرض فقط بعض ملامح الكتاب، ولا يغني إطلاقًا عن قراءة الكتاب.
إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد .

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.