قراءة في كتاب «أنا والسوريالية».. كيف تحول جنون دالي إلى إبداع عالمي؟

من ضمن الكتب والروايات والأعمال الأدبية التي تناولت السيرة الذاتية لأصحابها، فإن كتاب «أنا والسوريالية» للفنان الإسباني العالمي «سلفادور دالي» يعد من أكثر كتب السيرة الذاتية جرأة وغرابة، نظرًا لأنه يتضمن كثيرًا من اعترافات الفنان العالمي الكبير، التي تصل أحيانًا إلى حد الفضائح والجنون والصدمة، فيما يخص الأحداث التي مر بها والمعتقدات التي يحملها، بالإضافة إلى العلاقات التي خاضها في حياته المليئة بالشهرة والمال والنزوات والإبداع.

وفي هذا المقال نقدم لك قراءة سريعة ومبسطة لكتاب «أنا والسوريالية» للفنان الإسباني الشهير سلفادور دالي من خلال السطور التالية.

نبذة عن سلفادور دالي

يُعد سلفادور دالي من أشهر فناني القرن الـ20، كما يُلقَّبُ بأبي السريالية، وهو رسام إسباني ولد عام 1904 وتوفي عام 1989. كما أن أعماله الفنية دائمًا ما كانت صادمة للمشاهدين من المتخصصين والعوام والمبدعين، بالإضافة إلى كتاباته وتعليقاته الصادمة التي جعلتهم يصفونه بأنه مضطرب نفسيًا، ويعاملونه في كثير من الأحيان باعتباره مجنونًا.

من ناحية أخرى، فإن سلفادور دالي لم يكن أبدًا ينكر هذا الجنون، بل إنه كان يتحدث عنه بفخر، ويقول إنه مجنون بدرجة عبقرية، إذ صنع من الفوضى إبداعات مدهشة، ودفعته نرجسيته الشديدة إلى الابتكار الذي أذهل رواد الفن على مدار القرن الـ20، وحتى الآن ما زالت أعمال سلفادور دالي علامات هامة في مشهد الفن الحديث.

وكما عاش سلفادور دالي حياة غريبة، فقد تعرض قبل موته بعدة سنوات لحادثة احتراق، فسرها الكثير من المتابعين على أنها محاولة انتحار. ورغم أنه لم يمت نتيجة هذه الحادثة وعاش بعدها خمس سنوات، فإنه لم يوضح إذا ما كان الأمر مقصودًا أم لا، حتى توفي عام 1989 بعد 84 عامًا من الإبداع والغرابة وإثارة الجدل.

عن كتاب «أنا والسوريالية»

يأتي إلينا كتاب «أنا والسوريالية» من إعداد وتقديم الصحفي «أندريه بارمود»، الذي كان صديقًا للفنان سلفادور دالي، ، الذي استمع إلى اعترافاته ومذكراته على مدى 20 عامًا، هي المرحلة التي عمل فيها أندريه بارمود على الكتاب.

وبالتالي، فإن كتاب «أنا والسوريالية»، وإن كان ينتمي إلى منطقة السيرة الذاتية، إلا أنه لا يعد سيرة مرتبة ومنظمة لصاحبها من الطفولة وحتى الوفاة، ولكنه يشبه إلى حد كبير طبيعة سلفادور دالي، إذ يعتمد على قوة الهذيان وتفجير اللحظات المتناثرة، وهو ما قد يجعل منه عملًا مختلفًا وممتعًا وغريبًا في نفس الوقت.

يتضمن الكتاب عددًا من ذكريات سلفادور دالي والوقائع والأحداث التي عاشها، بالإضافة إلى الكثير من اعترافاته الشخصية وآرائه الصادمة، وهو ما يعد نافذة على حياة سلفادور دالي المثيرة، التي كانت مليئة بالشهرة والجذب الدعائي والمكاسب المالية والحضور الطاغي على مدار سنوات حياته.

يضم الكتاب عددًا من العناوين الغريبة التي تعبر عن صاحبها، والتي تجعلنا نتأكد أن سلفادور دالي هو صاحب هذه العناوين، وكذلك هو من اختار النهج الذي صدر عليه الكتاب، وليس الصحفي أندريه بارمود. فعلى سبيل المثال، نقرأ عنوانًا مثل «كيف تحيا مع الموت؟»، وعنوانًا مثل «كيف يتخلص المرء من أبيه؟»، وكذلك «كيف تصعد بالنزوة إلى أقصى مدى لها؟»، وغيرها من العناوين التي لم نتعود أن نقرأها في كتب السيرة الذاتية، إلا أننا في حضرة سلفادور دالي، وبالتالي فكل شيء يبدو طبيعيًا، حتى الجنون ذاته.

كذلك يضم الكتاب مجموعة من الآراء التي لم يعلنها سلفادور دالي كثيرًا فيما يخص السياسة، كما يتتبع الصحفي أندريه بارمود شهادات المقربين من سلفادور دالي وآراء أصدقائه في فنه وطبيعته الشخصية، خاصة أن الكتاب ظهر بعد موت سلفادور دالي بمدة ليست بالقليلة.

وبالتالي، فإن الكتاب يعد بانوراما لحياة سلفادور دالي من وجهة نظره، بالإضافة إلى وجهات نظر المحيطين به، وهو ما يجعل الأمر يتخطى فكرة السيرة الذاتية، كما يتخطى العنوان الذي يتحدث عن السريالية، إلا إذا تعاملنا مع حياة سلفادور دالي باعتبارها شكلًا من أشكال السريالية.

ملخص كتاب «أنا والسوريالية»

يحكي سلفادور دالي عن وفاة أخيه الأكبر قبل ولادته بثلاث سنوات، بمرض الالتهاب السحائي، والصدمة التي عاشها والداه نتيجة موت طفلهما، وكيف كان لذلك تأثير كبير على علاقتهما بسلفادور دالي، وكيف كان يشعر بالذعر والحزن في حياة والديه نتيجة هذا الفقد، وهو الأمر الذي جعل سلفادور دالي يتعامل مع الحياة بشهوانية كبيرة، وكأنه يحاول أن يستكشف أسرارها من خلال الانخراط في الغرائز، ليس بغرض الاستمتاع فقط، وإنما كمحاولة للاستكشاف.

يصف سلفادور دالي والده بأنه عملاق، وقوي، وعنيف، ومتسلط، حتى في طريقته في الحب ونظراته القوية التي كانت دائمًا تجعل سلفادور دالي يشعر بأنه ليس شخصًا مكتملاً، وتجعل روحه تتأرجح بين الغضب والألم كلما شعر بحزن أبيه على الطفل المتوفى، وهو الأمر الذي عاش مع سلفادور دالي لسنوات طويلة، وجعله يتعامل مع الموت والحياة بحساسية شديدة في مواقفه وآرائه وأعماله الفنية.

كما كان موت أخيه الذي لم يره مؤثرًا في حياته، يحكي سلفادور دالي عن موت الشاعر الإسباني «جارسيا لوركا» الذي كان صديقه في الجامعة، وكيف كان موته مؤلمًا ومربكًا لسلفادور دالي، ويقول عنه في كتابه: «ما زلت أستطيع تذكر وجهه ميتًا وفزعًا، وراقدًا على سريره، محاولًا المرور بمراحل تحلله البطيء».

بدأ سلفادور دالي الرسم مبكرًا، وأصبح رسامًا مبدعًا في الرابعة عشرة من عمره، حين أقام أول معرض له، رغم أن أساتذته في أكاديمية «سان فرناندو» للفنون الجميلة وصفوه بأنه عديم القدرة والكفاءة، فطُرِد من الأكاديمية، وهو الأمر الذي جعله يتوجه إلى باريس ليتعرف هناك على بابلو بيكاسو.

أقام سلفادور دالي معرضه الأول في باريس بعد طرده من أكاديمية الفنون، إلا أن المعرض الذي أقيم عام 1927 شهد بيع جميع لوحات سلفادور دالي، وكتب عنه «أندريه بروتون» قائلًا: «لقد أتحف سلفادور دالي العالم بكائنات جديدة تمامًا». ومن هنا بدأت انطلاقة سلفادور دالي كأحد كبار الرسامين في أوروبا والعالم، ودخل بقوة إلى المجموعة السريالية، وأصبحت أعماله تحظى باهتمام كبير.

ورغم أن سلفادور دالي هو فنان السريالية الأشهر والأكثر التزامًا بها، فإنه تمرد عليها بطريقة جنونية، وهو ما جعل مجموعة السرياليين تنقلب على سلفادور دالي وتفصله من عضويتها عام 1939، وهو ما جعله يصرح قائلًا: «السريالية هي أنا».

ثم سافر سلفادور دالي بعد ذلك إلى الولايات المتحدة عام 1940 ليبدأ مرحلة جديدة في حياته، إذ عمل في تصميم ديكورات الأفلام، ومنها فيلم «المسحور» لألفريد هتشكوك، كما أصبح سلفادور دالي مولعًا بالممثلة الأميركية «ماي ويست»، وجعلها بطلة لعدة لوحات شهيرة، بالإضافة إلى تصميمه أريكة وردية على صورة شفتيها، وهي الأريكة التي أصبحت تصميمًا مشهورًا في جميع أنحاء أوروبا بعد ذلك.

جالا: الملهمة والمديرة والبديل العاطفي للأم

وعلى مستوى العلاقات الشخصية، يعترف سلفادور دالي بكثير من النزوات والعلاقات، إلا أن سلفادور دالي عُرف بـ«عاشق جالا»، وهي فتاة روسية اسمها الأصلي «هيلينا إيفانوفا دياكونوفا»، إلا أنها اشتهرت بلقب جالا.

وقد أتت من روسيا إلى فرنسا وهي في التاسعة عشرة من عمرها، ودخلت إلى أحد المصحات للعلاج من السل، ثم تزوجت الشاعر «بول إيلوار»، ثم وقعت في غرام الفنان «ماكس أرنست»، وبعد ذلك دخلت إلى حياة سلفادور دالي، الذي انجذب إليها كثيرًا، لدرجة أنه كان يوقع على بعض لوحاته باسمه واسمها معًا.

ومع الوقت، أصبحت جالا مديرة أعمال سلفادور دالي والمسؤولة عن تسويق منتجاته، وهو ما رآه المحللون والمتابعون تعويضًا لسلفادور دالي عن فقدان أمه. وبالتالي، كانت جالا تؤدي أدوارًا عدة في حياة سلفادور دالي بخلاف دور الزوجة، وهو ما يظهر في اعترافات سلفادور دالي، فكان يقول دائمًا: «كل رسام جيد يريد أن يكون مبدعًا وينجز لوحات رائعة يجب عليه أولًا أن يتزوج من زوجتي». فكان يراها عنوانًا للعبقرية وسببًا للتألق والإبداع.

سيكولوجية التسويق بالفضائح

من المشاهد الغريبة التي عاشها سلفادور دالي وتضمنها كتاب «أنا والسريالية» ما يتعلق بمشاهد استغلال الفضائح والاستفزاز الكبير الذي كان يمارسه سلفادور دالي من أجل التسويق لمنتجاته ولمشاريعه التجارية المربحة.

فعلى سبيل المثال، ألقى سلفادور دالي محاضرة في لندن عام 1936 بمناسبة المعرض الدولي للفن السريالي، وكان في أثناء إلقائه المحاضرة يرتدي زيًّا غريبًا عبارة عن رداء مخصص للغوص تحت الماء، ويمسك بكلتا يديه كلبين من كلاب الصيد الضخمة، وهو ما جعل الحاضرين ينجذبون إلى أسلوبه الاستعراضي أكثر من الاستماع إلى المحاضرة.

اعترافات سوداوية وشهوات وحشية

حصل سلفادور دالي على شهرة واسعة نتيجة أعماله الفنية وتصرفاته الغريبة، وإبداعه الكبير في الرسم والنحت والتصميم، وأسلوب حياته الجذاب والعبقري والساحر والمجنون والمهرج في الوقت نفسه، وهو ما يجعله حالة خاصة بين فناني عصره.

بالإضافة إلى صعوبة تقليد أسلوب سلفادور دالي الذي يبدو طبيعيًا ونابعًا من تركيبته الخاصة، وهو ما يمكن أن نلاحظه في اعترافه حين يقول: «أهوى أن أحطم جماجم الطيور الصغيرة بين أسناني، وأن أهرس عظامها كي أمص النخاع، والدجاج الذي أوشك أن يفسد والمطبوخ في فضلاتها، وكان ندمي الوحيد أنني لم آكل الديوك التركية المطبوخة حية، والتي تعد طبقًا سحريًا، أعرف أنني نهم بصورة ضارة، وتضيء وعي شهية أكل لحوم البشر».

وهكذا، فإن كتاب «أنا والسريالية»، الذي يمكن أن نضعه بين كتب أدب السيرة الذاتية، يعد تجربة مغايرة وممتعة وملهمة في الوقت نفسه، تضع القارئ في منطقة عاصفة ومثيرة وخصبة، خاصة لمحبي الفن وسير الفنانين.

عبقرية مغلفة بالجنون

في النهاية، يظل كتاب «أنا والسوريالية» أكثر من مجرد مذكرات شخصية؛ إنه جولة داخل عقل واحد من أغرب عباقرة القرن العشرين وأكثرهم إثارة للجدل. لقد نجح سلفادور دالي، عبر طيات هذا الكتاب، في تحويل الهذيان والنزوات الشخصية إلى فلسفة فنية حية، ليثبت للعالم أن الخيط الفاصل بين الجنون والعبقرية قد يكون في كثير من الأحيان مجرد لوحة فنية أو رداء غوص في قاعة محاضرات.

هل ترى أن جنون سلفادور دالي كان عفويًا وجزءًا من عبقريته، أم أنه كان أداة ذكية ومدروسة للتسويق وصناعة الشهرة؟ ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك من محبي الفن والأدب لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة