كتاب إميل لروسو حجر الأساس في فسلفة التربية الحديثة

يُعد كتاب «إميل أو التربية» للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو من أعظم الأمهات الفكرية التي أثرت في نظريات التربية الحديثة، بل يكاد يكون حجر الأساس الذي انطلقت منه كثير من المبادئ التي تتبناها النظم التربوية المعاصرة. في هذا النص، نستعرض الخلفية الفلسفية التي ألهمت روسو كتابة هذا العمل، ونتتبع أبرز أفكاره في تنشئة الطفل، وتأثيره في تاريخ الفكر التربوي العالمي، مع تسليط الضوء على السياق الثقافي الذي أفرز هذه الرؤية الراديكالية للتربية في القرن الثامن عشر.

في تراثنا العربي كتب نسميها (الأمهات)؛ لأنها تظل -على مر العصور والأجيال- المنابع التي يرتوي منها الفكر المتطلع إلى تعمق ما تحت السطح الظاهر، وإلى تتبُّع ما تحت الجذع في الدوحة من جذور ممتدة في أعماق التربة الفكرية التي تشققت عن النوامي من عشب وشجيرات، قد تملأ العين بصفاء الاخضرار كما تملأ الصدر بعبق الأزهار، وقد تشيع في النفس أنغام اللون والظل، ولكنها تظل التضاريس الظاهرة التي لا تُغني عن التنقيب في أحشاء التربة ومع الجذور، إذ هناك منابع الثروة الفكرية، وأصول ما يظهر على السطح من دلائل لما في الباطن.

وكما في التراث العربي، نجد في التراث العالمي، في أكثر من ثلاث أو أربع لغات حية ما يمكن أن يسمى الأمهات أيضًا. وهي أمهات لا يُستغنى عنها، حتى ولو بالإلمام العابر لمن يتطلع إلى أن يتزود في رحلة الفكر والثقافة، بزاد لا يخلو من بعض الدسم الذي يعين على مواصلة الرحلة، بخطى أكثر ثباتًا وأوسع أمدًا.

جان جاك روسو.. فيلسوف غير مسار الفكر

 وُلد جان جاك روسو في عام 1712، وتوفي في عام 1778، ويُجمع مؤرخو التراث العالمي على أن هذا الكاتب الفرنسي في القرن السابع عشر كان واحدًا من الشخصيات النادرة في تاريخ الحضارة (الغربية)، وقد يبالغون، فيذهبون إلى أن له هذه الصفة -وهي الندرة- في تاريخ الحضارة الإنسانية كلها، إذ سطع على حياة الفكر وعلى مسيرة الحضارة، في لحظات من أشد لحظات التاريخ حرجًا ودقة.

وُلد جان جاك روسو  في عام 1712 ويُجمع مؤرخو التراث العالمي على أنه من الشخصيات النادرة  في تاريخ الحضارة (الغربية)

شرارة الإلهام.. مسابقة أكاديمية ديجون

يقول روسو في خطابه إلى صديق من أصدقائه، ما يزيح الستار عن اللحظة التي تفجر فيها تطلعه إلى أن يتسنَّم القمة، في الأدب والفلسفة: كان ذلك -كما يقول في رسالته- مفاجأة له. وقد حدثت هذه المفاجأة عندما كان ذاهبًا لزيارة صديقه الكاتب والفيلسوف الفرنسي (ديدرو) حيث كان هذا سجينًا عقابًا له على واحدة من جرائمه الفكرية، وفي الطريق اشترى روسو، نسخة من صحيفة (ميركورد وفرانس)، وأخذ يقرأها وهو يمشي، فإذا به يجد إعلانًا من أكاديمية ديجون (Academy of Dijon) عن جائزة تقدمها لأحسن بحث يُكتب عن موضوع، يبدو سهلًا لأول وهلة وهو «عما إذا كانت الأخلاق والسلوك والعادات، قد تطورت إلى الأفضل بتأثير الأدب والعلم في فرنسا».

وعلى ما يبدو من سهلة الموضوع، لكنه كان لروسو ساحة لا حدود لها من المجال الذي يستطيع أن يحلق أو يجول فيه الكاتب، وقد رأى فيما وراء الساحة ما لا حصر له من الآفاق التي تتيح له أن يطوف ما شاء له التطواف. ومن ذلك -على سبيل المثال- أنماط السلوك الإنساني، والدور الذي يقوم به أو يجب أن يقوم به الإنسان، والعلاقة بين البيئة، ومشكلات الإنسان.

ومع هذه المتواليات الفكرية على ذهنه، وقد أثارها الموضوع الذي حددته أكاديمية ديجون، لم يعد الأمر فكرة في الجائزة، وإنما في أن يدخل رواق الأدب والفلسفة. وهو يقول في هذه الرسالة: «لقد أحسست -أول مرة، وفيما يشبه اليقظة المفاجئة على عالم جديد- أني أرى ألوفًا من الومضات المشعة، ودفقًا يتزاحم ويتلاحق من الأفكار الحية يجد سبيله إلى ذهني..».

ويذهب روسو، في وصف مشاعره في هذه اللحظة، فيقول: «كانت هذه الأفكار تتدفق في ذهني وفي أعماق نفسي بقوة لا قبل لي بمقاومتها، وغرقت معها في دوامة من القلق، وأحسست كأن رأسي يعاني حالة دوار مستمر لا يهدأ).

ويتابع وصفه لهذه اللحظات في الرسالة التي يكتبها لصديقه فيقول: «جلست تحت ظلال إحدى الأشجار كأنما لأجمع شتات نفسي، التي بدا لي كأن هذه الأفكار قد بعثرتها، بما فيها من قوة دفق، وعنف انطلاق، وتتجه نحو قدر الإنسان ووضعه في الحياة، وحين انتهيت، وعاد لي هدوء نفسي، وجدت معطفي مما يلي ياقته مبللًا بالدموع».

وبدأ روسو، منذ ذلك اليوم، مسيرة أدبه وفلسفته. ولا يسعفنا المجال للتحدث عن تفاصيل سيرة حياته قبل هذه اللحظة التي يكتب عنها لصديقه، وبعدها، وما في هذه المسيرة من تناقضات ومآسٍ، وانفلات وانحراف وألوان من العذاب، تتخللها دعة الحب، والعطف الذي نعم به من المرأة التي فسر عطفها عليه -من جانبه- بأنه حب.

كتاب (إميل أو التربية) ثورة في الفكر التربوي

مما نقل إلى العربية، من مؤلفات جان جاك روسو، كتاب (إميل) وهو كتاب عُني فيه روسو، كما لم يُعن أحد قبله قط، بالتربية وتنشئة الطفل وتوجيهه.

أبرز مؤلفات جان جاك روسو كتاب (إميل) وهو كتاب عُني فيه روسو كما لم يُعن أحد قبله قط بالتربية وتنشئة الطفل وتوجيهه

وقد فرغ روسو من تأليف كتابه في التربية هذا في عام 1762م، أي عندما كان في الخمسين من عمره. ومما يلفت النظر أن روسو في كتابه لم يدخل في حسابه الإناث، إذ إن جميع آرائه وتوجيهاته التربوية موجهة إلى الذكور. وهذا قد يعطينا فكرة عن نظرة أوروبا -ومنها فرنسا- إلى المرأة في ذلك العصر.

مبادئ روسو التربوية والعودة إلى الطبيعة

يعالج روسو تربية الطفل منذ طفولته الأولى إلى أن يبلغ سن الصبا، وترتكز فكرته على أساس واحد، هو الاعتماد في التربية على الطبيعة وحدها، إذ يرى أن إفساح المجال للطبيعة لتؤدي دورها في تكوين الطفل لا بد أن ينتهي به إلى تعليم جيد.

ومن هذا الأساس انطلق إلى نصح الأمهات بأن يرضعن أبناءهن من أثدائهن، وأن يحرصن على إطلاقهم من الأقمشة واللفائف، ليأخذ الجسم والأعضاء حقهما في الحركة الطبيعية، وعلى الأمهات أن يغدقن عليهم حنانهن وحبهن، وأن يكرسن جانبًا من اهتمامهن لرعايتهم.

وإذ لا ينسى روسو أن الآباء لا يستطيعون أن يؤدوا واجبات الأبوة، نظرًا لمطالب المجتمع الملحة على حياتهم، فإنه يقترح أن يستخدم هؤلاء مدرسين أو مربين من الرجال، فيضع لهؤلاء أيضًا القواعد والأسس والوسائل التي يجب أن يتبعوها في العناية بمن يعهد إليهم من الأطفال.

أما الطبيب، فلا بأس بأن يستدعي، ولكن بأقل ما يمكن من المناسبات؛ وذلك لأن طبيعة التكوين الإلهي، قد زودت الطفل بكثير من القدرة على المقاومة، بحيث يندر أن يحتاج الطفل الذي يربى على الأساس الذي وضعه إلى عناية الطبيب.

وبالنسبة لطاقات الطفل الذهنية، ومدركاته الحسية، فإن روسو يرى أنها يمكن أن تنمو وتتطور عبر الكلام والأحاديث والتجارب التي يشرف على توجيهها المربي المختص، أو المدرس. ومع ذلك فإن ما يحيط به من المشاهد والظروف، سوف يعلمه أن يستعمل عينيه، وأحاسيسه وخياله، فإذا لم يُعق عن استعمال أحاسيسه وحواسه وخياله، ووجد من يساعده -إلى حد ما- على الاستفادة من كل ما يرى ويسمع ويتذوق، ويلمس ويجرب، فإنه سيكوِّن رصيدًا من الخبرة هو الذي يساعده في شق طريقه في مسالك الحياة.

من روبنسن كروزو إلى الاعتماد على النفس

يستبعد روسو كليًا فكرة أو أسلوب العقاب، على ما قد يقع فيه الطفل من أخطاء، إذ يرى أن الأفضل، هو أن نترك له أن يجرب الخطأ، وأن يكتشف نتائج هذا الخطأ بنفسه، وما يمكن ولا بد أن ينتج عنه من أضرار.

وهو ينصح ويتوسع في التنبيه إلى أن علينا أن نعوِّد أطفالنا الاعتماد على أنفسهم. فلنتركهم، مثلًا، يجربوا أي حركة قد تؤدي إلى سقوطهم على الأرض، أو إلى رضة في الرأس؛ فذاك هو سبيلهم إلى أن يتعلموا كيف يجيدون الحركة التي لا تعرضهم للأذى. ولذلك، فلنتركهم يمارسوا الرياضة التي يحبونها، ولنتركهم يجربوا العمل بأيديهم.

أول كتاب يرى جان جاك روسو أن يقرأه الطفل حين يتعلم القراءة هو قصة (روبينسن كروزو) للكاتب الإنجليزي (دانيال ديفو)

وعلينا أن نتجنب المبالغة في الإعجاب بهم، أو الإسراف في تدليلهم. فالحب والعطف ليسا في التدليل وإنما في التوجيه السليم، والنظرة الحانية العطوف، والكلمة الطيبة عند اللزوم. هذا وفي الوقت نفسه لا يمنع أن نبعد عن الأرض التي يمشون عليها بأرجلهم الحافية ما قد يكون فيها من شظايا الزجاج أو الصقيع التي تتسبب في أضرار، قد لا يكون الطفل مسؤولًا عنها.

وأهم كتاب، بل أول كتاب يرى جان جاك روسو أن يقرأه الطفل حين يتعلم القراءة هو قصة (روبينسن كروزو) للكاتب الإنجليزي (دانيال ديفو)؛ لأنه سيرى فيه الإنسان وهو يواجه حياته وحيدًا متقطعًا عن كل ما ألفته حياة الناس من وسائل العيش والدعة. هناك الغابة بكل مخاوفها، وعليه في تلك الغابة أن يعيش، فيبني لنفسه البيت الذي يحتمي فيه من الوحوش، وأن يعرف كيف يؤمِّن لنفسه الغذاء واللباس.. إلى ما في القصة من حياة روبنسن كروزو منذ تحطمت به السفينة في جزيرة مجهولة، ليس فيها من البشر سواه، ثم ذلك الزنجي الذي تألَّفه واتخذه صديقًا، إلى جانب الببغاء والقرد.

كتاب إميل أو التربية وإرث روسو الخالد

يُجمع علماء التربية والنقاد على أن الأسس التي وضعها روسو في كتابه (إميل) لتنشئة الطفل، وفهمه لنفسيته، هي التي تقوم عليها أسس تربية الإنسان العصري. وعلى الرغم من مرور ما يقرب من قرنين من الزمان؛ فإن كتاب (إميل) لجان جاك روسو لا يزال مصدرًا من مصادر علم التربية، ولا يزال الكتاب ممتعًا، حين يفرغ المثقف لقراءته، وإن لم تكن التربية من اختصاصه.

في نهاية المطاف، يظل كتاب (إميل أو في التربية) لجان جاك روسو وثيقة تأسيسية في تاريخ الفكر التربوي، فهو لم يطرح أفكارًا جديدة فحسب، بل أحدث قطيعة معرفية مع أساليب التلقين القمعية التي كانت سائدة. وعلى الرغم من الانتقادات المشروعة التي طالته، خاصة فيما يتعلق بنظرته للمرأة، لكن دعوته الجذرية للعودة إلى الطبيعة، واحترام مراحل نمو الطفل، وتشجيع التعلم عبر التجربة، لا تزال أصداؤها تتردد بقوة في الأنظمة التعليمية الحديثة، ما يجعله بحق واحدًا من الكتب الأمهات التي لا غنى عن قراءتها لفهم مسار الحضارة الإنسانية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة