يمثل التراث النقدي العربي مرآة عاكسة لتطور الذوق الأدبي والوعي اللغوي عبر العصور، وفي قلب هذا التراث يبرز كتاب "الموشح" كواحد من أدق المصنفات التي رصدت حركة النقد في أوج ازدهارها.
لم يكن الكتاب مجرد تجميع للآراء، بل كان محاولة جادة لتقويم مسار الشعر العربي من خلال تسليط الضوء على عيوب الصناعة ومآخذ الفحول، مما يجعله وثيقة تاريخية وأدبية لا غنى عنها لكل باحث في أسرار الكلمة وتاريخ النقد الأدبي القديم.
التعريف بالمؤلف "المرزباني"
يُعد أبو عبيد الله المرزباني أحد كبار الموسوعيين الذين برزوا في القرن الرابع الهجري، حيث استطاع أن يجمع ببراعة بين علوم الأدب والتاريخ واللغة. وقد عُرف بجودة التصنيف وحسن التنسيق حتى لُقب بـ "جاحظ زمانه"، وكان منزله في بغداد مقصداً ومنارةً ومجمعاً كبيراً للعلماء والأدباء من كل حدب وصوب.
وهو محمد بن عمران بن موسى المرزباني البغدادي الكاتب، ولد في مدينة بغداد عام 297 هـ (910 م) ونشأ وترعرع فيها حتى وفاته عام 384 هـ (994 م). وعلى الرغم من أن أصوله تعود إلى بلاد خراسان، فإنه كان بغدادي الهوى والنشأة، وقد ارتبط اسمه بلقب "المرزباني" نسبة إلى جده.
وفي مسيرته العلمية، عُرف المرزباني بسعة العلم وصدق اللهجة، وكان مكثراً من السماع والرواية، حيث تتلمذ على يد جهابذة عصره، ومن أبرزهم اللغوي الشهير ابن دريد صاحب "جمهرة اللغة"، والعالم النحوي ابن الأنباري، وشيخ المقرئين أبو بكر بن مجاهد. وبفضل هذه الحصيلة العلمية، نال مكانة رفيعة لدى الأمراء والوزراء، لا سيما في عهد الدولة البويهية، حيث حظي بتقدير خاص من "عضد الدولة" الذي كان يعرف له قدره ومنزلته العلمية.
أبرز مؤلفاته
ترك المرزباني ثروة علمية ضخمة، ضاع الكثير منها وبقي بعضها مطبوعاً ومتداولاً:
معجم الشعراء: وهو من أهم كتبه، ترجم فيه للشعراء الذين لم يذكرهم أصحاب الكتب السابقة، ورتبهم ترتيباً معجمياً.
الموشح: كتاب نقدي يتناول مآخذ العلماء على الشعراء من عيوب الوزن والقافية واللغة، وهو مرجع هام في النقد الأدبي القديم.
المقتبس: في أخبار النحويين واللغويين.
أشعار النساء: كتاب جمع فيه أخبار الشواعر وأشعارهن.
الرياض: في أخبار المتيمين من الشعراء.
تعريف بالكتاب "الموشح"
يعد كتاب الموشح لأبي عبيد الله المرزباني من المصادر الأساسية المهمة في النقد العربي القديم. وهو يضم مادة نقدية غنية لا تكاد تجتمع بهذه الكثرة أو الغِنى في أي مصدر آخر.
وهو كتاب متخصص، اهتم صاحبه بالحديث عن جانب واحد من جوانب النقد الأدبي، وهو إبراز العيوب والمآخذ التي يقع فيها الشعراء العرب من القدماء والمحدثين، «فاسم الكتاب الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر»، ولكن هذا الجانب كان من الغنى والوفرة والتنوع إلى درجة أنه يكاد يضعنا أمام صورة شبه كاملة للشعر كما تتمثله فرق مختلفة من النقاد، كلٌّ حسب ثقافته ومذهبه. أضف إلى ذلك أن الحديث عن هذه المآخذ كان يمر بمعظم القضايا النقدية البارزة في نقدنا العربي القديم، إن لم نقل كلها.
وقد نقل المرزباني هذه المآخذ – بطرق مختلفة، كالسماع والمكاتبة والنقل – عن فئات متعددة من النقاد: رواةً، ونحويين، وشعراء، ومتخصصين وغيرهم، ثم صنَّف هذه المآخذ على حسب أسماء الشعراء، واتَّبع في تصنيفهم التسلسل الزمني، فرتَّبهم على حسب عصورهم وأزمنتهم، فبدأ بالشعراء الجاهليين، فالإسلاميين، فالمحدثين، حتى أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع.

الفلسفة النقدية في "الموشح": إنصاف القديم والحديث
وهو بذلك يعكس نظرة نقدية منصفة في قضية القديم والحديث؛ فكأنه يشير إلى أن الخطأ أمر مشترك بين الشعراء جميعًا في كل زمان ومكان؛ فالقدماء لم يبرؤوا من العيوب، ولم يرتفع شعرهم إلى مرتبة القداسة والعصمة؛ فالشاعر – أي شاعر – على حد تعبير ابن ميادة كالنابل يخطئ ويصيب، والشعر كالنبل يُرمى به الغرض؛ فطالع، وواقع، وعاضد، وقاصد.
كما أن المصنِّف يعلن منذ البداية أنه لا يتعصب للمادة النقدية التي يوردها، ولا يدّعي أنها الرأي الوحيد الذي لا يقبل المناقشة؛ فباب التعسف واسع جدًا في هذا الباب، ومن بحث عن العيب وجده في لفظ أو معنى أو غيرهما. وقد عُبِّر عن هذا بحِجاجٍ دار ذات مرة بين أبي نواس ومسلم بن الوليد؛ إذ قال مسلم لصاحبه: «ما أعلم لك بيتًا إلا مدخولًا معيبًا ساقطًا؛ فأنشد أي بيت أحببت». فأنشد أبو نواس إنشاد المُدِلّ:
ذَكَرَ الصَّبُوحَ بسُحْرةٍ فارتاحا *** وأملَّه ديكُ الصباحِ صِيَاحًا
فقال له مسلم: «قف عند حجتك. لم أملَّه صياحًا وهو يبشِّره بالصبوح الذي ارتاح له؟». فانقطع أبو نواس انقطاعًا بيِّنًا، وقال لمسلم: «أنشدْ أنت ما أحببتَ من شعرك». فأنشد مسلم:
عاصَى الشبابَ فراح غيرَ مُفَنَّدِ *** وأقام بين عزيمةٍ وتجلُّدِ
فقال أبو نواس: «حسبُك حيث بلغتَ، إذ ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت:
وأقام بين عزيمةٍ وتجلُّدِ
فجعلته منتقِلًا مقيمًا». فانقطع مسلم، وتشاغبا وافترقا. وقد لخص ميمون القصة كلها بقوله معلقًا على الخبر السابق: «والبيتان جيدان، ولكن قلَّ من طلب عيبًا إلا وجده».
وقد يظهر رأي آخر فيما أُخذ على هذا الشاعر أو ذاك، بل إن كثيرًا من المآخذ الواردة في الكتاب يأباه آخرون، ولا يقرّون به، ويرون فيه رأيًا مختلفًا. ولذلك يقول في المقدمة: «إن كثيرًا مما أُنكر في الأشعار قد احتج له جماعة من النحويين وأهل العلم بلغات العرب، وأوجبوا العذر للشاعر فيما أورده منه، وردوا قول عائبه والطاعن عليه، وضربوا لذلك أمثلة قاسوا عليها، ونظائر اقتدوا بها، ونسبه بعضهم إلى ما يحتمله الشعر، أو يضطر إليه الشاعر…». ولكن المرزباني -حرصًا منه على وحدة المنهج في الكتاب، وحتى لا يخلّ بالغاية التي وُضع من أجلها- لم يشأ أن يعرض لهذه المسوغات التي أُورِدت في الرد على بعض المآخذ؛ إذ لو كان يجوز «أن نبني قولًا على شيء بعينه، ثم نعقب بنقضه في تضاعيفه لذكرنا الاحتجاج للشعر في هذا الكتاب…»، ووعد أن يفرد لهذه الاحتجاجات رسالة خاصة.
البعد التعليمي والمنهجي للكتاب
ويبدو أن المرزباني قد جمع هذه المآخذ لغاية تعليمية؛ فقد أراد أن يضعها بين يدي الشعراء المعاصرين في زمانه، ومن يأتي بعدهم، من أجل أن يجتنبوها، ويعدلوا عنها، لأنها مما يسيء إلى الشعر ويفسده ويهجنه، وفي اجتنابها وصول به إلى الجودة والكمال.
تنوع طوائف النقاد في "الموشح"
و«الموشح» معرض منظم لآراء مختلف فئات النقاد العرب وطوائفهم، وهي طوائف كثيرة متنوعة لم يكد يتخلف منها أحد ممن شاركوا في عملية النقد، أو أُثرت عنهم أقوال ونظرات في الشعر وصناعته؛ فقد كان أمام المرزباني تراث ضخم من هذه الأقوال الشفهية أو المكتوبة، وهي أقوال للعلماء كابن عباس وتلاميذه عنبسة الفيل، وابن أبي إسحاق، وأبي عمرو بن العلاء وتلاميذه يونس بن حبيب، والأصمعي، وأبي عبيدة معمر بن المثنى. وللنحاة من بصريين وكوفيين وبغداديين كالمبرد وثعلب ونفطويه.
وللرواة من أعراب كأبي البيداء الرياحي، وأبي بشير المديني، وسُكينة بنت الحسين، وعقيلة بنت عقيل بن أبي طالب. ومن كوفيين كالمفضل الضبّي، وأبي عمرو الشيباني، وحماد الراوية، وهشام بن محمد الكلبي، وابن الأعرابي. ومن بصريين كخلاد بن يزيد، والمدائني، وأبي الخطاب الأخفش، وخلف الأحمر، والعتبي. ومن بغداديين كأبي الحسن الأثرم، والمظفر بن يحيى. ومن رواة فقهاء كسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، والقاسم بن معن، وأبي بكر بن عباس، والشعبي.
وفي «الموشح» أخبار منقولة عن بعض رواة الشعراء كأبي علي الأصفر الضرير أحد رواة شعر أبي نواس، ومحمد بن سهيل راوية الكميت، والسائب بن ذكوان راوية كثيّر. وهناك أخبار كثيرة منقولة عن طائفة من الرواة الشعراء كإسحاق الموصلي، وأبي الحسن علي بن يحيى المنجّم، والصولي الذي يذكره دائمًا بقوله: «شيخنا رحمه الله»، فقد كان أستاذه.
ومن نقاد «الموشح» أولئك الشعراء الذين كان ينقد بعضهم بعضًا، كنقد الأخطل لجرير، ونصيب لجميل، والعتابي لأبي نواس، وابن الرومي للبحتري، والفرزدق لذي الرمة.
وفي «الموشح» نقد كثير للخلفاء والأمراء من أمويين وعباسيين، كنقد عبد الملك لكثير ونصيب، وهارون الرشيد لجميل، وعبد الملك لجرير وذي الرمة، وابن قيس الرقيات. ونقد بشر بن مروان أمير العراقيين، والحجاج بن يوسف، وابن لقمان الخزاعي، ومعن بن زائدة الشيباني.
وفي «الموشح» نقد لبعض النساء كسُكينة بنت الحسين، وعزة صاحبة كثير، وعقيلة بنت عقيل بن أبي طالب، وزبيدة زوجة الرشيد، والنوار زوجة الفرزدق، والطائية زوجة امرئ القيس.
وفي الكتاب -فوق ذلك كله- نقد أولئك المختصين الذين تفرغوا لهذه المهمة، وصنفوا فيها كتبًا ومؤلفات، كابن سلام الجمحي «ت: 231هـ»، وابن المعتز «290هـ»، وابن طباطبا «322هـ»، وقدامة بن جعفر «337هـ»، وغيرهم.
ومن الواضح أن هذا التنوع في طوائف النقاد -الذين عرضنا بعض الأسماء لكل طائفة من باب التمثيل لا الحصر- يعكس لنا مقدار الغِنى النقدي الذي نجده في كتاب «الموشح»، فقد رصد مختلف الاتجاهات التي ظهرت على أيدي هؤلاء جميعًا من أواخر القرن الأول الهجري حتى أوائل القرن الرابع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.