أشهر كتاب المسرح اليوناني والروماني وأعمالهم

على خشبة المسرح، وُلدت أعظم الأسئلة عن القدر والعدالة وطبيعة الإنسان. إن المسرح اليوناني والروماني ليس تاريخًا أدبيًّا فحسب، بل هو المهد الذي تكوَّنت فيه أسس الدراما الغربية التي نراها اليوم في السينما والتلفزيون. من أروقة أثينا القديمة، حيث كانت تُقام المسرحيات شعائر دينية وفنية إلى مسارح روما الصاخبة، برز عمالقة خالدون صاغوا بأقلامهم مفاهيم التراجيديا والكوميديا.

في هذا المقال، ننطلق في رحلة عبر الزمن لنتعرف على أشهر كتاب المسرح في هاتين الحضارتين العظيمتين، ونكتشف كيف لا تزال أعمالهم تؤثر فينا حتى اليوم.

تاريخ المسرح

كان المسرح يعرف منذ القرن السادس قبل الميلاد في مملكة أثينا الكلاسيكية، وهو يُعد أقدم مسرح. ولكن مع اختلاف الأشكال والأنماط، ومع مراعاة التطور، أصبح المسرح يمثل كيانًا مستقلًا بذاته تمثَّل في المسرح الإغريقي الذي كان يقدم أداءات متنوعة تضمنت المهرجانات والشعائر الدينية والألعاب الرياضية والموسيقي وحفلات الزفاف والجنازات، إلى جانب حفلات الشرب أيضًا.

تاريخ المسرح

ثم ظهر مسرح اليونان القديمة وتألَّف من ثلاثة أنواع هي: التراجيديا والساتيرية والكوميديا. وبعد ذلك توسعت المملكة الرومانية وأدى ذلك إلى تطور المسرح الروماني. وكان مسرح روما القديمة يمثل نوعًا فنيًا متألقًا ومتنوعًا؛ فكان يقدم نشاطات مختلفة من مهرجانات وبهلوانات ومسرح الشوارع، وأعمال سينيكا التراجيدية ذات اللغة المحكمة والأسلوب العالي.

المسرح اليوناني حيث وُلدت الدراما

نشأ المسرح اليوناني القديم في القرن السادس قبل الميلاد من الشعائر الدينية التي كانت تُقام تكريمًا للإله ديونيسوس، إله الخمر والخصوبة. كانت المسرحيات تُعرض في مهرجانات ضخمة مثل مهرجان ديونيسيا (City Dionysia)، حيث يتنافس الكتاب على الفوز بجوائز. وتميز المسرح اليوناني بوجود الكورس، وهي مجموعة من الممثلين كانت تعلق على الأحداث وتوجه الجمهور عاطفيًا، إضافة إلى استخدام الأقنعة لتمثيل شخصيات مختلفة.

كتاب المسرح اليوناني وعمالقة التراجيديا اليونانية

يُعرف تاريخ التراجيديا اليونانية بفضل ثلاثة أساتذة كبار، لم تصلنا أعمالهم كاملة ولكن ما تبقى منها شكل ضمير الأدب العالمي.

إسخيلوس أبو التراجيديا (525 - 456 ق.م.)

يُعد إسخيلوس (أبو التراجيديا) لأنه كان أول من أدخل ممثلاً ثانيًا على خشبة المسرح، ما سمح بوجود حوار حقيقي وصراع درامي بين شخصيتين بدلًا من الحوار بين ممثل واحد والكورس. وتميزت مسرحياته بعمقها الديني والفلسفي، وركزت على موضوعات مثل العدالة الإلهية وعلاقة الإنسان بالآلهة، وعاش إسخيلوس نحو 69 عامًا.

كتب ما يقدر بـ70 إلى 90 مسرحية، لم يصلنا منها سوى 7 مسرحيات كاملة، وأشهر أعمال إسخيلوس ثلاثية الأورستيا. هي الثلاثية التراجيدية الوحيدة الباقية من الأدب اليوناني، وتتكون من ثلاث مسرحيات (أجاممنون، حاملات القرابين، Eumenides). وتدور أحداثها عن عودة الملك أجاممنون من حرب طروادة، ومقتله على يد زوجته كليتمنسترا، ثم عودة ابنه أوريستيس لينتقم لأبيه بقتل أمه، والمحاكمة الإلهية التي يتعرض لها بعد ذلك، لتنتهي بتأسيس نظام جديد للعدالة في أثينا.

ثلاثية الأورستيا

أبرز شخصيات الأورستيا

  • أجاممنون: ملك أرجوس وقائد اليونانيين في حرب طروادة.
  • كليتمنسترا: زوجة أجاممنون القوية والحاقدة.
  • أوريستيس: ابن أجاممنون الذي يقع في صراع بين واجبه بالانتقام وحرمة قتل الأم.

سوفوكليس سيد الحبكة الدرامية (496 - 406 ق.م.)

يُنسب إلى سوفوكليس الفضل في إدخال الممثل الثالث، ما زاد من تعقيد الحبكة الدرامية. ويُعد سوفوكليس سيد البناء المسرحي، فتميزت مسرحياته بحبكتها المتقنة وشخصياتها المرسومة بعمق، والتي تواجه مصائر مأساوية محتومة. وركز على قوة القدر والإرادة البشرية في مواجهته، وعاش سوفوكليس نحو 90 عامًا.

وكتب 123 مسرحية، لم يصلنا منها أيضًا سوى 7 مسرحيات كاملة. وأشهر أعماله: أوديب ملكًا، وتُعد النموذج الأمثل للتراجيديا. وتبدأ القصة بانتشار وباء في مدينة طيبة، ويكتشف الملك أوديب أن سبب الوباء هو وجود قاتل الملك السابق "لايوس" دون عقاب. ويبدأ أوديب تحقيقًا حماسيًا للبحث عن القاتل، ليكتشف في النهاية حقيقة مروعة: أنه هو نفسه القاتل، وأنه قتل أباه "لايوس" وتزوج أمه "جوكاستا" دون علم. وتنتهي المسرحية بقيام جوكاستا بشنق نفسها، وقيام أوديب بفقء عينيه ونفي نفسه.

مسرحية أوديب ملكًا

أبرز الشخصيات مسرحية أوديب ملكًا

  • أوديب: ملك طيبة، البطل التراجيدي الذي تدفعه إرادته لكشف الحقيقة التي ستدمره.
  • جوكاستا: زوجة أوديب وأمه في الحقيقة.
  • تيريسياس: النبي الأعمى الذي يعرف الحقيقة منذ البداية.

يوربيديس ثائر المسرح (480 - 406 ق.م.)

كان يوربيديس الأكثر حداثة وثورية بين كتاب التراجيديا، ركز بأسلوب غير مسبوق على التحليل النفسي العميق لشخصياته خاصة النساء، وصورهم بشرًا واقعيين يعانون من عواطف جياشة بدلًا من كونهن أدوات في يد القدر. انتقد التقاليد الاجتماعية والسياسية في عصره بجرأة، وعاش يوربيديس نحو 74 عامًا.

وكتب يوربيديس نحو 92 مسرحية، وصلتنا منها 18 مسرحية كاملة، وهو أكبر عدد من أي كاتب تراجيدي، وأشهر أعماله (ميديا)، وتدور عن الساحرة (ميديا) التي ساعدت زوجها (جيسون) في الحصول على الصوف الذهبي، وهربت معه إلى كورنث. عندما يقرر جيسون التخلي عنها ليتزوج ابنة الملك، تشتعل نيران الغيرة والانتقام في قلب ميديا. في ذروة مأساوية، تقوم بقتل منافستها الجديدة، وملك كورنث، وأخيرًا، تقتل طفليها من جيسون لتدمر حياته بالكامل، ثم تهرب على عربة تجرها التنانين.

مسرحية ميديا

أبرز الشخصيات مسرحية ميديا

  • ميديا: بطلة المسرحية، شخصية معقدة تجمع بين قوة الساحرة وضعف المرأة المهجورة.
  • جيسون: البطل الأسطوري الذي يظهر كزوج خائن وأناني.

أريستوفانيس سيد الكوميديا اليونانية القديمة الناقد الساخر (446 - 386 ق.م.)

هو الكاتب الوحيد الذي وصلتنا أعماله كاملة من عصر الكوميديا القديمة، كانت مسرحياته عبارة عن نقد سياسي واجتماعي لاذع، ممتلئة بالسخرية والمبالغة والنكات الجريئة، لم يسلم أحد من سخريته، من الفلاسفة مثل سقراط إلى السياسيين وقادة الجيش.

عاش أريستوفانيس نحو 60 عامًا، وكتب نحو 40 مسرحية، وصلتنا منها 11 مسرحية كاملة. وتعد مسرحية (ليسستراتا) من أشهر أعماله، في خضم الحرب البلوبونيسية الطاحنة بين أثينا وإسبرطة، تضيق النساء ذرعًا بالحرب وغياب أزواجهن، فتقود امرأة أثينية ذكية تُدعى (ليسستراتا) إضرابًا نسائيًا في جميع أنحاء اليونان، وتقنع النساء بالامتناع عن أزواجهن حتى يوافقوا على إنهاء الحرب. وتتحول المسرحية إلى معركة كوميدية بين رغبات الرجال وقرار النساء الحازم، وتنتهي بإجبار الرجال على عقد السلام.

مسرحيات أريستوفانيس

 أبرز شخصيات مسرحية ليسستراتا

  • ليسستراتا: قائدة الإضراب، رمز للذكاء النسائي والسعي للسلام.
  • الكورس: ينقسم إلى كورس من الرجال العجزة وكورس من النساء، يدور بينهما صراع كوميدي.

المسرح الروماني.. فن الاقتباس والتطوير

ورث المسرح الروماني كثيرًا من تقاليده عن المسرح اليوناني، لكنه طورها لتناسب الذوق الروماني الذي كان يميل أكثر إلى الترفيه والكوميديا. وكانت معظم المسرحيات الرومانية تكييفًا لأعمال كتاب الكوميديا اليونانية الجديدة، خاصة ميناندر.

بلاوتوس رائد كوميديا الموقف (254 - 184 ق.م.)

كان بلاوتوس أشهر كاتب كوميدي في روما، وتميزت مسرحياته بحبكتها السريعة، وكوميديا الموقف المعتمدة على سوء الفهم، وشخصياتها النمطية (مثل العبد الماكر، والجندي المغرور، والعجوز البخيل) التي أثرت في الكوميديا قرونًا تالية، وصولًا إلى شكسبير وموليير. عاش نحو 70 عامًا، وكتب نحو 130 مسرحية، وصلتنا منها 20 مسرحية كاملة.

بلاوتوس

تيرينس شاعر الكوميديا الأنيقة (195 - 159 ق.م.)

كان تيرينس، وهو عبد محرَّر من شمال إفريقيا، يقدم كوميديا أكثر رقيًا وأناقة من بلاوتوس، وركز على رسم الشخصيات بعناية، والحوار الذكي، واستكشاف المشاعر الإنسانية والقضايا الأخلاقية، وإن كان أقل شعبية في عصره. عاش نحو 36 عامًا (195 - 159 ق.م.). كتب 6 مسرحيات، وصلتنا جميعها كاملة.

سينيكا فيلسوف تراجيديا العنف (4 ق.م. - 65 م)

كان سينيكا فيلسوفًا رواقيًا ومستشارًا للإمبراطور نيرون. تراجيدياته لم تكن مخصصة للعرض الجماهيري بقدر ما كانت للقراءة، وهي ممتلئة بالمشاهد الدموية، والخطب الطويلة، والمشاعر الجياشة، كان له تأثير هائل على مسرح عصر النهضة في أوروبا، وخصوصًا على ويليام شكسبير في تراجيديات الانتقام، عاش نحو 69 عامًا، وتُنسب إليه 9 تراجيديات باقية.

الفيلسوف سينيكا

من شعائر أثينا الدينية إلى ساحات روما الترفيهية، وضع هؤلاء العمالقة حجر الأساس لكل ما جاء بعدهم في عالم الدراما، إن مفاهيم (البطل التراجيدي)، و(السخرية السياسية)، و(كوميديا الموقف) التي أبدعوها، لم تمت بمرور الزمن، بل لا تزال تعيش وتتنفس في كل فيلم نشاهده، وكل مسلسل نتابعه، لتثبت أن صوت المسرح القديم لا يزال يتردد صداه بقوة حتى اليوم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.