كتاب «التفسير العلمي للسعادة والضحك والنوم» بسيط ورائع، وصدر عن الشركة المصرية للنشر العربي والدولي في عام 2007، وعدد صفحاته 171.
يبدأ الكاتب بمقدمة، وهي أننا نولد جميعًا سعداء، فالسعادة تكمن في راحة البال، وفي أن تُقدِّر ذاتك وتعترف بقصورك، وتتقبل إهانات الحياة بصدر رحب، وألَّا تحكم على الآخرين، ثم إن تدرك أنها ليست في النجاح وجمع المال. إذ يرى بعض البشر أنها ثمرة تجارب الحياة والعمل الشاق، إضافة إلى مجموعة أخرى من الأنشطة، أما الحزانى والمكتئبون فالسبب في معاناتهم يعود إليهم.
السعادة وعلاج الاكتئاب من المنظور الطبي
تتوافر الآن العقاقير التي تعالج الاكتئاب والحزن وتجعل الإنسان سعيدًا، لكن توجد أيضًا أنشطة أخرى من شأنها أن تزيد منسوب السعادة، مثل الصوم والممارسات الروحية والأنشطة البدنية والانشغال في أعمال مهمة تخدم الآخرين، والوُجود بين الناس، والابتعاد عن الوحدة المفرطة، والتحكم في الوزن، وكبح الشهوات والغضب.
أما السعادة من الناحية الوراثية، فهي لا تعتمد على جين واحد، بل على المئات من الجينات، وبنسب وتداخلات مختلفة. ويوجد مشروع الجينوم البشري الذي يهدف إلى رسم خريطة نحو 80 ألف جين، ولكن الأمر سيتطلب سنوات عدة، لكنه في عصر الذكاء الاصطناعي قد يكون الأمر أسرع.

علاقة السعادة بالضحك والسعادة في العمل وتحقيق الذات
السعادة يمكن أن تكون في حل مشكلة ذهنية، أو في إبداع عمل فني أو أدبي أو علمي، ثم إن بعض أنواع السعادة تُسترد بمضادات الاكتئاب، لأنها تؤدي إلى زيادة الوصلات العصبية بين الخلايا، وعلى هذا تنشيط وبناء الذكاء.
ويتناول الكتاب أيضًا السعادة وعلم الضحك، إذ يطرح تساؤلات حول ما الضحك؟ ولماذا نضحك؟ وهل الضحك معدٍ؟ فالضحك يُعد جزءًا من طبيعتنا البشرية؛ لذا يمكننا تجربة الدغدغة مع الآخرين، مع أبنائنا وأزواجنا.
فالضحك ليس كلمة تُقال، بل هو علم وفن وخبرة متراكمة، وهو أيضًا سلوك اجتماعي ولغوي؛ لذا، تعلَّم مهارة أن تكون ضاحكًا ومُضحِكًا، فالضحك يحارب الحزن، ويجلب السعادة، ويحمي القلب، ويساعد على تخفيض الوزن، فهو فعلًا خير من الدواء، لذلك استثمر وقتك وجهدك في الضحك بالقراءة والممارسة.
هل للموسيقى دور؟
يتناول الكتاب أهمية الموسيقى، ويطرح سؤالًا عما إذا كانت ضرورة بيولوجية. فالموسيقى قديمة قِدَم الإنسان، بل إنها أقدم من الزراعة واللغة، فهي موجودة في أمواج البحر، وأوراق الأشجار عندما تداعبها الرياح، وصفير الطيور، وضحك الطفل. وحيثما توجد الموسيقى، يختفي الشر.
يؤثر سماع الموسيقى في الجانب الأيمن من المخ، وهو المسؤول عن الإبداع والابتكار والتخيل، في حين يؤثر سماع الكلمات في الجانب الأيسر من المخ، وهو المسؤول عن العمليات الرياضية واللغوية والعلمية والمنطقية، ثم إن الموسيقى تعزز الروابط الاجتماعية، وتزيد المشاعر الرقيقة مثل الحب والعاطفة والحنان والحماس والتحفز.
أما فيما يتعلق بعلاقة الموسيقى بالمخ، فيُولَد الطفل ومعه البلايين من الخلايا العصبية في مخه، وخلال ثلاث سنوات من ولادته تنشأ الروابط بين خلاياه العصبية، وتصبح هذه الروابط أقوى وأكثر كثافة إذا نشأ الطفل وهو يستمع إلى الموسيقى؛ لذلك، اعزف لطفلك وغنِّ له ليرتفع مستوى ذكائه المطلوب للمستوى الرفيع في العلوم والرياضيات، ثم إن التلميذ يتعلم مواده الدراسية بصورة أفضل إذا تم ذلك عن طريق الأغاني.

إن شتى صور التعبير بالصوت يمكن أن تكون وسيلة للشفاء، كالغناء والصفير والترتيل والدندنة والهمهمة حتى الآهات. فالموسيقى تُثير فينا جميعًا، كبارًا وصغارًا، استجابة عاطفية قد تظهر في شكل رعشة، أو ضحك، أو دموع، ثم إن لها تأثيرًا على الموسيقيين، يشبه تأثير الطعام والجنس والمخدرات. زيادة على ذلك، للموسيقى القدرة على تحسين الصحة، والذاكرة، والانتباه، والإبداع، وكذلك تخفيض التوتر والقلق.
النوم ذلك الموت المؤقت
يتناول الكاتب الموت، وهو الموت الصغير عند كثيرين، أما النوم، فله مراحله التي تعتمد على مقاييس ثلاثة، وهي مقياس النشاط الموجي الكلي للمخ، وآخر لقياس درجة قوام العضلات، والأخير لرصد حركات العين. فالمرحلتان الأولى والثانية هما مرحلتا النوم الخفيف.
ثم تأتي المرحلتان الثالثة والرابعة، وخلالهما تكون موجات المخ بطيئة وتسمى بدلتا، وتستغرقان من 10 إلى 30 دقيقة، وتمثلان معًا مرحلة النوم العميق، وخلال تلك المرحلة، يصعب إيقاظ النائم، ثم إنها تمثل 40% إلى 50% من مدة نوم الطفل.
ثم تأتي المرحلة الخامسة، وهي نوم الريم، وتتميز بحركات العين السريعة، وفقدانٍ مفاجئ لقوام العضلات الكبيرة، ما يجعلها شبه مشلولة، كما تتميز بالأحلام، وتستمر من 10 إلى 20 دقيقة، بعدها يعود النائم ثانية إلى المرحلة الثانية.
وبذلك تكون دورة النوم قد انتهت، وقد يمر الشخص بـ 4 إلى 6 دورات في الليلة، يستغرق كل منها 90 دقيقة، ويكون نوم دلتا (النوم العميق) أقل في كل دورة تالية، ويقع معظمه في النصف الأول من النوم، في حين يتزايد نوم الريم في كل دورة من دورات النصف الثاني.
وما يجعلك تستيقظ في الصباح منتعشًا هو عدد دورات النوم التي مررت بها، ولكي يغلبنا النوم، لا بد أن تنخفض حرارة الجسم، ثم إن بعض الأمراض تؤثر في جودة النوم، مثل القلق، والتوتر، والاكتئاب، والفُصام (الشيزوفرينيا)، وغيرها من الاضطرابات النفسية والعقلية.
إضافة إلى ذلك، تؤثر في جودة النوم السمنة، وأمراض القلب، والسكري، وأمراض الجهاز التنفسي، ومرض شلل النوم، فضلًا على الأرق، أو ما يعرف بـ(السهاد) الذي يشمل قلة النوم، أو الاستيقاظ المتكرر في أثناء النوم، أو صعوبة الدخول في النوم، أو الاستيقاظ مبكرًا جدًّا.
ومن أمراض النوم أيضًا الغطيط (الشخير)، وانقطاع التنفس، والكوابيس. وتُعد الأحلام وتذكرها من أهم دلائل النوم الصحي، كما يُعد التثاؤب دليلًا صحيًّا آخر، لأننا نتثاءب عندما نستيقظ ونحتاج إلى الحركة، وعندما نستعد للنوم.
ويبدأ الوليد في التثاؤب بعد ولادته ببضع دقائق، أما الأصحاء من رياضيين، وطلاب، وموسيقيين، فإنهم يتثاءبون قبل بدء أعمالهم المهمة، لكن مرضى الفُصام نادرًا ما يتثاءبون. فالتثاؤب، مثل الابتسام والضحك، معدٍ، وهو عملية لا إرادية وصحية تؤدي إلى استنشاق كمية أكبر من الأكسجين.

وتُعد التعسيلة أو القيلولة بعد وجبة غذاء دسمة صحية فرصة لتعزز مهارات العمل المختلفة والتعلم والذاكرة. والتعسيلة هي بمنزلة سداد لدين النوم، أي أنها تعوّض القدر من النوم الذي كان يلزمك ولم تأخذه.
فالحرمان من النوم -لأي سبب- يؤدي إلى الشعور بالإرهاق والخمول والقلق، إضافة إلى الكآبة، وضيق الصدر، وانخفاض قدرة المخ على التركيز والتذكر، كما يؤدي إلى ضعف جسدي يصعب معه القيام بالمهام البسيطة.
والنوم الصحي مهم، إذ يساعد على ترميم خلايا وأجهزة الجسم، وتقوية المناعة، وتعزيز التعلم والذاكرة، إضافة إلى محو الذكريات الأليمة التي يجب نسيانها، كما يؤدي إلى راحة البال، ثَمّ السعادة.
وفي الوقت نفسه، فإن التعلم، والتذكر، وتقوية المناعة، والصيام، وتقليل معدل الأيض، أي تقليل استهلاك «الغذاء»، وكذلك ممارسة الرياضة، والعمل المبدع والشاق، والسعادة، والضحك، كلها تؤدي معًا إلى نوم عميق وصحي.
وهكذا، فإن النوم والسعادة يمثلان دائرة مغلقة، لذا إذا أصابتك أحد الأمراض المؤثرة على جودة النوم، فتذكر هذه الدائرة المغلقة، واسعَ إلى وصلها وترميمها وتقويتها.
كيفية محاربة الشيخوخة
أخيرًا، يختتم الكاتب بفصل عن الشيخوخة وكيفية محاربتها. فتطول الحياة بقدرة الجسم على إصلاح نفسه، ويتصور الكاتب أننا كالآلات لا بد أن يصيبها البلاء مع طول الاستعمال، لكن في الحقيقة لسنا آلات؛ إننا نصلح أنفسنا بأنفسنا.
إن مدى قدرة الجسم على إصلاح نفسه يحدد المعدل الذي به نشيخ، ومع تطور العلوم الطبية والدوائية يقل بالتأكيد معدل الشيخوخة، فالإنسان قد طور أدوات معقدة ومهارات اجتماعية تساعده على حماية نفسه، ولكي يكتسب الطفل هذه المهارات، فإنه يحتاج إلى مدّة رعاية أطول، ما يقدم سببًا وجيهًا لإطالة عمر الوالدين.
ويسرد الكاتب أن الشيخوخة هي شيخوخة المخ؛ فهو المتحكم في كل أفعال الجسد، وأن خلاياه لا تموت ولا تستبدل مثل باقي خلايا الجسم. إن طول العمر بحالة ذهنية وجسدية جيدة يرجع إلى أربع صفات، وهي: ارتفاع مستوى الثقافة والتعليم، ثم النشاط البدني، ثم جودة عمل الرئتين، والصفة الرابعة والأخيرة هي الشعور بالرضا الذاتي.
احسنت النشر
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.