في تاريخنا الإسلامي العريق، تبرز بعض المؤلفات كأنها منارات تضيء دروب المعرفة وتوثق صفحات غابرة، من بين هذه المدونات التاريخية المبكرة، يبرز كتاب (أخبار اليمن وأشعارها) الذي وإن لم يُذكر اسمه صراحة في هذا السياق، لكن تفاصيله تشير إليه بوضوح. وتتلخص أهمية كتاب أخبار اليمن وأشعارها في أنه يمثل نموذجًا من نماذج طلائع المدونات الأولى في العصر الإسلامي، فـتدوين الكتاب بدأ في أواخر أيام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، عندما صارت المسامرة وأحاديث من مضى أفضل لذات الخليقة المسن؛ أي قبيل سنة 60هـ.
هذا المقال سيسلط الضوء على هذا السجل الفريد، صاحبه، منهجه في الرواية، وموضوعاته التي تُقدم نافذة على التاريخ العربي القديم.
في قصر الخلافة بدمشق، وقبيل عام 60 للهجرة، يجلس الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان وقد تقدم به العمر، باحثًا عن لذة المسامرة وأحاديث الأولين، فيستدعي رجلًا معمّرًا من اليمن، هو عبيد بن شرية الجرهمي الذي يحمل في ذاكرته تاريخًا شفويًا يمتد إلى ما قبل الإسلام. من هذا اللقاء التاريخي، وُلد واحد من أوائل الكتب المدونة في العصر الإسلامي، ليمثل لحظة فارقة في انتقال العرب من الرواية الشفوية إلى تدوين تاريخهم، فما قصة كتاب أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها؟ وما أهميته؟
تتلخص أهمية هذا الكتاب في أنه يمثل نموذجًا من نماذج طلائع المدونات الأولى في العصر الإسلامي، فتدوين الكتاب بدأ في أواخر أيام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عندما صارت المسامرة وأحاديث من مضى أفضل لذات الخليقة المسن؛ أي قبيل سنة 60هـ.
أما صاحب الكتاب فهو عبيدة بن شرية الجرهمي الذي يمثل عصر المخضرمين أحسن تمثيل، فقد كان وهو يسامر معاوية يبلغ من العمر نحو 150 سنة كما تقول الرواية بشيء من المبالغة على ما نظن، وهي تؤكد أنه أدرك ملوك الجاهلية من لخم وغسان، وشهد دخول الحبشة من اليمن إلى الحجاز، ورجمها البيت الحرام، بمعنى أنه كان قد تجاوز الأربعين عند مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
منهج الرواية وطريقة التدوين: حوار بين الخليفة والراوي
أما عن منهج الرواية وطريقة تدوينها فهو طريف، فقد طلب معاوية الكُتّاب لتدوين ما يسمعه، وعبيدة يطلب الأمان من الخليفة قبل أن يبدأ الحديث خشية ألا يعجب معاوية، ربما من الناحية الدينية أو العصبية أو من جهة ما كان متعارفًا عليه وقتئذٍ من أخبار الجاهلية، لا سيما أن العدنانية كانوا يجهلون أخبار اليمن كما يصرح عبيدة، وهذا ما حدث فعلًا عندما قال عبيدة: «إن إبراهيم هو أبونا وأبوكم، فنحن ولدناكم وأنتم منا ونحن منكم»، فقال معاوية: «كأنك تحدث حديث الجاهلية!»، فرد عبيدة: «يا أمير المؤمنين، لك في الإسلام ما يغنيك عن ذلك، فقد محق الإسلام ما كان قبله، كما محق الشمس ضوء القمر»، فطيب معاوية خاطره، وقال له: «عزمت عليك إلا حدثتني عما أسألك عنه».
الشعر ديوان العرب.. الاستشهاد لتوثيق الرواية
وفي الحديث لا يكتفي معاوية بالرواية القصصية، بل يطلب دعمها بالشعر، فيقول لعبيدة: «وأبيك لقد أتيت وذكرت عجبًا من حديثك عن عاد، وقد علمت أن الشعر ديوان العرب والدليل على أحاديثها وأفعالها، والحاكم بينهم في الجاهلية، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إن من الشعر لحكمة».

موضوعات كتاب أخبار اليمن من الأنساب إلى أخبار ملوك اليمن
أما موضوع الكتاب فيمكن أن يقسم عمومًا بصرف النظر عن الاستطرادات إلى ثلاثة أقسام رئيسة:
-
توزيع القبائل العربية القديمة: القسم الأول يتناول توزيع القبائل العربية القديمة من بابل إلى الجزيرة العربية من بعد نوح عليه السلام مع إشارات إلى توزيع الترك والصقالبة والسودان والبربر من حفدة نبينا نوح عليه السلام الآخرين.
-
نهاية العرب البائدة: القسم الثاني يروي أخبار نهاية العرب البائدة من آل عاد الأولى والآخرة، وقوم ثمود وجرهم، والظروف التي هلكوا فيها، وأخبار أنبيائهم وصالحيهم من هود وصالح ولقمان.
-
أخبار ملوك اليمن القدامى: القسم الثالث خاص بأخبار ملوك اليمن القدامى ابتداء من أول ملوكهم (سبأ)، وانتهاء بـحسان بن تبع أسعد الكامل، وهلاك طسم وجديس (العماليق) بـاليمامة في أيامه. وتفوز بلقيس وسليمان -بطبيعة الحال- بنصيب وافر من الرواية.
قيمة الكتاب: بين الأسطورة والمعلومة التاريخية
على الرغم من أن الكتاب مملوء بالقصص الشعبي والأسطوري الذي كان سائدًا في ذلك الوقت، فإنه يحوي في ثناياه معلومات تاريخية وجغرافية وطقوسية ثمينة، مثل:
-
وصف لمناطق جغرافية كـالأحقاف والحجر ووادي القرى.
-
معلومات عن مسميات الرياح وسنوات القحط والأيام في الجاهلية.
-
ذكر لبعض الأصنام والشعائر الدينية العربية القديمة.
لهذا السبب، وعلى الرغم من طابعه القصصي، يُعد الكتاب من المصادر الأولية التي لا غنى عنها للباحثين في التاريخ العربي القديم. حتى المؤرخون الكبار الذين اتبعوا مناهج علمية أكثر صرامة، مثل المسعودي وابن خلدون، استعانوا بهذه الروايات المبكرة كمادة لفهم تصورات العرب الأوائل عن ماضيهم.
إن كتاب (أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها) ليس سجلًا تاريخيًّا فحسب، إنما كنز ثقافي يقدم لمحة فريدة عن بدايات التدوين في الإسلام، وعن ذاكرة العرب الشفوية الغنية، وينقل مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ المعرفة العربية، حيث بدأ الوعي بضرورة حفظ الموروث الثقافي وتوثيقه. فما المؤلفات الأخرى التي تعتقد أنها أدبت دورًا مشابهًا في فجر التدوين الإسلامي؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.