كامل كيلاني ( 1897 – 1959 ) رائد أدب الأطفال

نشأته وتكوينه:

من داخل دار فسيحة، بحي القلعة جنوب مدينة القاهرة، وعلى مقربة من جبل المقطم، ولد كامل كيلاني إبراهيم كيلاني لأبوين مصريين ينتميان إلى طبقة متوسطة الثراء، فأبوه كان أشهر المهندسين في عصره، وكانت امه تنظم الأزجال، ووسط تلكم البيئة ولد كامل كيلاني في 20 أكتوبر  1897م، وقامت على رضاعته وحضانته أمه، أما مربيته فكانت امرأة يونانية.

 

ولما شب عن الطوق وبلغ سن الخامسة بدأ في حفظ القرآن الكريم في المكتب، ثم اتجه إلي المدرسة فدخل مدرسة أم عباس الابتدائية، وأدمن حفظ الشعر، ثم انتقل إلي مدرسة القاهرة الثانوية ونال شهادة البكالوريا، وعكطف على دراسة الأدب الإنجليزي وفي عام 1917 م انتسب إلي الجامعة المصرية القديمة، ومن زملاء الدراسة معه "عبد الوهاب عزام" و "زكي مبارك"، كما حضر دروساً في الأزهر الشريف حيث أجاد علوم النحو والصرف والمنطق.

 

وفي عام 1920م أشتغل بالتدريس في المدرسة التحضيرية حيث كان يعلم الإنجليزية والترجمة، ثم نقل إلي دمنهور للعمل مدرساً بمدرسة الأقباط الثانوية، والتى نقل منها في عام 1922 إلي وزارة الأوقاف وكان يتولى تصحيح الأساليب اللغوية، أما آخر منصابه في الوزارة هو سكرتير مجلس الأوقاف الأعلى.

 

وعمل أيضاً رئيساً لتحرير ( جريدة الرجاء )، ورئيساً لنادى التمثيل الحديث، وسكرتيراً لرابطة الأدب العربي، وقد ظلت هذه الرابطة من عام 1929 م إلي عام 1932 م، ولم يكن لها رئيس، لئلا يحد من قوتها، ولكيلا يكون هناك تنافس أو تحاسد، وكان من أعضائها  "احمد شوقي" و "زكي مبارك" و "خليل مطران" و "داود بركات" و"أحمد سامح " وغيرهم، وكان الهدف من الرابطة هو خدمة الأدب العربي، وكان لثقافته العربية الواسعة وغزارة اطلاعه على روائع الأدب العالمية دور كبير في صقل موهبته الأدبية وتعزيز علاقاته الطيبة بأكابر الأدباء والوزراء في عصره.[1]

 

وكان يعقد بمنزله ندوة أسبوعية، أضافت إلي مصادر ثقافته أم علاقاته  بالأدباء والمفكرين آفاقاً جديدة، وأفاد من عمله بالصحافة قدر إفادته من تحقيق كتب التراث، وأسهمت مكتبة الأسرة مع المكتبات العامة، وأحاديث مريديه، وأزجال والدته مع تشجيع والده في بناء شخصية كامل كيلاني المتوازنة، وتعتنى بها نجاحه في اقتحام ميادين أدب الكبار، مثلما قاد قافلة أدب الصغارفي أدبنا العربي، فقد بدأ حياته بأعمال كبرى هى: النقد  الأدبي، والتأريخ الأدبي والترجمة، وتحقيق الأعمال الأدبية الكبري، ولقد كان لهواء الجبل الذي لا يبعد عن بيتنه سوى بضع دقائق أكبر الأثر في نشأته على إرادة حديدة ذللت له المستحيل، ودفعته حتى صار نجمة مضيئة غارقة في العلو في آفاق سماء الأدب في العصر الحديث.

 

ينابيع ثقافته:

كان الأستاذ " كيلاني " مولعاً بالدراسة العلمية في نواحيها المختلفة، فكان يطالع بالعربية والإنجليزية والفرنسية ويعرف الإيطالية وقد قرأ اثناء دراسته - كتب الأدب العربي القديم مثل: ( الأمالى ) و ( الكامل للمبرّد ) و (العقد الفريد) وغيرها.

 

والأستاذ  " كيلاني " عصامي، كوّن نفسه بنفسه، وانتزع مكانته من فم الأسد انتزاعاً، وكان لوالده – الشيخ إبراهيم كيلاني – مكتبة ضخمة تحتشد بالكتب المتنوعة، فعكف عليها واستفاد منها، مثلما انتهز فرص العطلة الصيفية، للحضور في الأزهر مستمعاً ومحصلاً، ومن أساتذته  الشيخ " محمد السحرتي " والشيخ " سيد بن على المرصفي "، وكان حريصاً على ندوات الأدب والشعر والعلم، ومن بينها ندوة الشيخ " مصطفي الحلبي الشامي " وفي هذه الندوة عرف المعلقات، وتعرف وقتذاك على صديقه الفنان الخطاط سيد إبراهيم.

 

ويقول الأستاذ " كيلاني " متحدثاً عن نفسه، ومطلعنا على جوانب من أضواء ثقافته فيقول: " والقراءة الموصولة التى تؤدي بطبيعة الحال إلي الكتابة الموصولة.. وروافد الثقافة متعددة وينابيع المعرفة كثيرة، فأنا أرافق – منذ عهد بعيد – أمثال شكسبير " وموليير " و " دانتي " و " هوجو " و " فولتير " و" كولريدج " و " بايرون " و " شيلي " و" ديكنز " و" مانولي " وغيرهم، وغيرهم... عن هذه المرافقة استنفدت ". ومن أعجب مظاهر حياته الأدبية، هى أنه في الوقت الذي حفظ فيه " ألفية بن مالك – وهى من الدراسات الأزهرية الخالصة – حفظ " لافونتين " و " الحريري "، وكأنما أريد له أن يجمع أسباب النبوغ في الأدبين العربي والغربي على السواء [2]. ومن خارج البيئة الأسرية أو المدرسية أو الجامعية، تضافرت عوامل عديدة في مكونات خيال كامل كيلاني وإدراكه، منها روافد البيئة بمعناها الواسع، والتى تتلخص في:

 

·   أثر سرديات القص من خاله في الأسمار الليلية، فكان خاله سعد إسماعيل بحراً زاخراً بأدبيات القصص الشعبي المطعم بالشعر من تراثنا العربي الموروث.

 

·   أثر سرديات القص اليوناني من المربية اليونانية التى تقطن داره، فسمع منها الأساطير الإغريقية في وقت مبكر من حياته.

 

·   أثر الثقافة الشعبية النظرية التى كونها من بائع الحلوى ( مصطفي الحلبي )، كما أسهم مصطفي الحلبي في تقديم كامل كيلاني لأصدقائه من علماء الأزهر، حيث بدأ حضور حلقات الأدب والشعر القديم خاصة المعلقات.

 

·   لم يكتف كيلاني بذلك بل أعجب بالقص على يد الشيخ " محمود الملاح " الشاعر الذي كان يغنى على الربابة، وهو ينشد على ربابته أقاصيص البطولة، وحوادث " أبي زيد الهلالي سلامة " و " الزناتي خليفة " وكان كامل يذهب إليه كل ليلة في ميدان " القلعة " في " سوق العصر "

 

وحيث التقى والده بسروجى في شارع " محمد بن على " لاحظ الوالد في شخصية السروجي أنه نصف أمي، ونصف فيلسوف، وكان حافظاً للقرآن الكريم، ولكثير من الأحاديث النبوية، ولكثير من الحكايات المتعلقة بالسحر والخرافات، وكان السروجي يشكو من سوء حالته المالية، فأحضره الوالد ليعمل حوذى للأسرة، وقد قص عليه قصص " سيف بن ذى يزن " والأميرة " ذات الهمة " و " حمزة البهلوان " و " فيروز شاه "... وهكذا عرف " كامل " وهو صغير جانب من القصص الشعبية كرافد، مصدره إغداق الوالد.

 

أما عن هيئته الشخصية في مظرها الجسماني الضئيل فلا تنبئك عن جوهر الشخصية الإبداعية والفكرية ذاتها، لخصها امير الشعراء أحمد شوقي في قولته " كامل كيلاني كعقرب الثواني، قصير لكنه سريع الخطى، منتج، يأتي بدقائق الأمور " وأدهشت الشخصية جل أدباء عصره فهل نصف براعته محدثاً لبقاً جبار البديهة، قوى البادرة، موهوب النكتة، مخشى الصولة، أم نصفه رواية يحفظ من الشعر العربي وحده وهو في السنة الرابعة الابتدائية أكثر من عشرين ألف بيت من الشعر العربي، منها ألفية " بن مالك " ؟! يقول الأستاذ عطية شاهين متحدثاً عن الكيلاني " إذا نظرته: رأيت أمامك رجلاً ضئيل الجسم، يظهر عليه الإجهاد والضعف، لا تترك صورته أقل أثر في نفسك لكن إذا رأيته محدثاً، أو قرأته آثاره الرائعة، تكتشف قوة تملك على محدثه كل نفسه " و " كيلانى " رجل قصير القامة ضعيف العينين، معتزل يحب الوحدة، ويكلف بها، ويصرفها في البحث والدراسة وكان ذا قوة عارضة، وبديهة حاضرة، تزدحم ذاكرته بما لم تسع له صفحة ذهن آدمية، منذ عرف الناس الأدب والرواية والنقد. وكان متمكناً من علوم الفصحى حتى لقد كان الأجلاء من أستاذة اللغة العربية يتهيبون الإفتاء في مجلسه، وكانت فتواه فصل الخطاب إذا تناقش المتناقشون. ويقول عنه الأستاذ سامي العظم في حفل أقيم لتكريمه عام 1934 م: (... من غريب ما لاحظته أنه إذا عرفنّي ببعض أصدقائه في حضوره ذكر من محامده ومواهبه، ما يلذ ويطيب. فإذا انصرف هذا الصديق الذي عرفني به استأنف حديثي عنه، فذكر من محامده في غيبته أضعاف ما ذكره لي في محضره، وليس على هذه الأخلاق، كثير ممن عرفت من الناس... ) ومن المقولات المماثلة في وصف الشخصية مقولة للشاعر محمود أبو الوفا، إن هذه الشخصية الكبيرة التى حوت هذا الفكر الجم، والأدب الرفيع " شخصية يضيق بها ذلك الجسم الضئيل المتهافت كثير الحساسية، وإن كان مع أصحابه يتعمد ان يبدو دائماُ ذلك الهادي الراسخ الذي يصمد لأعاصير النقد ". وأيضاً ما نشرته منبر الشرق وكتابة عزيز أباظة وهو برغم تسخطه وتبرمه بالحياد يتذوق النكتة الرائعة ويطرب بها برسلها من جانبه بنت اللحظة، وعفو القريحة ".

 

وظل هذا الأدب يحمل من الطبع الذي فيه من الرقة والوفاء والإيثار والرحمة للضعفاء، والأقرباء والأصدقاء والمعارف، وبالمقابل يحمل ذلك الطبع العنف والبطش والجبروت، على الذين يناوئونه باللدد والخصومة،... ومع اعتكافه على الأدب إلا أنه كان منصرف عن الحزبية السياسية.

 

كامل كيلاني بين النبوغ المبكر والتحول من أدب الكبار الى أدب الصغار:

في عام 1908 ( في سن العاشرة ) ألف قصة ( سيرة الأمير صفوان وما جري بالتمام والكمال والحمد لله على كل حال ) وقدمها للمطبعة، ورفض صاحب المطبعة نشرها لغرابة الموقف الذي يصدر عن طفل.

 

· حفظ زهاء 20 ألف بيت من الشعر، ثم التهم روائع أمهات الكتب قبل إنتسابه بكلية الآداب عام 1918م، ويتولى رئاسة نادي التمثيل في ذات العام.

 

· في كل أسبوع ( يوم السبت ) أقام بمنزله ندوة الكيلاني كأول صالون أدبي يقيمه الفتى النابغ كامل كيلاني وكان من بين الحضور ( شوقي بك ) و ( خليل مطران ) و ( داود بركات ) وغيرهم.

 

أثرى مكتبة الأدب العربية للراشدين ( الأدب للكبار ) بالمؤلفات التالية:

·        ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام.

·        روائع من قصص الغرب.

·        صور جيدة من الأدب العربي.

·        ديوان ابن زيدون ( شرح الكيلاني وعبد الرحمن خليفة ).

·        عشر أغان مختارة مع تدوينها الموسيقي ( درست لتلاميذ المدارس )

·        مصارع الخلفاء.                              * مختار القصص.

·        فن الكتابة: كيف ندرس فن الإنشاء ( درست لتلاميذ المدارس )

·        أساطير ألف يوم.                                       * ديوان ابن الرومي.

·        نظرات في تاريخ الأدب الأندلسي.                 * مصارع الأعيان.

·        ذكريات الأقطار الشقيقة.                             * مختارات كامل كيلاني.

·        موازين النقد الأدبي.                         * مجموعة من حياة الرسول صلي الله عليه وسلم.

 

اما المكتبة العلانية فضمت مؤلفاته:

·        رسالة الغفران.                                * حديقة أبي العلاء.

·        على هامش الغفران:                         1- دواعى الرسالة              2- قصة الحماطة

·        رسالة الهناء.

 

ورغم اتجاه كامل كيلاني في مؤلفاته الأولى إلي الرجوع إلي التاريخ والتراث يستمد منها مادته الأدبية، كما نرى في كتبه " ملوك الطوائف " و " مصارع الخلفاء " و " مصارع الأعيان "و " روائع من قصص العرب " و " حديقة أبي العلاء "، إلا أنه آخر الأمر آثر أن يتخصص في أدب الأطفال فأصدر سنة 1927م قصته الأولى للأطفال " السندباد البحري " ثم أتبعها بفيض من مؤلفاته في نفس المجال مثل " مصباح علاء الدين " و "روبنسون كروز" و " حى بن يقظان " و " نوادر جحا " وغيرها كثير.

 

ويعد النقاد كامل كيلاني رائداً لأدب الأطفال في مصر وفي سائر بلاد العالم العربي، وقد ترجمت قصصه إلي العديد من اللغات العالمية، كما كان إلي جانب كتبه التى استمدها من التاريخ والتراث وكتبه أنشأها للأطفال شاعراً مطبوعاً نظم قصائد جيدة عديدة، ومحققاً موسوعياً، ألف كتاباً في أدب الرحلات عنوانه " مذكرات الأقطار الشقيقة " سجل فيه انطباعاته عن رحلاته في كل من فلسطين ولبنان وسوريه، كما تميز بغزارة إنتاجه الأدبي وتنوعه [3]، وتحول الكيلاني يكتب للأطفال أدبهم،وقد قام بمجهود ضخم، ونبيل للطفل، ولم يكن نفعه لطفل بلده، بل تجاوزت هذه الخدمة الأدبية إلى شتى أطفال العالم الذين استأنسوا بقصص " كيلاني "، والتى صارت على منهج محدد، رسم هذا المنهج بأسس ثلاث:

 

أولا: تشويق الطفل وتحبيبه في الكتاب.

 

ثانياً: تجنيب الطفل الخطأين اللفظي والمعنوي.

 

ثالثاً: التدرج به من مستوى إلى آخر، ولذلك وجدنا أن قصصه تلائم سن الأطفال منذ دخولهم المدرسة، حتى تخرجهم من الثانوية بتسلسل يناسب  تفكير كل طفل في مراحل حياته [4].

 

ومن أجل تحقيق هذا المنهج وجدناه قد عنى بانتقاء الموضوعات، والأساليب وإحجام الحروف، وقد اهتم " كيلاني " بأن ييسر للطفل القراءة المستديمة للعبارات الفصيحة المشكولة.. حتى تصبح اللغة ملكة بالنسبة له، كما حرص على تنمية ثروة الطفل اللغوية بالإكثار من المترادفات.

 

إن كتب " كيلاني ومؤلفاته – سواء للشباب أو الأطفال – لا تتسم بغير سمة الإنسانية، وهذا هو سر نجاحها ورواجها بين الناس.

 

وقدم " كيلاني " لمكتبة الطفل ما يقرب من ألف قصة، نشر منها أكثر من مائتي قصة، والقصص المخطوطة يقوم على نشرها نجله ( رشاد كامل كيلاني ) ومن بين هذه القصص التى صدرت:

 

1.    قصص رياض الأطفال وتضم:أبو خربوش، دندش العجيب، سفروت الحطاب، شمشون الجبار، الأرنب والصياد، وغيرها.

2.    حكايات الأطفال وتضم: الدجاجة الصغيرة الحمراء، فاطمة الصغيرة، ليلي والذئب، البيت الديدن، اللعبة المسحورة، وغيرها.

3.    قصص الجيب وهى: اللحية الزرقاء، السعيد حسن، أرنب في القمر، انتقام سوسنة، حارسة النهر، سفيرة القمر، وغيرها.

4.    حكايات جحا وهى:ليلة المهرجان، الحظ السعيد، حمار السلطان، عودة بخبخ، ديك النهار، وغيرها. 

5.    قالت شهر زاد وهى: الأكذوبة، بنت الوزير، قاهر الجبابرة، حصان الجوّ، الشمعدان الحديدي، نعجة الجبل، وغيرها.

6.    قصص جحا ومنها: الحمار القارئ، سوق الشطار، جحا وأصحابه، وزّة السلطان، كيس الدنانير، وغيرها.

7.    عجائب القصص ومنها: الساحر الأحمر، الجواد الطيار، غول النساء، جعبة الشوك، مدينة الزجاج، سمسمة، وغيرها.

8.    قصص جغرافية وأساطير إفريقية وهى: لفنجستون، لفنجستون وستانلي.

9.    قصص من ألف ليلة ومنها: الملك عجيب، على بابا، أبو صير وأبو قير، تاجر بغداد، مدينة النحاس، السندباد البحري.

10.  قصص فكاهية ومنها: عمارة الأرنب الذكي، عفاريت اللصوص، نعمان، العرندس، أبو الحسن، بنت الصباغ.

11.               قصص مختارة               

12.               قصص هندية                   .

13.               أشهر القصص.              .

14.               قصص علمية.              

15.               قصص تمثيلية.

16.               قصص شكسبير

17.                أساطير العالم

18.                قصص عربية.

وقد صدرت طبعات عديدة من القصص – الآنفة – تراوحت بين عشرين وثلاثين طبعة، كما ترجمت بعض قصص كامل كيلاني إلي اللغات الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية والإسبانية، والروسية، والصينية وغيرها من اللغات العالمية سواء في حياته أو بعد مماته.

 

شاعرية الكيلاني:

جمع الكيلاني بين إبداع الفنون القصصية وفن الشعر العربي، طبقته العالية للراشدين، وأشعاره لليافعين من الأطفال، وليس من شك أنه ولد في عصور الفحول المحدثين وعاش مع مزامينه رواد الشعر العربي الحديث، ولم ينافسهم في فن الشعر الذي يجيده، فهو أديب موسوعى عرف عنه التنوع والعطاء الإبداعين.

 

إن هذا الأديب جمع إلى جانب روائع كتاباته القصصية والدراسات الأدبية كماً هائلاً من الشعر، ووجدنا ان أشعاره متضمنة في قصصه الرائعة للشباب والأطفال، ولو جمّع شعره لكان دواوين، يقول الأستاذ كيلاني في هذا الموضوع " والواقع أن لى شعراً كثيراً، ولو جمع لملأ خمسة دواوين لا ديواناً واحداً، وكثيراً من هذا الشعر قد نشرته الصحف أو المجلات إبان إنشائه وجميع الأشعار الموجودة في قصص الأطفال من شعري، وقد ظللت ُ سنتين في عهد الثورة المصرية ( ثورة 1919 ) أقول قصيدة كل يوم تقريباً. " فإن الأستاذ " كامل " لو ترك كما خلقه الله لكان شاعراً عبقرياً، فكانت له جولات من الشعر يكتبها او يبدعها، ثم يطويها ولا يذيعها في الناس كما اخبر ذلك بنفسه. فهو بشعره يفرج عن نفسه بعض مشاعرها، إننا بذلك نؤكد " شاعرتيه الموهوبة التى تحلق في سماء الخلود والعبقرية، شاعرية فذة خصبة لا يألوا جهداً في التنصل منها، ولا تألو جهداً في التعلق به، فهى ذائعة بين خلصائه وأصفيائه، وإن احتجبت عن كثير من معاصريه [5].

 

فجانب الشاعرية عنده خافتة أضواؤه، بينما تسلط الأضواء على جانب التأليف، والترجمة، والكتابة القصصية، ولا يعني هذا أن نقلل من شأن شاعريته الكبيرة، فإن عالم الأدب لم يعرفه كذلك بل عرف الجانب قوي الأضواء، مما جعله يبرز في هذا ولا يبرز في الثاني، لا سيما أن الكيلاني كان يُقلل من شاعريته تواضعاً، وكم دفعه الأدباء إلي إظهار ديوانه، ولكن لم يفعل، ولعل هذا هو السبب في تغليبه كاتباً لا شاعراً، على ان الواقع يقر الحقيقتين له نبوغاً وذيوعاً.

 

نماذج من شعر الكيلاني:

عن نيل مصر يقول:

يا رُب شيخ – حناه الدهر – أقصده            سهم الردى بين أحناء وأضلاع

 

قد جلـدوه فلـم نسمع له خبـراً                   وأزهقوا روحه،لم ينفعه الناعي

 

فاضت إلى الله، تشكـو ظلم قاتلها              وجور وغد، لئيم الطبع خداع

 

قالوا: بنو النـيـل أغنـام مضللة                 يلم أشتاتها من  عــدنا راع

 

قلنا: بـنـو النـيـل آساد مجمعة                  فرقتموهم بأحـزاب وأشيـاع

 

نعم، وأوقعتموا – ما بينهم  – إحنا           بذرتموها بأرض ذات إمـراع

 

فأخصبت، ونمت إبان نومتــــنا                 وقد أفقنا، فذوقوا خيبة الساعى

 

ومن أمثلة الشعر العاطفي قوله:

 

عصف الدهربـآمال مُحبٍ مستهـام

 

وأبى الشوق على عين مُحبٍ أن تنـام

 

ومن الشوق سعير مثل مسبوب الضرام

 

شديد مايلقى فؤادى من تاريخ الهيـام

 

وما أروع القصيدة التى رثى بها نفسه، وهو على فراش الموت، وقد نشرتها جريدة الجمهورية في اليوم التالي لوفاته: قال الكيلاني:

 

إلى النور يممنا لأكرم غايـــــة                  وأنبل أهداف، وقد صدق العـزم

 

و راح إلى الظلماء يجهد جهـــده               غــوى تزكيه السفاهة والإثـم

 

فدانت له الدنيا، وذلك صعـبهــا                 موطأة الأكتاف، نـيرانها سـلم

 

تصنين من الدنيا بصفقة خـــاسر               وحسرة مغبون، وذلـك بي قسم

 

وعائم هم: كل ما فيه خـــادع                   مفانمة خسر، ولألأؤه وهـــم

 

وإخوان صدق، قد تكـشف ودهم                لدى الخبر عن خصم يؤازره خصم

 

ورضـت علـى مـر الحقائق شامتاً               تمرد كبراً أن ينهنهه الظلــــم

 

قليل من التهريج يحمى كفايتـــي               ويرفع مني بقبض ما خفض العلـم

 

كما أن نقض الجهل يحمي رزانتــي            لدنى موطن يزرى بصاحبه الحلـم

 

فوافحتا: أخفــقت في كل حلبـة                  تبارنى بها الأوشاب وانتصف البهم

 

وحسبـــي من الدنيا قناعة زاهد            هى الفخر في- حسبانهم - و هى الغنم

 

هى الغنم عندي، وهى جهد طبيعتي                    ولو شئت عنهـا حوله وهن العظم.

 

 

 

 

 

ومن بديع شعره للأطفال، والذي تكرر تضمينه قصصه وحكاياته لهم هذه المقطوعة الشعرية الرائعة:

 

انا لا زلت تلميذاً صغيــراً               ولكنـي على صغير مجـد

 

أسير إلى العلا سيراً حثيثــاً             وأنشط نحو غايتها وأعـدو

 

وليس يصيرني صغري، إذ لم                  ينبطنـي عن العلياء جهـد

 

وما يغنى الفتى طول وعـرض                   إذا لم يغنــه فهم ورشـد

 

فليس يقاس إنسان بشبــر              ليعرف قدره إن جـد جـد

 

ونبت القمح مرتفع قليـلاً                ولكن: هل له في النفع حـد

 

هو القوت الذي نحيا جميعـاً            به، وهو الذي ما منه بــد

 

وقد يعلو سنابله نبـــات                  قليل النفع، يعجب حين يبـدو

 

وكم عود من القصب اعتلاه            وما هو – دفعة – للقمح بـد

 

وسوف أكون مثل القمح نفعاً                    وقدماً أحرز السبق المجـــد

 

نعم وأحب فعل الخير جهدى            وأسهر للعلا و المجد بسعــد

 

واما لغته في أساليبها وتراكيبها، في مجال النثر والشعر فكانت لغة ادبية، صافية فصيحة، كأنما يعكس أسلوبه – دونما تقليد – أسلوب الجاحظ، بل شخصية الجاحظ في أسلوبه اليقظ، السماح، النفاح، القوى ناهيك في مجال الترجمة، فهو مترجم صناع، دقيق التصوير، حسن الأداء، سمح الخاطر، وما رأى عقبة وقفت دونه في الترجمة إلا ذللها بحسن التفكير والأداء [6]

 

وهو أسلوب مقصور على فصاحة اللفظ، ومتانة النسج، وإن كان هذا أحد جوانب الأستاذ " كامل "، بل ونلمح تلك العذوبة، والجاذبية القوية والإخلاص الصادق، واللباقة المدهشة، التى تبدو واضحة في أسلوبة، والتى هى فيض إنساني يعمل عمل السحر[7].

 

ولعل المكتبة الكيلانية في تنوعها بين أدب الراشدين، وأدب الطفولة، أثارت البغضاء من حوله، فهو أغزر مزامينه إنتاجاً وتأليفاً وترجمة، في الدراسات الأدبية، في الأدب القصصي، في شعر الكبار والشعر للأطفال، ولو سقنا مثالاً واحداً لما تعرض له من سهام غير واعية قول بعضهم: " إن أكثر قصص كيلاني ليست من تأليفه، إنما فضلة فيها فضل الناقل أحياناً، أو المبسط أو الشارح أو المهذب أحياناً، ولكن هذا لا يقلل من قيمة العمل الأدبي الذي قام به، فقد فتح باباً جديداً في اللغة العربية ذا هدفين:

 

حفظ اللغة، وتثقيف اطفالنا[8]. وقد أثبتت أكثر من أطروحة علمية، مع بحوث أدبية أنه الرائد الحقيقي لأدب الطفل ( تأليفاً ) قبل أن يكون ناقلاً أو مترجماً أو مبسطاً، وعشرات المؤلفات تشهد له (بالريادة والابتكار) في مجال الأدب القصصي لشتى مراحل الطفولة [9].

 

وفاته:

نشرت جريدة الجمهورية صباح السبت 11 / 10 / 1959 م آخر حديث استقل به إسماعيل الحبروك مع كامل كيلاني قبل وفاته قال يرثى نفسه على فراش الموت:

أعرف أننى ساموت.. وأن هذه هى النهاية.. وأن هذه الساعات الأخيرة من عُمري.. لقد عشت حياتي أقرأ وجوه الناس.. وأعرف ما يقولون.. وما يخفون.. وقد قرأت في وجوه من حولي أنني أموت.

 

" إنني أريد أن أقرر حقيقة كبيرة، هي أنني لم آخذ مكاني أبداً.. الحقد.. والحسد.. والغيرة، أكلت كل المحاولات التى بذلت لأجلس على المقعد الصحيح، ولقد غفرت لكل الذين أساءوا إلىّ، غفرت لهم وعفوت عنهم " وقبل ان تنشر مرثيته لنفسه بساعات توفي – رحمه الله – مساء يوم الجمعة 8 من ربيع الآخر 1379 هـ (الموافق 1 من أكتوبر 1959) عن عمر مقداره ( 62 عاماً ) وتقديراً لمكانة الأديب الموسوعى كامل كيلاني، شيعت جنازته في موكب كبير مهيب، اشترك فيه أقطاب العلم والفكر والأدب، وانتدب الرئيس " جمال عبد الناصر " وقتذاك مندوباً خاصاً للمساهمة في تشييع جثمان الفقيد[10]. كما صدر في ذكرى حفل تأبينه ( أضخم ) كتاب تذكاري * في المكتبة العربية ضم أقلام النخبة المصرية والعربية والعالمية

 

دراسة وإعداد / ياسر دويدار

 

المــراجــع

[1] أدب الطفولة بين كامل كيلاني ومحمد الهراوي، د. أحمد زلط، ط 1 دار المعارف 1944م، وكامل كيلاني في مرآة التاريخ لمجموعة من المؤلفين، القاهرة، 1961 م.

[2]  ينظر المرجع السابق ورصيفة الكتاب التذكاري: كامل كيلاني في مرآة التاريخ.

 [3] موسوعة أعلام الفكر العربي، مرجع سابق، ص 182.

[4] فوزير العنتيل، دراسات في الأدب العربي المعاصر، الكتاب العربي، مصر، العدد (20) (يناير 1966م)، ص 64.

[5] المرجع السابق، نفسه، ص 197.

[6] كامل كيلاني في مرآة التاريخ، مرجع سابق ص ( 91، 92 )

[7] أدباء ومجددون، د. أحمد زلط، دار الشروق، ص 73

[8] المفيد في تراجم الشعراء والأدباء والمفكرين، عبد الرحيم كناني ( بالاشتراك ) ص 101، دار الثقافة 1416 هـ.

[9] ينظر: أدب الطفولة بين كامل كيلاني ومحمد الهراوى، د. أحمد زلط، مرجع سابق، ( ترجمته وآثاره )

[10] مجلة المدينة المنورة، عدد 16 أكتوبر 1959، مقالة أ. على حافظ ( مات عملاق الأدب العربي ).

 

* كامل كيلاني في مرآة التاريخ، لمجموعة من المؤلفين، جمع وطبع أنور الجندي بالاشتراك معه ابنه رشاد كامل كيلاني، القاهرة، 1961 م.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.