لا تخلو الأساطير الإغريقية القديمة أو "الميثولوجيا" من الفلسفة أو من تبسيط قضية بقصة أسطورية ملهمة مأساوية ممتلئة بالدراما الموحية.
ولم يكن غريبًا أن يستخدم الطّبّ النّفسيّ تلك القصص في إطلاق الأسماء على بعض أمراضه أو متلازماته، ولا أن تستلهم المصطلحات السّياسيّة من تلك الحكايات بعض ألفاظها الأكاديميّة؛ لتصبح مصطلحات علميّة معترفًا بها تصف حالة ما وأسطورة كاساندرا التي سنتحدث عنها في هذا المقال ليست بعيدة عن هذا الاستخدام.
عاشت الأميرة والكاهنة كاساندرا في مدينة طروادة الأسطورية في ظل لعنة رهيبة، كان بإمكانها رؤية المستقبل وعليها قول الحقيقة، ولكن في المقابل لن يصدقها أحد مهما فعلت أو قالت.
اقرأ أيضًا الشيخوخة في الأساطير اليونانية
من كاساندرا؟
في الأساطير اليونانية كانت كاساندرا واحدة من أميرات طروادة، ابنة الملك بريام، حاكم مدينة طروادة في أثناء حرب طروادة، وزوجته الملكة هيكوبا، هذا جعلها أميرة من أعلى رتبة، وفقًا للأسطورة كانت كاساندرا جميلة جمالًا مذهلًا بشعرها البني أو الملوّن ومباركة بموهبة استشراف المستقبل.
كانت تعد أجمل بنات الملك بريام، وكانت لعنتها ألا أحد يصدقها، وهي حقيقة أثّّرت بشدّة على تدمير طروادة في الحرب الشّهيرة حرب طروادة، هي شخصيّة من آلاف الشخصيات التي تزخر بها الأساطير اليونانية القديمة، وقد فتنت قصتها الجماهير آلاف السنين.
لا يُعرف سوى القليل عن شخصية كاساندرا، على الرغم من أننا قد نستنتج أنها كانت عاطفية وشجاعة، في بعض الأساطير تُقدَّم كاساندرا على أنها عفيفة، وفي بعضها الآخر تُقدَّم على أنها مخادعة ولعوب.
تقول معظم الأساطير إنّ كاساندرا كانت كاهنة في معبد الإله اليوناني أبولو، وإنّها كانت حالة فريدة من نوعها أو نبية، وتمتلك موهبة النبوءة ولعنتها.
تقول جميع مصادر الميثولوجيا اليونانية تقريبًا: إنّ كاساندرا كانت مجنونة وعرضة للنوبات والجنون، وإنّ هذا الجنون كان نتيجة العيش في ظل تلك القوة واللعنة التي لا تطاق.
اقرأ أيضًا خرافات حول العالم
لعنة كاساندرا
في الإصدارات اليونانية القديمة من الأسطورة، بدءًا من مسرحية أجاممنون التي كتبها إسخيلوس، تتمتع كاساندرا بالقدرة على رؤية المستقبل بدقة. اللعنة هي ألا أحد يصدقها أو يصدق تنبؤاتها، على الرغم من صحة كل نبوءة، هي مجبرة أيضًا على قول الحقيقة دائمًا، لا تستطيع حتى خداع الناس بقولها أكاذيب أو نبوءات كاذبة.
وفي بعض الإضافات الأخرى، كان محكومًا على كاساندرا أن ترى الأشياء الفظيعة فقط، ما يجعل كلامها وحضورها غير مرحب به وغير مرغوب فيه.
اقرأ أيضًا أشهر أساطير عربية قديمة
من لعن كاساندرا؟ ولماذا؟
لعن الإله أبولو اليوناني كاساندرا، أميرة طروادة؛ لأنها رفضت طاعته.
يتفق المؤلفون القدامى على أن أبولو رغب في كاساندرا الجميلة ومنحها موهبة التنبؤ بالمستقبل ليتخذها عشيقة، وفقًا للأساطير اليونانية، قبلت كاساندرا هدية أبولو وأصبح لديها القدرة على التكهن بالنبوءات، لكنها رفضت مطالب أبولو غير المشروعة.
لكن المؤلفين القدامى أنفسهم يختلفون في طبيعة الصفقة، يقول بعضهم إن أبولو أعطي القدرة على التنبؤ لكاساندرا هدية للتودد، وعندما لم تجدِ معها هذه الهدية الرائعة، غضب أبولو بشدة وأضاف لعنة أن نبوءات كاساندرا لن تصدق أبدًا.
اقرأ أيضًا قصة أسطورة أتلانتس والعصور القديمة
الاختلافات في أسطورة كاساندرا
في بعض الاختلافات الأخرى من هذه الأسطورة اليونانية تواجه كاساندرا معضلة إضافية ككاهنة لأبولو، أقسمت على العفة الأبدية. الآن، يطلب الإله اليوناني نفسه عذريتها، أي ما كان القرار الذي سوف تتخذه كاساندرا في هذا المأزق مهما كان سيصبح خطأ، ما يعزز مأساة قصتها.
في نسخ أخرى من الأسطورة، أبرمت كاساندرا وأبولو صفقة: وافقت كاساندرا على طلب أبولو إذا أعطاها القدرة على التنبؤ. أوفى أبولو بوعده من الاتفاقية، لكن كاساندرا تراجعت عن منحه ما يريد، فعاقب أبولو كاساندرا التي خالفت وعدها بلعنة أن كلماتها لن تصدق أبدًا.
تفسيرات رفض كاساندرا
في العصور الوسطى صور الكتاب كاساندرا على أنّها نبي مسيحي أولي، كانت قادرة على رؤية مجيء المسيح، وبذلك رفضت الإله الوثني أبولو اليوناني، تخلق ماريون زيمر برادلي، في روايتها (The Firebrand)، صراعًا مختلفًا في الولاءات الروحية، تتعهد كاساندرا أنها كاهنة لآلهة أنثى.
ماذا فعلت كاساندرا بشأن اللعنة؟
في معظم المآسي والقصائد والروايات لا تفعل كاساندرا سوى القليل من الصراخ والنحيب، تستمر في صراخ تحذيراتها غير المجدية، رغم أنها تعلم أن أحدًا لن يصدق كلماتها، تستمر كاساندرا في التحسر على مصيرها القاسي الذي لا يغير شيئًا، تستمرّ في التّوسّل إلى أبولو لرفع اللعنة، على الرغم وضوح أنه لا ينوي ذلك، وتتهمه بالظلم، وهو أيضًا أمر لا طائل من ورائه.
في القصيدة الملحمية «سقوط طروادة» التي كتبها كوينتوس سميرنيوس حاولت أن تتخلى عن السلبية، واتخذت كاساندرا إجراءات جسدية لتجنب الكارثة التي صنعها الإغريق.
في تلك القصيدة لا أحد يستمع إلى كلماتها التحذيرية كالمعتاد من أن حصان طروادة يخبئ محاربين يونانيين، لذلك تمسك كاساندرا بفأس وشعلة مشتعلة وتحاول (دون جدوى) بنفسها تدمير الحصان الخشبي واليونانيين بداخله من أجل إنقاذ مدينتها طروادة.
ما الذي يحدث لكاساندرا بعد سقوط طروادة؟
يتفق مؤلفو الأساطير اليونانية القدامى على مصيرها: عندما غزا الإغريق مدينة طروادة، تعرضت للاغتصاب من قبل المقاتل آياس، وذلك على الرغم من أنها لجأت إلى معبد أثينا، وهو معبد مقدس.
كان اغتصاب كاساندرا وحشيًا لدرجة أن تمثال أثينا الخشبي يدير رأسه في بعض روايات القصة، حتى رفقاء آياس اليونانيون يفكرون في عقابه على اغتصابه الشنيع لكاساندرا، حتى يطلب آياس المغفرة عند سفح نفس التمثال والمذبح.
وفقًا لبعض روايات الأسطورة ثارت أثينا في وقت لاحق وصبت جام غضبها ضد المغتصب آياس بسبب الفظائع التي ارتكبت في معبد أثينا وتدنيسه المقدسات.
كاساندرا محظية أجاممنون
بعد الانتصار على طروادة يقسم اليونانيون المنتصرون الغنائم، وتخصص كاساندرا محظية للملك اليوناني أجاممنون من ميسينا، إلا أن زوجة أجاممنون كليتمنيسترا بالاشتراك مع عشيقها إيجيسثوس يقتلان أجاممنون وكاساندرا.
إحدى الملاحظات السعيدة القليلة في حكاية كاساندرا المأساوية هي أن الكتّاب القدامى يقولون إنّ كاساندرا كانت تعد جديرة بالحقول الإليزية بسبب تقواها.
والحقول الإليزية، التي تسمى أيضًا الإليزيوم، هي مفهوم للحياة الآخرة والمثوى الأخير أو الجنة لأرواح الأبطال الأسطوريين والفاضلين في الأساطير اليونانية القديمة والدين.
حياة ثانية لكاساندرا
ومع ذلك، غالبًا ما يعيد الكتاب اللّاحقون صياغة الأسطورة وقصّة سقوط طروادة لإعطاء كاساندرا حياة أخرى.
في رواية تنجو كاساندرا من مؤامرة القتل ضد أجاممنون، وتهرب من سقوط طروادة، وتبدأ حياة جديدة بهوية مفترضة في دور متواضع وحياة هادئة.
وفي رواية ثانية من تأليف هيلاري بيلي وجدت كاساندرا رجلًا صالحًا وتزوجته وعاشت حياتها زوجة في منزل مزرعة هادئ في ثيساليا.
وفي رواية أخرى أعطت المؤلفة ماريون زيمر برادلي، كاساندرا وزوجة الملك أجاممنون، لحظة من التفاهم النسوي المشترك، ومات في النهاية فقط الملك أجاممنون على يد زوجته وعشيقها.
وفي رواية مختلفة خالية من أجاممنون والأسر اليوناني، تغير كاساندرا مأساتها وتسافر إلى آسيا مع خطط مستقبلية لتشكيل مملكة مثالية تحكمها النساء.
ماذا تمثل كاساندرا؟
على مدى آلاف السنين استخدم الكتاب كاساندرا لدعم وجهات نظرهم، استخدم البعض أسطورة كاساندرا كمثال وعلى أنها عذراء عفيفة؛ لأنها كافحت للحفاظ على نقائها. عدَّها آخرون مثالًا للفاتنة الشريرة؛ لأن كاساندرا استخدمت الحيلة لإغراء أبولو.
وصورَّها بعض الكتاب أحيانًا على أنها امرأة سيئة؛ لأنها تحدت قرارات الرجال الأقوياء بدلًا من الصمت مثلما يجب للمرأة، لكنها عدت أيضًا ضحية ثقافة أبوية ذكورية اضطهدت المرأة.
روايات قديمة مختلفة
نظر إليها مسيحيو العصور الوسطى نظرًا مختلفًا على أنها مسيحية أولية تنبأت بمجيء يسوع المسيح، وشهيدة عانت من محنة رهيبة؛ لأنها رفضت طاعة الإله الوثني، ومع ذلك فإن آخرون في الفترة نفسها من التاريخ جعلوها مشعوذة شريرة في خدمة الشيطان بسبب استبصارها وعصيانها.
واعتمادًا على ما إذا كانت قد أبرمت صفقة مع أبولو أم لا، يُنظر إليها أيضًا نظرة مختلفة على أنها عاهرة، أو ناقضة للعهد، أو ضحية لمحاولة الإكراه الجنسي.
التفسيرات الحديثة
في روايات القرن العشرين، كانت كاساندرا ناطقة بلسان المعارضين السياسيين الذين يستخدمون اللجوء إلى الأساطير القديمة المسموح بها لإطلاق تحذيرات ما كانت لتنشر إذا لم تكن مغطاة بالمجاز.
في عام 1935م استخدم جان جيراردو صوت كاساندرا في مسرحيته (La guerre de Troie n’aura pas layu) لن تأخذ حرب طروادة مكانها لتحذير الجماهير من غيوم الحرب المتجمعة فوق أوروبا.
أعطى بعض المؤلفين للّعنة طابعًا مختلفًا: كاساندرا ليست سلبية، لكنها امرأة موهوبة بالفطنة السياسية والفطرة السليمة، ما تراه في المستقبل (مثل حرب طروادة) هو ما يمكن لأي مراقب سياسي توقعه.
وبدلًا من لعنة إلهية فإن كاساندرا تتعامل مع السياسيين الأقوياء الذين يقمعون الحقيقة.
على سبيل المثال، خلال الحرب الباردة وفي رواية "كاساندرا" للكاتبة كريستا وولف، التي كُتبت في أثناء النظام الشيوعي لألمانيا الشرقية، استخدمت الكاتبة ما حدث منذ زمن طويل في طروادة لتنبيه زملائها الألمان الشرقيين إلى الحقائق التي يخفيها النظام بالقمع. تعرف كاساندرا عددًا من الحقائق التي تريد الحكومة قمعها. تكتشف وتحاول أن تكشف عن أن هيلين ليست في طروادة حقًا، وأن الاستعدادات للحرب مع اليونانيين تستند إلى ادعاءات كاذبة، لكن الحكومة تجبرها على التزام الصمت.
متلازمة كاساندرا
في عام 1949م أطلق الفيلسوف الفرنسي غاستون باشيلارد اسم متلازمة أو عقدة كاساندرا على حالات التحذيرات الصحيحة، أو الإنذارات التي لا تصدق، مستوحيًا إياها من أسطورة كاساندرا التي كانت تحذر من أحداث مأساوية بلا جدوى.
عقدة كاساندرا متلازمة حديثة معترف بها من قبل الخبراء وتنطبق في الغالب مع الأحداث السياسية شديدة الْخَطَر، المتوقع حدوثها وعواقبها الوخيمة ولكن تذهب تلك التحذيرات أدراج الرياح.
المراجع:
http://www.fictionphile.com
http://www.greekmyths-greekmythology.com
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.