قصعة الغبار أو الثلاثينيات القذرة.. كارثة بيئية هزَّت أمريكا

في قلب ثلاثينيات القرن العشرين، حين كانت أمريكا تغرق في أزمة الكساد العظيم، اجتاحت كارثة بيئية مروعة ولاياتها الوسطى، عُرفت لاحقًا باسم «قصعة الغبار» أو «Dust Bowl». لم يكن الأمر جفافًا عاديًّا، بل سلسلة من العواصف الترابية والجفاف والهجرات الجماعية التي شلّت الزراعة وشردت ملايين السكان، هذه المأساة لم تؤثر فقط في المزارعين، بل غيَّرت وجه السياسات البيئية والزراعية في أمريكا للأبد.

هل سمعت من قبل عن مصطلح «الثلاثينيات القذرة» أو مصطلح «قصعة الغبار»؟ فهما يعبران عن شيء واحد، وهي المدة ما بين عام 1930 وعام 1940، إلى الكارثة التي حدثت في معظم الولايات الوسطى في أمريكا وكندا، حيث تعرضت المنطقة للعواصف والغبار الذي لا يتوقف لسنوات، حتى عم الجفاف وهجم الجراد، وتسبب الأمر في موجة كبيرة من الهجرة نتيجة تلف المحاصيل والأراضي، وهي الكارثة التي هزت أمريكا وكندا وتركت كثيرًا من الآثار الاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا المقال نعود بك إلى ثلاثينيات القرن الماضي، لنتعرف سويًا على أسباب قصعة الغبار، وكيف تعاملت معها أمريكا، وأهم النتائج التي ترتبت على تلك الكارثة في السطور التالية.

كارثة قصعة الغبار

 على الرغم من أن المصطلح يبدو غريبًا إلى حد ما، فإنه يعبر عن كارثة شهيرة حدثت في ثلاثينيات القرن الماضي، حينما تعرضت معظم المناطق الوسطى في الولايات المتحدة الأمريكية لموجة هائلة من الجفاف والعواصف الرملية، ومع الوقت، تدهور الغطاء النباتي في المنطقة، وغطى الغبار مجموعة من الولايات الأمريكية والكندية، وهو ما جعلهم يطلقون على الحادثة «قصعة الغبار».

في ثلاثينيات القرن الـ20 حين كانت أمريكا تغرق في أزمة الكساد العظيم اجتاحتها كارثة بيئية عُرفت باسم «قصعة الغبار»

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد تسبب الجفاف وعدم سقوط الأمطار في قلة المحاصيل، ثم جاءت العواصف الترابية والرملية لتقضي على خصوبة التربة، كما ترافق الأمر مع حدوث أزمة الكساد الكبير التي عصفت بأمريكا مع انهيار سوق الأوراق المالية، وهو ما جعل الأمريكيين يطلقون على تلك المرحلة نهاية العالم.

كانت عاصفة الغبار قد بدأت عام 1930، وظلت تتزايد حتى بلغت ذروتها عام 1934، حينما وصلت العواصف الترابية والرملية إلى ساحل المحيط الأطلسي، وتسببت في موجة من الهجرات بين الولايات الأمريكية، مع تدمير ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية.

 ومع مرور الوقت وعدم تحسن الأوضاع، حيث طال انتظار الأمطار، إضافة إلى عدم وجود جهود حكومية حقيقية لمواجهة الموقف، تعرضت الولايات الوسطى لخطر جديد هدد ما تبقى من الغطاء النباتي والمحاصيل، وهو هجوم الجراد الذي ترك المزارع في حالة سيئة وغير صالحة للاستعمال، وبذلك، لم يستطع السكان المحافظة على الماشية، ما أدى إلى انتشار الجوع والفقر، لا سيما في الولايات الخمس الأكثر تضررًا، وهي كنساس وتكساس وأوكلاهوما وكولورادو ونيومكسيكو.

وعن الأرقام التي سجلتها كارثة قصعة الغبار، فإن عددًا من المصادر تؤكد هجرة أكثر من 5 ملايين مزارع لأراضيهم إلى ولايات أخرى في الثلاثينيات، إضافة إلى نحو 5 ملايين حالة وفاة بسبب الكارثة وظروف الفقر والجوع، في حين كانت ولاية كاليفورنيا هي أكثر الولايات التي استقبلت المهاجرين، وكانت ولاية أوكلاهوما أكثر الولايات تضررًا، حتى أطلق على المتضررون من الكارثة (أوكيز) نسبةً إلى ولاية أوكلاهوما.

كارثة قصعة الغبار بين الأسباب الطبيعية والبشرية

صحيح أن كارثة عاصفة الغبار كانت لها أسباب طبيعية لم يتدخل فيها السكان والمزارعون، مثل أوقات الجفاف الطويلة التي ضربت الولايات الوسطى في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى مناطق أخرى من كندا، وكذلك الرياح الشديدة التي كانت سببًا في تهديد الغطاء النباتي ورفع التربة، لكنه توجد أسباب بشرية ساعدت على تفاقم الكارثة التي كانت محل تحقيق من السلطات الأمريكية، من أجل رصدها والوقوف على الممارسات التي أدت لحدوث لكارثة قصعة الغبار. 

كان إفراط المزارعين في استغلال الأراضي وإجهاد التربة أهم الأخطاء البشرية التي ساعدت في تفاقم كارثة قصعة الغبار

ربما كان أهم الأخطاء البشرية التي ساعدت في تفاقم الكارثة هي اتجاه المزارعين للإفراط في استغلال الأراضي، بسبب ارتفاع الطلب على الحبوب في ذلك الوقت، وهو ما أدى إلى إجهاد التربة، كذلك فإن اتجاه المزارعين إلى استخدام الأراضي مراعي بدلًا من زراعة المحاصيل ذات الجذور الضحلة، أدى إلى تكون عواصف سوداء من الرواسب التي نقلتها الرياح، لتغطي كل شيء على مدار سنوات.

 ثم إن مرحلة الكساد الكبير التي تعرضت لها أمريكا والعالم سنوات طويلة، أدت إلى هجرات جماعية إلى مناطق الولايات الوسطى، وهو ما أدى بدوره إلى الضغط على الموارد الموجودة في هذه الولايات، فكان من الطبيعي إجهاد التربة وتضرر الغطاء النباتي.

ومع تضرر الغطاء النباتي وتدمير الطبقات السطحية من التربة الطينية، بدأت الرياح تنقل الأتربة من مكان إلى آخر، ما أدى إلى توليد عواصف ترابية هائلة غطت الولايات الشرقية والجنوبيّة والوسطى، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 370 مليون طن صافٍ من الغبار كان ينتقل سنويًا إلى الغلاف الجوي.

تأثير كارثة قصعة الغبار في الولايات المتحدة

 لا شك أن كارثة قصعة الغبار كان لها تأثير في الولايات المتحدة، على عدة مستويات بيئية واقتصادية واجتماعية وسياسية، حتى إن الأمريكيين أطلقوا على تلك المرحلة «الثلاثينيات القذرة»، نظرًا لترافق كارثة عاصفة الغبار مع الكساد العظيم والفقر والجفاف والهجرات الجماعية من ولاية إلى أخرى.

أطلق الأمريكيون على تلك المرحلة «الثلاثينيات القذرة» نظرًا لترافق كارثة عاصفة الغبار مع الكساد العظيم والفقر والجفاف

كانت الخسائر الاقتصادية كبيرة، نتيجة حدوث انخفاض حاد في  المحاصيل الزراعية، وعلى هذا ارتفعت أسعار المحاصيل بدرجة جنونية، وأصبح الغذاء عملة صعبة، كما انخفض دخل المزارعين بدرجة حادة، وتسببت الكارثة في تعطل الخدمات ووسائل النقل، وهو ما كان له مردود اقتصادي سلبي على معظم الأمريكيين.

وعلى المستوى الاجتماعي، فقد تسببت كارثة قصعة الغبار في موجة من الهجرة، وأجبرت الملايين على ترك أراضيهم ومنازلهم، وهو ما رفع من معدلات البطالة والفقر، وبالطبع أدى إلى تدنٍ كبير في مستوى الخدمات الصحية، وهو ما كان له آثار بعيدة تم العمل عليها على مدار سنوات بعد ذلك.

وعلى المستوى السياسي، كانت الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة في موقف لا تحسد عليه، فقد سببت الكارثة ضغطًا كبيرًا على أداء الحكومة، إضافة إلى اضطرارها لتقديم المساعدات للمزارعين وكذلك للمناطق المتضررة، وهو ما لم يكن كافيًا لسكان الولايات الوسطى، على الرغم من كونه أمرًا مرهقًا للحكومة، التي كانت تواجه الكساد العظيم من ناحية أخرى.

دروس من كارثة قصعة الغبار

اضطرت السلطات الأمريكية إلى فرض مجموعة من القوانين لحماية الأراضي وتنظيم عملية الزراعة وتداول الأغذية، إضافة إلى العمل على عدة برامج جديدة، لتحسين إدارة الموارد الطبيعية ومكافحة التصحر.

في النهاية اضطرت السلطات الأمريكية إلى فرض مجموعة من القوانين لحماية الأراضي وتنظيم عملية الزراعة وتداول الأغذية

وفي الأخير، تعلمت الحكومة الأمريكية ومعها الشعب الأمريكي كثيرًا من الدروس من كارثة قصعة الغبار، وهو ما دفعهم لاتخاذ مجموعة من التدابير والخطوات التي تضمن عدم تكرار كارثة قصعة الغبار في المستقبل، كما أنشأت الولايات المتحدة (إدارة حماية البيئة الأمريكية) عام 1970 التي تقوم على مراقبة جودة الماء والهواء، إضافة إلى وضع الخطط الجادة لتطوير نظم الزراعة المستدامة والحفاظ على التربة.

وعلى الصعيد الدولي فإن كارثة عاصفة الغبار تركت أثرًا كبيرًا لدى المراقبين من الدول التي تتشابه في ظروفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، والبلدان التي تعتمد على الزراعة، لذا كان الأمر درسًا قويًا لمن يرغب في التعلم والتطور لتجنب هذه الكارثة التي ربما لا تتحملها دول أقل كفاءة وقدرة على التعامل مع الكوارث.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة تاريخية في ثلاثينيات القرن الماضي، تعرفنا بها على كارثة  قصعة الغبار وأسبابها والنتائج المترتبة عليها، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا في التعليقات ومشاركة المقالة على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة