كاتبات بأسماء مستعارة.. قصة قناع أخفى أعظم الأديبات

في عالم الأدب، كثيرًا ما لا يكون الاسم مجرد تعريف للهوية، بل يصبح أداة استراتيجية لمواجهة القيود، والتعبير الحر، وربما للنجاة. الاسم المستعار، هذا القناع الأدبي، لم يكن خيارًا جماليًّا أو فنيًّا للكاتبة، بل كان -ولا يزال- ضرورة تفرضها بيئات لا تتقبل صراحتها، ولا تعترف بصوتها. وفي التجربة النسوية على وجه الخصوص، كان هذا الاسم بوابة لقول الحقيقة، دون الخوف من سلطة المجتمع، أو سطوة الأسرة، أو وصاية الأعراف.
فلماذا تلجأ الكاتبة إلى اسم مستعار؟ ومن هن أبرز من كتبن خلف هذا القناع؟

في هذا المقال، نستكشف الأسباب العميقة التي دفعت النساء للاختباء خلف أقنعة أدبية، ونسلط الضوء على قصص بعض أشهر الكاتبات اللاتي كتبن من خلف حجاب الاسم المستعار.

حبر مقنع.. كاتبات اخترن الأسماء المستعارة وسطَّرن التاريخ 

يُعد الاسم المستعار من التقنيات المستخدمة التي دخلت مضمار الأدب، وأضحت إحدى سماته الرئيسة؛ إذا لا نكاد نعثر على جنس أدبي لم يولِّ هذه التقنية شطرًا من الاهتمام. على أن المرأة الكاتبة غلَّبتها على تجربتها؛ خوفًا من الرقابة في سعيها الدؤوب للحصول على وسائل تمكِّنها من إيصال صوتها إلى العالم دون خوف من الرقابة المفروضة عليها، ولتفادي التصادم والمواجهة المباشرة.

الكتابة باسم مستعار

ويعد الاسم المستعار أول أقنعة المرأة الكاتبة، إذا تستعير اسمًا آخر لنشر كتابتها الإبداعية، ولتفادي المواجهة المباشرة، ولأنه يمنحها رحابة القول والتعبير، ويساعدها في خرق المحظورات الذكورية دون أن تتعرض للمطبات السياسية والملاحقات الأمنية، فهي قد أخذت الكتابة وسيلة للبحث عن حقوقها في المجتمع الذي ينتقص من قيمتها، ولنقل معاناتها إلى الجمهور القارئ، وإيصال صوتها إلى العالم كله.

أسباب استخدام الاسم المستعار

الأسباب التي تدفع كاتبة للاختفاء وراء اسم مستعار متعددة ومتشابكة، ويمكن تقسيمها إلى فئتين رئيستين:

الحماية الشخصية والاجتماعية

  • حماية الذات والعائلة: الرغبة في فصل حياتها الشخصية عن العامة، وحماية أقاربها من أي انتقادات أو تبعات قد تترتب على كتاباتها الجريئة.
  • تجنب التهديدات: خاصة عند الكتابة في موضوعات حساسة مثل السياسة، الدين، أو نقد الأعراف الاجتماعية المتجذرة.
  • الهروب من سلطة العائلة والقبيلة: التحرر من القيود التي يفرضها اسمها العائلي ومكانتها الاجتماعية.

الحرية الإبداعية والهوية

  • تمكين الذات من التعبير الحر: يمنحها الاسم المستعار رحابة القول والتحرر من سقف التوقعات المفروض على المرأة.
  • إثبات الذات في وجه المجتمع الذكوري: استخدام اسم رجالي (كما فعلت كاتبات غربيات كثيرات) كان أحيانًا الطريقة الوحيدة لضمان قراءة أعمالهن بجدية في البداية.
  • جذب الجمهور القارئ: اختيار اسم فني جاذب قد يكون جزءًا من استراتيجية الكاتبة للوصول إلى القراء.
  • نقل معاناة المرأة: استخدام الاسم المستعار كصوت جماعي يمثل النساء ويسلط الضوء على قضاياهن دون شخصنة.

ظاهرة عالمية: من جورج إليوت إلى الأخوات برونتي

لم تكن هذه الظاهرة حكرًا على العالم العربي. ففي القرن التاسع عشر في إنجلترا، اضطرت كاتبات يعتبرن اليوم من أعمدة الأدب الإنجليزي إلى استخدام أسماء رجال لنشر أعمالهن، خوفًا من ألا تؤخذ كتابات النساء على محمل الجد.

  • جورج إليوت: هو الاسم المستعار للروائية العظيمة ماري آن إيفانس.

  • الأخوات برونتي: نشرت شارلوت وإيميلي وآن رواياتهن الخالدة تحت أسماء كورير، وإيليس، وأكتون بيل.

أهم كاتبات اخترن أسماء مستعارة 

وهي قائمة طويلة نذكر منها:

مي زيادة (إيزيس كوبيا – عائدة)

وُلدت مي زيادة في 11 فبراير سنة 1886 بالناصرة في فلسطين، والدها إلياس زيادة لبناني الأصل من قرية شحتول في كسرات، أما والدتها فتدعى نزهة معمر، فلسطينية من الناصرة.

عُرفت مي زيادة بتعدد هواياتها، وقد أخذت أسماء مستعارة منها (إيزيس كوبيا) و(عائدة)، فهي لم تختفِ باسم رجل، بل اختارت أسماء أنثوية؛ وذلك كله راجع لأسباب اجتماعية وسياسية.

مي زيادة

أهم أعمال مي زيادة

  • (باحثة البادية) سنة 1920.
  • (سوانح فتاة) سنة 1922.
  • (المساواة) سنة 1923.

فضيلة الفاروق 

ولدت في 20 نوفمبر 1967 بمدينة (أريس) في ولاية باتنة شرق الجزائر التي تقع في أحضان جبال الأوراس، درست الطب عامين بالجامعة، ثم غيرت التخصص إلى الأدب العربي بجامعة قسنطينة، حصلت على الليسانس سنة 1994 والماستر سنة 2000 من جامعة وهران. 

اختارت فضيلة الفاروق الاسم المستعار من أجل حماية عائلتها، وهذا ما قالته «استعملت الاسم المستعار لأتحمل أنا مسؤولية ما أكتب، ولا أحمِّل عائلتي أعباء ما يترتب عن أفكاري الشخصية».

وعن الأسباب التي دفعتها للتخفي وراء اسم مستعار تقول «اضطررت لتغيير اسمي لأنني تعرضت للمضايقات بعد أن فضحت المستور وتحدثت بصوت عمَّن لا صوت لهم، ونقلت واقع المرأة الجزائرية».

أهم أعمال فضيلة فاروق

اشتهرت فضيلة فاروق بجرأتها الأدبية بطرحها لقضايا المرأة الجزائرية والصراعات الاجتماعية في العالم العربي. ومن أعمالها:

  • رواية (أقاليم الخوف) سنة 2010.
  • رواية (تاج الخجل) سنة 2002.
  • رواية (مزاج مراهقة) سنة 1999.

عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)

ولدت عائشة عبد الرحمن في 6 نوفمبر 1913 بمدينة دمياط بشمال دلتا مصر لأسرة ذات تنشئة علمية، والدها شيخ أزهري، وجدها لأمها من علماء الأزهر، تلقت تعليمها في البيت بسبب منع الفتيات آنذاك من الدراسة وحفظت القرآن الكريم، ثم حصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات سنة 1929 وهي الأولى على مصر.

عُرفت باسمها المستعار (بنت الشاطئ)؛ تجنبًا لرفض والدها المحافظ انخراطها في الأدب، وكذلك تكريمًا لطفولتها على شاطئ النيل وهو المكان الذي قضت سنواتها الأولى فيه، توفيت في 1 ديسمبر 1998 في القاهرة عن عمر ناهز 85 عامًا إثر نوبة قلبية.

عائشة عبد الرحمن

أهم أعمال عائشة عبد الرحمن

تنوعت أعمال بنت الشاطئ بين الأعمال الأدبية والدراسات القرآنية، وتركت أكثر من 40 كتابًا.

بدايتها كانت بنشر أول مقال لها في جريدة الأهرام عام 1936 لتصبح ثاني امرأة تكتب بعد مي زيادة.

  • (على الجسر) سنة 1986.
  • (صور من حياتهن) سنة 1953.

سميرة خاشقجي (سميرة بنت الجزيرة)

من مواليد 1935 بالمملكة العربية السعودية، كان والدها طبيبًا شخصيًا لمؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود، ووالدتها سميحة أحمد سورية الأصل. تلقت دراستها الإنجليزية بالإسكندرية، ثم حصلت على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من كلية التجارة بجامعة الإسكندرية. اشتهرت كتابتها الأدبية باسمها المستعار (سميرة بنت الجزيرة). وقد اختارت هذا الاسم لأسباب اجتماعية آنذاك.

سميرة خاشقجي

أهم أعمال سميرة خاشقجي

تنوعت الأعمال الأدبية لسميرة بنت الجزيرة بين قصص وروايات: 

  • رواية (ودَّعت آمالي) سنة 1958.
  • رواية (ذكريات دامعة) سنة 1961.

أجاثا كريستي (ماري ويستماكوت)

ولدت في 15 سبتمبر 1890 بتور كواي ديفون بإنجلترا لعائلة ميسورة، والدتها بريطانية، أما والدها فأمريكي الأصل. تلقت تعليمها المبكر في المنزل، ثم درست الموسيقى في باريس، واختارت لنفسها الاسم المستعار (ماري ويستماكوت) لكتابة 6 روايات رومانسية لكي تفصل بينها وبين شهرتها في (أدب الجريمة). لُقبِّت بملكة الجريمة لسيطرتها على أدب الغموض. توفيت في 12 يناير 1976 لكن أعمالها ما زالت أكثر قراءة عالميًا.

أجاثا كريستي

أهم أعمال أجاثا كريستي

  • (ثم لم يبق أحد) سنة 1939.
  • (موت فوق النيل) 1973.
  • (جريمة قتل في قطار سريع) سنة 1934.

هل تختفي الأقنعة في عصر الرقمية والشفافية؟

على الرغم من انحسار بعض أسباب التخفي مثل القمع السياسي الصارخ والوضع الاجتماعي القاهر؛ فإن الأسماء المستعارة ستظل أداة أدبية حيوية في عصر الرقابة الرقمية، حيث صار فيها القناع أكثر إلحاحًا.

«فالحقيقة لا تدفن.. لكن الأسماء المستعارة تعطيها وقتًا لتصل إلى الشاطئ بسلام».

الاسم المستعار لم يكن أداة للهروب بل وسيلة للمواجهة، ودرع أدبي خاضت به المرأة معاركها ضد العزلة، والتحكم الاجتماعي، وقمع الحريات، وقد أثبتت الكاتبات عبر هذا القناع أن الإبداع لا جنس له، وأن الصوت الحقيقي لا يمكن حجبه مهما تغيرت الأسماء، فلنعد قراءة تلك الأسماء لا كونها مستعارات، بل كونها بوابات إلى حكايات مقاومة أنثوية حقيقية تستحق الفخر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.