ق. س، ما قبل الإسعاف عن قصة حقيقية من واقع عملي بالإسعاف المصري


بينما نحن وقوف أمام محطة المترو بمنطقة شبرا-الخيمة كان والدي ووالدتي وكاتب هذه السطور حيث استأذنت الوالد كي أمضي للأمام قليلاً باحثاً عن سيارة تقلنا؛ حيث لم يكتمل عدد مقاعدها بعد.
كان الأمر عادياً فنور الأعمدة الذابل ينتشر في المكان بشكل يبعث على الغثيان وفيما الأرصفة متكسرة والطريق رديئة، سرت حتى اعتلاني كوبري علوي يسير فيه المترو.
فجأة! دويٌ في المكان فصوت مكابح تُضغط؛ ألتفت إلى الوراء فإذا بزجاج يتناثر على الأرض على مقربة وكومةً سوداء من القماش يبرز منها بعض الشعر تزحف على الأرض وامرأة على مقربةً هالها الأمر فمضت تطلق صيحاتها المروعة تدوي في المكان وبشر يتقاطرون من كل مكان ليكشفوا لغز تلك اللفافة السوداء الرابضة بنهر الطريق.
لم أملك حينها إلا أن أتسمر مكاني وتملكني الفزع فلم أتجاسر على أن أقترب؛ ذلك أن تشبثت بي الدهشة فأوقفتني حيث أنا فلم أهرول بعيداً.
استبان لي فيما بعد أن تلك اللفافة السوداء الرابضة بنهر الطريق هي لأنثى عشرينية صدمتها سيارة أثناء محاولتها عبور الطريق.
كانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها حادثاً  لحظةَ وقوعه حيث تساءلت عن الحكمة خلف وقوعه الآن تحديداً، فلم أجد غير أن الله ساق لي الحادث وساقني إليه كي يثبتني من أهوال عما قريب أعاينها ولا ليرهبني -حاشاه ذلك.
ليس لدي علم لأقف هناك وأُساعد ولست ممن يقتلهم الفضول ليقف يتفرج علي فجيعة أحد؛ الصدمة أوقفتني مكاني لبرهة فلم أستطع أن أفعل شيئاً و مضيت بعدها سريعاً وبينما كان الناس الملتفون هناك حول الفتاة قد فعلوا الكثير حقاً فيما أنا دفعتني الرهبة نحو السير بعيداً، نعم بعيداً.
علمت بعد عملي أن الجاهل بما تفتضيه الأمور والمصدوم من هول ما يرى ليس له إلا أن يسير بعيداً حتى يخلي المكان لمن يمتلكون العلم ليعملوا به ولا ضير أن تبقى لتساعد إن كنت تُبقي على قدر من الهدوء والسكينة لتحرك الناس بعيداً عن الضرر الذي قد يلحقونه بهذا الجسد المتكور وسط الطريق ولتساعد رجال الإسعاف إن هم أرادوا منك ذلك.
أما جهلك وتعالمك مع فضولك فسيدفعانك دفعاً إلى أن تؤذي المصاب بتحريكه وتعيق عمل الإسعاف بأن تثور في وجههم أو أن ترشدهم بجهلك لعمل ما هم يعلمونه بالفعل.
وقع الحادث على الجميع مؤلم.؛ فالمصاب وأقاربه والمُشاهِد وحتى الإسعاف وأذكر تلك الرهبة التي تعتريني في الطريق لتوجهي لأي حادث فلا تعتقد أن رجال الإسعاف رجال من صخر لا يشعرون بل هم بشر كالبشر تماماً بلا أي فرق يذكر.

بقلم الكاتب


محب للتاريخ و الفلسفة و علم النفس ، صدر له كتاب (حكايات من سيارة إسعاف) .


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

محب للتاريخ و الفلسفة و علم النفس ، صدر له كتاب (حكايات من سيارة إسعاف) .