وأنت تنظر إلى زهور تذبل وقد أُهملت، ولم تُسق من ماء الحياة، تستطيع فهم بعض رسائلها.
الرسالة الأولى:
إذا أوشكت الزهور على الذبول لا تشكو الجفاء وضُر الجفاف، كذلك حال العشاق النبلاء ينسحبون بصمت ولا يشكون جفاء من جفا، والأهم العطر الذي تركوه وراءهم.
الرسالة الثانية:
تتفتح الزهرة لتعيش أزهى أوقاتها وتشارك سعادتها مع من خطبها ودنا منها، كذلك الكلمة الطيبة تُسعد ويظل عطرها يفوح متى ما تذكرتها.
الرسالة الثالثة:
تُعلمنا الوردة الانفتاح الصادق، فتظل متفتحة إلى أن يحين أجل موتها، كذلك القلوب الصادقة تظل فاتحة ودها إلى أن تتوقف عن نبضها؛ لأنها تعلمت من الورود فن التفتح، ذلك الجمال الطبيعي ذو العطر الفواح.
الرسالة الرابعة:
لون الورد والزهر طبيعي لا يحتاج زخرفة وتغييراً، كذلك بعض الوجوه تأبى أن تغير شكلها وتتلون من أجل مصالح دنيوية.
الرسالة الخامسة:
عبر الزهور ترسل الأشواق وتنوب عن العشاق في التعبير عن مكنوناتهم اتجاه أحبابهم، إنها برهان للحب من يد الصادق، وبُهتان للحب من يد المُنافق.
الرسالة السادسة
الورود والزهور تعلم أنها ستودعنا وستتبعثر أوراقها رغم ذلك تظل وفية برائحتها الزكية إلى أن تتكفل الرياح بنفيها، كذلك الأوفياء يحافظون على الود إلى أن يخطفهم القدر.
ولهذا وجب أن تكون الوردة غير مزيفة تجنباً للخيبة والمفاجآت غير المرغوب فيها، فكم من وردة تحسبها عطرة فإذا دنوت منها اكتشفت أنها عديمة الرائحة وسرعان ما يتبدل شكلها، وكذلك حال المكياج؛ كالزهور المزيفة، إذا ركبته المرأة بدت مثل القمر ليلة البدر، فإن أزالته بدت كزهرة منكمشة ذابلة، في الرحلة أدناه حكاية عاشق من ضحايا بريق المساحيق. لنسميها: حكاية وردة ليلية
في ليلة مقمرة هادئة ليس فيها صداع ولا صراع، خرج العاشق مع أصدقائه لحضور حفل عرس غير بعيد من المتاع، فهم جاؤوا عن طريق جمعية بمختلف جنسياتهم لعمل تطوعي، وحين أطلوا على المكان وجدوه مشعاً ومناراً.
أخذوا مكانهم بين الحاضرين فراقهم ذلك الجو الرومانسي رغم البعد عن الأهل وفِراقهم، وماهي إلا أيام معدودات ويعودون إلى ديارهم.
يوجد حشد أمامهم يتفاعل مع الصخب الموسيقي والإيقاع الشيق، أما البعض الآخر فاكتفوا بالمشاهدة واستحسان الأمر، بادر العاشق وقال لأحدهم: "ممكن آخذ صورة".
أجابه بالإيجاب، فأتم ما أراد ورجع للوراء وقعد، وهو كذلك إذ به يلمح هيئة فتاة فارهة الطول ذات لباس أزرق بالكامل، فشبهها بالخزامى أو وردة جميلة زرقاء اللون، كانت ترقص جوانبها برزانة وتتمايل تمايلاً طفيفاً قبل أن تستدير نحوه وتصعقه صعقاً خفيفاً، أعجبه المنظر وأحس بوخز داخلي مما أدى به إلى أن يهتف: "يا ويحي، هذا غرام"، وكان مما دفعه لهذا الاعتراف ما شاهده من نور على خديها.
أما الكحل المقوس فكان جذاباً كالمغناطيس تحت عينيها، ثم إنها تبسمت فرعدت وأبرقت الخدود كنجمة هوت من السماء، فراح يستجيب لهواها ويسمع روحه تطرب فيعيد: "هذا غرام".
عاد من تخميناته فلمحها قريبة منه آتية للجلوس غير بعيد عنه، استغل الوضع فركز عليها بناظريه لاكتشاف المزيد من الفرائد كأنها جوهرة ثمينة في أعذب القلائد، أما الوردة فلم تتفتح له ولم تكتشفه بعد.
لا توجد فرصة ليبوح لها بما أحس، بوجدانه اتجاهها، ولا درى كيف السبيل للتواصل معها.
في الغد تفلسف وقرر أن يحرص على معرفتها عن قرب، فسأل أحد الحاضرين ليلة أمس فأجابه: "تلك الفتاة متزوجة".
لم يخب ظنه وقاده قلبه لمواصلة البحث عن عنوانها ومعلومات أخرى عنها، وها هو رغم كونه طالب علم ليس له عمل يحاول أن يصل تلك الوردة بغية قطفها، ولا تهمه الأشواك المحيطة بها، وما العمل يا عاشق؟
أفق يا هذا، لا لم يفق بل حاور بعض أقاربها من جديد، قال: "دلوني على مكان صاحبة الفستان الأزرق"، فأجابه أحدهم: "التي كانت ترقص في الحفل".
رد بحماس: "هي بالضبط"، فبشره: "كانت متزوجة، أما الآن فهي ثيب من غير زوج".
قال: "منذ متى؟"، فرد عليه: "منذ مدة ولها ولد ذو خمس سنين".
شكره وراح يقنع نفسه بقبول وضعها وحالتها من أعماق قلبه، وما جذبه هو عطر الوردة ونورها.
انتهت مدة مكوثه في البلدة، وتوجب عليه المغادرة الطوعية من الورش التطوعية وبلوغ البلد الأم والأهل.
عاد بلا عنوان ولا تواصل يشفي غليل الشوق والحنين، وصل مدينته بعد سبع ساعات سفر ولا زال يتساءل كيف السبيل إلى طيف ذات الأزرق الوردة الليلية..
كان الجو معتماً حين أخرج القدم من مكان العبادة فصادف صديقاً له من تلك البلدة الصحراوية، وبه اصطدم، فقال: "هلا أهديتني وردة فيها سبعة نجوم ممشوقات ونيرات"، تبسم الصديق: "وماهي هذه الوردة؟" فقال بلسان العاشق المحروم: "والله رأيتها ذات ليل مقمر فما استطعت أن أنساها، وقد سكنت الروح الآن فكيف القلب ينساها".
سأله الصديق: "إذن، وصلت بلدتي وفيها جرى ما جرى".
رد عليه: "أجل وإني أريدها زوجة إذا ساعدتموني".
طمأنه بقوله: "لا تغتم، سوف أكلم معارفي لأرى هل أستطيع تزويدك بمعلومات عنها".
افترقا وما هي إلا مدة قصيرة فالتقيا، وكان له ما أراد، ومن يستطيع حبس زحفه تجاه العشيقة، شكر صديقه وهرول إلى مخدع هاتفي للاتصال وطي المسافات التي حجبته عنها.
رن وجاءه الرد: "أهلا بك أنا الوردة".
خمدت ناره قليلاً فقال: "أخيراً وصلني عطرك يا ذات الطيف الأزرق، أظنني عائد غداً إليك رغم بعد المسافة والأرق".
بعد الحوار قفل وقلبه ما غفل، ينتظر الغد ليمتطي حافلة ليلية ليصل صباحاً لتلك الواحات الصحراوية، هاتفها وتعرفا أكثر فزودته بهاتف أبيها، وأخبرته أنه رجل تعليم له سمعة حسنة، قال: "بالمناسبة لقد كنت متميزة بلباسك"، أجابت: "نعم، زرقاء بالكامل".
لمس فيها سلوى فقال: "أعترف أني شممت عطرك الفواح".
ردت: "الله يكرمك، كما تعلم فشلت في الزواج الأول ولدي ابن، لكنها الأقدار".
فقال بود: "المهم هو الإخلاص، وأن نعيش في سلام".
فسألته: "حدثني عنك أكثر؟"
أجاب بانه في العشرينات من عمره، وودعته قائلة: "إذن، أنتظرك ضيفاً في بيتنا غداً".
خمدت بذاك نيران العاشق الولهان، وجهز زاداً قليلاً للسفر في الغد، وفعلاً استقل الحافلة الليلية، وحاول أن ينام قليلاً، لكنه واجه دهاءً من طرف مراقب الحافلة، لم يكن تهمه جرجرة النافذة والمطبات، لكن تعبت يده التي مسكت مقبض الباب المترهل الخشن، والسبب هو المراقب الذي حاول لبعض الوقت إصلاحه وغلقه مؤقتاً إنما دون نجاح، فاضطر لطلب الإغاثة من العاشق قائلاً: "تذكر أني ساعدتك أنا كذلك".
ترك العاشق وحيداً تذروه الرياح العاتية الآتية من فجوات الباب، فأرغم أن يميل حيث مالت الحافلة لإبقاء الباب مغلقاً، رأى النور حين وقفوا في محطة للراحة، فقصد بيت العبادة وجدد طاقته قبل أن يدلف إلى ما سبب له التلف.
مرت سويعات فوصلوا وجهته، نزل وشم عطرها الآتي من جهة ما، والأهم أن الرابط بينهما في جيبه، أخرجه وركب الرقم، وأمره أب الوردة بانتظاره في المحطة، التقيا واصطحبه في سيارته للقاء سيكون شيقاً.
راقه ترحاب الأب وحسن الضيافة، وانتظر قدوم الوردة من التسوق قريباً، وقت الغذاء دخلت ونظر إليها ونظرت إليه، ولاحظ أنها ذبلت ولم تعد مزهرة، خفت نورها وذبل ورقها، تعجب قبل اكتشافه أن المسحوقات التجميلية هي سر إزهارها في ليلتها.
في تلك اللحظة ذاب شغفه وشوقه بالكامل إذ انتهى مفعول المكياج الذي خدره وخدعه وأرغمه على السفر الطويل، وكاد أن يسبب له العويل، حافظ على هدوئه قبل أن تكسر الوردة الذابلة الصمت فقالت: "كيف هي أخبارك؟"
اتكأ على عذر السهر وعدم النوم، فكان يجيبها باختصار، ولقد أحست بنقص في حماسته وهو الذي كان لا يطيق الانتظار، وعيناه تغمض وتفتح بشكل مذبب، استدرك الأمر وأخبرها أنه بصدد استخراج تأشيرة للعمل في المهجر، فختمت بقولها: "فلنعلم أننا في البداية لسنا متأكدين من استمرار علاقتنا"، وافقها وودعهم بعودة مخه وقلبه إليه، وعاد بوعي تام وهو في طريقه إلى بيته.
طيبته ردته إليها ففكر في مهاتفتها وهو في الغربة كي تعلم أنه صادق الوعد، ورن عليها فجاءه رد من صوت نسوي رهيف، فقال:
"من معي؟"
قالت: "أنا أختها، وهي تعرضت لحادثة مميتة، مات أبي وهي في فترة نقاهة، أصيبت في رجلها".
أجاب بتأثر: "تقبلي عزائي، واحتسبوا الأجر على الله".
ردت بصوت متهدج: "ونعم بالله".
فسر لها أنه زارهم وتمناها فعلاً زوجة رغم تأفف الوردة من قبل وإغلاق هاتفها من بعد ذلك، وأخبرته أنها تعلم، وودها أرغمها على معاهدته أن يكون الهاتف مع الأخت وأنها ستقنعها بقبوله، وبلسانها أكدت: "تعال البيت بيتك."
من جهته أكد لها أنه سيظل وفياً وأنه سيعوضها عن أبيها، ليس هذا فقط، بل طلب عنوانهم وأمدته به، فسارع في الخير وأرسل وداً عابراً للقارات، لقد أرسل هدية لهم.
كلمهم بعد ذلك فجاء الرد من الوردة، يا للمفاجأة، قالت: "ألو..."
فعزاها بذل: "احتسبي الأجر على الله، عزائي في المصاب الجلل، واصبري على قضاء الله".
ردت وصوتها تعرقله الدموع: "صحيح"
اعترف أنه لا زال يتمناها، وأنه آت إذا رضيت به، فاعترفت له: "قررت أن أجلس جانب أهلي وولدي بعد الحادثة، ثم إن شخصاً خطبني ورضيت وقبلت".
وحين أحست بالإحراج في نبرته، آنسته متمتمة: "وأنت كذلك ألف فتاة ستتمناك زوجاً لها".
استسمح منها وطلب الصفح إن هو أحرجها من قبل، فأجابت بإيجابية: "سامحتك من قلبي، ولنترك هذا الانطباع كمسك ختام لما كان بيننا".
قبل العرض وفاز بالبطولة إذ كان حفزها وأكد لها من قبل أن الوقت سيكشف معدنه الخالص غير المزيف، ولم يخب ظنه إذ منّ الله عليه وسافر إلى بلاد المهجر، ورضي رغم عدم قطف الوردة التي أوشكت على الذبول، وتعلم منها ومن عطرها أن ما كان من نصيبك سيصيبك ويحفظ في غيابك، وما لم يكن من نصيبك لن يبلغك ولو حفظه لك أحبابك".
تعلم كذلك أن جمال الروح هو المعدن الخالص أما جمال الجسد فتنتهي مدة صلاحيته في بضع سنين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.