قُبلة أخيرة


في عراقنا العظيم يعيش كل واحد منا بمرض يلازمه، مرض يكاد لا يفلت منه أحد، يوسوس له ليلاً، يأخذه من أحضان ليلى العاشقة وهمساتها ويأخذها من أحلامها، وابتساماتها، ويهوي بهما بعيداً هناك لعالم الأموات، يزف فيهم تساؤلات تنخر العقل وتذيب القلب...

ماذا لو استيقظت على فقد ابني مثل آلاف العراقيات الملتفة قلوبهن بالسواد؟ ماذا لو لم يعد أخي الذي ذهب للقتال مثل آلاف الرجال الذين دفنتهم الحروب؟

تجتاحني موجة أسئلة تعصر قلبي ألما وتدخل عقلي حزناَ مقيت، وأنا التي لا أفقد عزيزا ولا أرتدي السواد! أنا التي لا زلت في مقتبل العمر، لماذا أحمل من الهم ما يحمله البائسين؟ لماذا أتخبط هنا وهناك من خوف الفقد، وأنا لم أفقد أحدا بعد، أو أن من يسكن أرضي ستلوح عيناه الدموع لا محال وسيسكن الشجن قلبه، أو أنني أعيش مرض خوف الفقد هذا...

أذكر حين قرأت إحدى النشرات كان في مضمونها أن بين خمس بيوت عراقية هناك ثلاثة منها تقيم عزاء الفقد حينها بكيت كثيرا وشكرت الله على النعمة التي أنا فيها لا زلنا لم نفقد أحدا، فها أنا وها هم إخوتي وأمي وأبي لا زلنا مجتمعين لم تطولنا يد الجور والطغاة على الرغم من أن إخوتي يذهبون للقتال ويعودون سالمين.

لا زلت بخير وسأقتل خوف الفقد هذا، قتلته وأصبحت لا أخاف الفقد، فحين كنت أفعل جاء أخي من الحرب على غير عادته فلم يطرق الباب بل طرقوه أصحابه ولم يكن واقفاً كان ممددا... هنا حقا قتلت خوفي فما الذي أخشاه أكثر من كسري هذا،  في عراقنا العظيم ستفقد عزيز قلبك لا محال في عراقي العظيم ستموت قهرا وشوقا وانهيارا في عراقي، أنت مجبر على تقبيل واحتضان أحبابك كل يوم كآخر قُبلة، وآخر احتضان، وأنظر إليهم كمن يحاول حفظ ملامحهم قبل أن تسرقها منك رصاصة تائهة لا يُعرف مصدرها وكأنها نزلت من السماء، وقبل أن تحرقك نار لا فاعل لها... في عراقنا وجب علينا النوم وقلوبنا تبكي خشية الفقد... ومع كل ذلك نعيش على أمل النجاة من بحر ظلمهم وطغيانهم... بقبلة أخيرة سننتصر عليهم كل يوم.

 

بقلم الكاتب


طالبة جامعية ،كاتبة ورسامة ،عملت كعضو في منظمة حقوق المرأة والطفل.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مُبدعة ك عادتك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Sep 16, 2021 - إبراهيم درباس
Sep 16, 2021 - الخنساء علي الشيخ محمد السماني
Sep 16, 2021 - خالد نعمان
Sep 15, 2021 - شوقي عبدالله مهدي رسام
Sep 13, 2021 - رناد يوسف العبابسة
Sep 13, 2021 - محمدجوهر
نبذة عن الكاتب

طالبة جامعية ،كاتبة ورسامة ،عملت كعضو في منظمة حقوق المرأة والطفل.