صديقي الإنسان، لدي صديق ما إن اشترى هاتف "آيفون" من الإصدارات الجديدة لشركة "آبل"، حتى أحس بأنه قد دخل عالم صفوة المجتمع، وزادت قيمته الاجتماعية بين الآخرين. فعلى سبيل المثال، قد ازدادت جودة صوره التي ينشرها على السوشيال ميديا، ما أدى إلى زيادة الإعجابات وعدد المتابعين، وقد أعطته علامة التفاحة التي على ظهر الهاتف ثقة كبيرة في نفسه بعد أن كان يعاني القلق الاجتماعي.
فضلًا على ذلك، بدأ يراوده شعور بالانتماء إلى جماعة حاملي الآيفون، وأخذ ينظر إلى باقينا من مستخدمي هواتف "الأندرويد" نظرة ساخرة. أثار كل ذلك في ذهني سؤال: هل الشيء يجعل للإنسان قيمة، أم الإنسان هو من يجعل للشيء قيمة؟.
بينما كنت أتجول في وسط البلد بالقاهرة في أول أيام عيد الفطر، وقعت عيناي على منظر غريب، مئات الأشخاص يصطفون أمام أحد المطاعم الشهيرة بانتظار دورهم لشراء قطع الدجاج المقلي، في حين أنه يوجد مطعم آخر يقدم المنتج الغذائي نفسه، وبالجودة نفسها وبسعر أقل، لكنه خاوٍٍ كما لو أنه شفاف لا يراه الآخرون. قد جعلني ذلك المشهد أتساءل: لِمَ؟
لقد غزت بلادنا العربية في السنوات الأخيرة، مطاعم ومقاهٍ ومتاجر ملابس عدة تصنع من نفسها اسمًا ذائعًا بين الناس، وتروِّج لمنتجاتها بفكرة أنه باقتنائك منتجهم، ستنتمي إلى مجموعة فريدة من الأشخاص المميزين، وأن منتجهم يزيد من قيمتك الاجتماعية بين الناس. تلك المتاجر لا تروج لمنتجاتها عبر "الجودة"، بل عبر "الانتماء". قد تكون منتجاتهم عادية، سواء كانت طعامًا أو شرابًا أو ملبسًا، وفي مستوى المتاجر المحيطة بها نفسها، ولذلك، تلجأ تلك المؤسسات التجارية إلى تطبيق نظرية القيمة.
يمكننا القول إن قيمة الشيء تزداد، كلما ازداد تفرده وتميزه عن باقي الأشياء. وبذلك، تتبع تلك المتاجر والشركات إستراتيجية البراند، أي علامة تجارية صيتها ذائع، لا لجودة منتجها، وإنما لشعور التفرد المزيف التي تحفزه بداخلك عن طريق الترويج لفكرة أنه عند اقتنائك المنتج، ستنضم إلى نادٍ خاص بهم يميزك عن البقية. ونظرًا لأن الإنسان يبحث دائمًا عما يزيد قيمته الاجتماعية، أصبح يقع في تلك المصيدة التجارية. لقد باتت تلك الشركات والمؤسسات تروّج لفكرة القيمة الذاتية، أي إن المنتج يمتلك قيمة جوهرية في حد ذاته، بغض النظر عن تأثير الإنسان فيه.
إذا حللنا المشهد الحالي عن بعد، سنرى أن الأغلبية يرون أن كل تلك الأشياء تجعل للفرد الذي يقتنيها قيمة. ولكن، إذا أعطينا نظرة من كثب لتلك العملية، سنجد أن الإنسان هو من يخلق لتلك الأشياء قيمة في الأساس بناءً على رغبته وتقديره لها؛ لأنه كلما ازداد عدد الأشخاص الذين يسارعون في اقتناء ذلك المنتج، ذاع صيته بين الآخرين وازدادت مبيعاته، فيخلق ذلك هوية استثنائية لمنتج غير استثنائي، ما يجعل المستهلك يظن أن ذلك المنتج سيرفع من قيمته عن طريق انتمائه إلى الأشخاص الذين يقتنون تلك المنتجات. ولذلك، نرى أن أسعار تلك المنتجات في تصاعد مستمر، حتى يصبح تحمل كلفة شرائها حكرًا على طبقة فريدة من الناس، ونظل في تلك الحلقة المفرغة إلى ما لا نهاية.
صديقي الإنسان، تذكر دائمًا أنه أنت من يعطي قيمة للشيء، لا العكس. وضع في حسبانك أن قيمتك الاجتماعية لا تتحدد بالمنتجات التي تستهلكها وتستخدمها، بل من تفردك الشخصي وتميزك أنت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.