قيل المفلسون ثلاثة

هذا ما قيل في الأمثال السائرة، المفلسون ثلاثة: "كلب الصيد يصطاد ويذهب الصيد لغيره، والبخيل يجمع المال ويذهب لغيره، والمغتاب يعمل العمل ويذهب لغيره".

يقول أهل اللغة في تعريف المفلس قالوا: إنه مأخوذ من الفعل أفْلَسَ الرّباعي اللازم، فيقال: أفْلَسَ، يُفْلِسُ، ومصدره الإفْلاَس.  

وأفْلَسَ التَّاجِرُ: خَسِرَ فِي تِجارَتِهِ، وأنفق كل ماله؛ فلَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَالٌ، وعليه ديون عَجَزَ عَنْ أَدائها لمستحقيها عند حلول أجلها، ويقال: أفْلَسَتِ الشَّرِكَةُ: أصابَتْها خَسَارَةٌ مالِيَّةٌ، كما نقل ذلك في قاموس المعاني.

إذن، المفلس من يعمل عملاً ويتعب فيه تعباً شديداً، فإذا بعمله وجهده وتعبه وكدِّه ثمرة ذلك تذهب لغيره، هذا هو المفلس.

والإفلاس قد يلازم صاحبه طيلة حياته، وهذا هو أشده وأنكاه، وقد يكون الإفلاس نسبيّاً، بمعنى أنه يوصف بالإفلاس مدة معينة، ثم تختفي هذه الصفة، ويسير رابحاً مستفيداً من الربح في التجارة، والربح في العمل، أما أصحابنا الذين مثَّلْنا بهم، وهم كلب الصيد، والبخيل، والمغتاب، فإفلاسهم لازم ومستمر، لا ينقطع بحال من الأحوال، فكلب الصيد يظل نهاره أو ليله كله يلهث ويتعب، ويجري وراء طريدته، ولما يتحصَّل عليها يأتي صاحبه فيأخذ ما اصطاده، إن لم يكن هذا إفلاساً فكيف يكون إذن؟ 

أما البخيل فقصته قصة عجيبة وغريبة، ذلك أنه يجمع المال ويكدسه، ويتعب في تحصيله، لكنه حريص على عدم صرفه، فيما يعود عليه بالنفع، مثل أكله وشربه أو لبسه، وكل ما يتعلق بحوائجه تجده يتقطَّع جوعاً ويخشى أن ينفق فلساً في سبيل سدِّ خُلَّة جوعه، وينتظر من يطعمه من ما يفضل عنه، ويجد لذة قل نظيرها، وسعادة يصعب وصفها بسبب أنه استطاع أن يتحصَّل على فتات أُهديَ له واكتفى به، في حين تجد المال عنده مكدساً في حساباته البنكية، هذا إن كان يثق في البنوك، وإلا فإنه قد يجمعه ويخبئه في الوسائد والنمارق في قعر بيته، ولا يثق بأحد مهما كان مقرباً منه، وما إن يموت فيؤول المال لغيره، فيأتيه على طبق من ذهب، دون تعب ولا مشقة، فيستفيد منه ويأكل ويشرب ويتمتع به، فيكون البخيل مفلساً والذي ورث منه المال هو المستفيد.

أما المغتاب وهو الذي يذكر الناس بظهر الغيب بسوء، ولا يسلم أحد من شرِّه وسلاطة لسانه، هذا إذا كان الذي يتكلم فيهم بما يكرهونه يتصفون بما يذكره عنهم فقد اغتابهم، وإن لم يكونوا يتصفون بما يتحدث عنهم فقد بهتهم، ولا يدري هذا المسكين أنه بفعله هذا إنما يُهدي لهم حسناته إن كانت له حسنات، وإلا فهو سيأخذ منهم سيئاتهم بقدر ما تكلم فيهم في ظهر الغيب بما يكرهونه، وبقدر ما أحدث لهم من الضرر، سواء علموا ذلك في هذه الدنيا أم لم يعلموا، فإن اللَّه - سبحانه وتعالى - لا تخفى عليه خافية، وعليم بكل شيء.

إذن، إذا كان هناك أحد أصيب بالإفلاس مهما بلغ إفلاسه فلن يصل إلى إفلاس هؤلاء الثلاثة، فهم كلهم يتعبون ويكدحون ويجمعون، وهم حريصون كل الحرص على ما جمعوه، إلا أنه في آخر المطاف يؤول إلى غيرهم، وهم لا يستفيدون مما جمعوه إلا التعب، والغرض من ذكر هذا هو ألَّا نكون مثل هؤلاء الثلاثة، فنعمل ونتعب ونكدُّ ونجتهد، ونبذل قصارى جهدنا، من أجل أن نستفيد نحن في المقام الأول، فنجني ثمار كدِّنا واجتهادنا، ونجني ثمار ما بذلنا فيه عرق جبيننا، ثم إن استفاد معنا غيرنا فذلك هو غايتنا وذاك هو مطلبنا وهدفنا الأسمى، أما أن يستفيد غيرنا مما جمعناه، ونحن نضن به على أنفسنا ونبخل عليها من الاستفادة منه، فسوف نكون ضمن هؤلاء الثلاثة الذين ذكرناهم.

اتعب لتستفيدَ وتُفيدَ، واجمع المال لتغنيَ نفسك وتنقذها من براثين الفقر والشحاذة والاستجداء والسؤال، ثم اعمل على إنقاذ غيرك، وابدأ من أقرب المقربين إليك الأول فالأول، تكن رابحاً فيما جمعت وفيما أنفقت، وفيما أبقيت.

استاذ: باحث في التراث العربي الإسلامي وكاتب مقالات ادبية، ثقافية، واجتماعية،

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميل 👏

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكراً جزيلاً على هذا الإحساس الجميل

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

صدقت ومن قبل صدق المصطفى "صلى الله عليه وسلم " عندما طرح سؤالا لإثارة الأذهان ...أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال صلى الله عليه وسلم: إن المفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وَسَفَك دم هذا، وضرب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طُرِح في النار..

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ: باحث في التراث العربي الإسلامي وكاتب مقالات ادبية، ثقافية، واجتماعية،