انتقل المد الشيعي من المشرق الإسلامي إلى بلاد المغرب بعد الاضطهاد الذي لقوه، فكان المغرب قبلتهم المفضلة لعدة أسباب من أبرزها: البعد عن مركز الخلافة، وقرب أهل المغرب بالإسلام، والتجربة الخارجية على الأراضي المغاربية. فكانت هذه الأسباب وغيرها محفزًا مهمًا في بعث حملات إلى المنطقة من أجل تحضيرها للعملية القادمة.
المغرب «أرض بور»: بداية المد الشيعي
شجع نجاح الإباضيين في تكوين دولة لهم في المغرب الأوسط غيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى في الأقطار المجاورة على خوض التجربة نفسها، ومن تلكم الفرق أصحاب المذهب الشيعي الفارين من ملاحقة العباسيين.
وما يسند ذلك بعث جعفر الصادق كلًا من الحلواني وأبي سفيان إلى أرض المغرب باعتبارها في نظره أرضًا بورًا تستوعب الأفكار الجديدة بقوله: «المغرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يجيء صاحب البذر».
فكان ذلك بداية نشر الفكر الشيعي وبث فكرة أولوية أهل البيت بالخلافة في أوساط قبائل كتامة. وفيما يخص الفترة ما بين دخولهما المغرب ووصول صاحب البذر أبو عبد الله الشيعي كما سيجري ذكره، قدَّرها القاضي النعمان بمائة وخمس وثلاثين سنة. فلما كان موعد الحج، اختار زعماء الشيعة رجلًا يكون أمينًا متمكنًا في علم الباطن والظاهر، فوقع الاختيار على أبي عبد الله.
أبو عبد الله الشيعي: الرجل الذي أقام دولة من العدم
أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا، المعروف بـ «أبي عبد الله الشيعي»، هو الداعي الإسماعيلي الذي نجح في تحويل قبائل «كتامة» البربرية في المغرب العربي إلى قوة عسكرية ضاربة أسقطت دولًا وأقامت الخلافة الفاطمية.
ولد أبو عبد الله في مدينة الكوفة بالعراق، وانخرط في الدعوة الإسماعيلية السرية، وتتلمذ على يد «ابن حوشب» (منصور اليمن)، حيث أثبت مهارة فائقة في العلم والجدل والدهاء.
أُرسل إلى مكة في موسم الحج للقاء وفود الحجيج، وهناك التقى برجال من قبيلة كتامة (من بلاد المغرب - الجزائر حاليًا). أظهر لهم الزهد والتقوى وأبهرهم بعلمه، فدعوه لمرافقتهم إلى بلادهم.
تأسيس القاعدة الشعبية في المغرب وسقوط دولة الأغالبة
وصل أبو عبد الله الشيعي إلى بلاد المغرب عام 280هـ (893م)، واتخذ من منطقة «إيكجان» في جبال كتامة مركزًا له. واتبع استراتيجية دقيقة:
- التعليم والتنظيم: بدأ بتعليم البربر مبادئ المذهب الإسماعيلي وربطهم بشخصية «المهدي المنتظر».
- بناء الجيش: حوّل الفلاحين من قبائل كتامة إلى جيش منظم، مستغلًا النزاعات المحلية وضعف سلطة الدولة الأغلبية في تونس.
- الدهاء السياسي: استمال زعماء القبائل ووحّد صفوفهم تحت راية واحدة.
خاض أبو عبد الله سلسلة من المعارك الناجحة ضد دولة الأغالبة (التابعة اسميًا للعباسيين)، فقد بدأ بالاستيلاء على المدن الصغيرة والحصون المحيطة، وفي عام 296هـ (909م)، حقق النصر الحاسم ودخل مدينة رقادة (عاصمة الأغالبة)، وبذلك انتهى حكمهم فعليًا، وزحف بجيشه نحو «سجلماسة» ليفك أسر الإمام عبيد الله المهدي الذي كان مسجونًا هناك.

قيام الدولة الفاطمية
بعد تحرير عبيد الله المهدي، بايعه أبو عبد الله الشيعي بالخلافة، ودخل معه إلى رقادة في احتفال مهيب عام 297هـ. أُعلن عبيد الله «المهدي بالله» أول خليفة فاطمي، وبذلك بدأت الدولة الفاطمية التي ستحكم لاحقًا أجزاء واسعة من العالم الإسلامي بما فيها مصر.
دخول المغرب عنوة
بعد امتناعها عن الدخول في الدعوة الشيعية، قرَّر أبو عبد الله فتحها عنوة وقتل كبار أعيانها؛ الأمر الذي أدى إلى القضاء على الوجود الرستمي في المغرب الأوسط بعد مائة وثلاثين سنة من الوجود. تبعًا لهذه الأحداث أصبحت ملامح سياسة الفاطميين واضحة المعالم. هذه السياسة مبنية في المقام الأول على الترهيب والبطش للحصول على الحكم وبسط النفوذ وتحقيق الثروة، مستترين تحت لواء أهل البيت.
لعل أكثر ما يلفت الأنظار لدى استقصاء تاريخ قيام الدولة الفاطمية في المغرب الإسلامي، هو الدور الريادي الذي قام به أبو عبد الله الشيعي حول إرساء المذهب الشيعي من مجرد نظرية إلى واقع.
والغريب أنه تنازل عن الحكم لأبي عبيد الله المهدي الذي وجد كل الظروف ممهدة أمامه من دون قطرة عرق واحدة. أضف إلى ذلك استئثار أبي عبيد الله بسلامته عوض مؤازرة الداعي عبد الله بتغيير مساره غربًا إلى الصحراء بينما كانت المعارك في أوجها بينهم وبين الأغالبة.

الغدر بأبي عبد الله الشيعي
وجزاءً لكل هذا البذل الذي قدمه أبو عبد الله في سبيل إنجاح الدعوة قُتل في الأخير طعنًا بالرماح رفقة أخيه أبي العباس من طرف الشخص نفسه الذي تنازل له عن الحكم. ويرجع المؤرخون سبب هذا الغدر إلى خوف هذا الأخير من طمعه في السلطة؛ نظرًا لمكانته بين القبائل عامة وقبيلة كتامة على وجه التخصيص.
عبيد الله المهدي الخليفة الأول في المغرب
وبهذا يُعد عبيد الله المهدي أول خليفة فاطمي على أرض المغرب الإسلامي، حكم من سنة 297هـ أي بعد اجتماعه مع أبي عبد الله في سجلماسة بعد تسليمه الحكم إلى غاية 322هـ/ 934م. وبعد ما توفي عبيد الله تولى خلفه ابنه القائم، وهو أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي، ثم توالى الحكام بعد ذلك حتى آخرهم وهو المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن المهدي، وُلد بالمهدية سنة إحدى عشرة شهر رمضان 319هـ/ 932م.
هذا عن بعض أخبار الفاطميين في بلاد المغرب الإسلامي وكيفية الاستيلاء عليه. ومن خلال تتبع بداية هذه الدولة نجد أن بدايتها كانت دموية ومتعصبة، كما أنها استعملت الغطاء الديني شعارًا لحكمها، هنا لا بد من طرح سؤال: كيف كانت حالة العلوم في ظل هذا الصراع؟ وإلى أي مدى تمكن العالم من ممارسة حريته في نشر العلم؟
ومما اشتهر به الفاطميون هو تقنينهم لمختلف نواحي الحياة بما في ذلك الحركة العلمية وفق ما يتماشى وخططهم. وما يوافق هذا الطرح هو أنه عند دخولهم تيهرت وجدوا بها صومعة عامرة بالكتب، فانتقوا ما يتوافق ومذهبهم وأتلفوا كل ما يتعارض مع أفكارهم وأهدافهم. وعطفًا على ما سبق، جند الفاطميون كل إمكانياتهم لنشر نفوذهم بشتى الوسائل، مع تركيزهم على قطاع التعليم، حيث وجهوه وضايقوا الفاعلين فيه حتى تعم عقيدة الدولة والقضاء على ما يخالفها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.