صديقي القارئ.. في مقالنا السابق تحدثنا عن حرية الاختيار، وقصة صديقي المتملق الذي قرر الانطلاق في العمل دون التملق للمدير، فكانت هذه النهاية ناجحة تمامًا، ونموذجًا حقًا يجب أن يُحترم ونتخذه قدوة لنا.
قد يهمك أيضًا لا تفكر في النتائج... فقط اسع
الاعتذار بين الأصدقاء
ولكن استوقفني تصرف آخر من نفس الصديق عندما لجأ إلى أقرب زميل له في العمل، ويعد عشرة العمر لطلب المساعدة في شيء ما بداخل منظومة الشركة.
ولكنه كان متعجلًا في أمره فصدر من زميله رد فعل سيئ لم يكن يتوقعه، وكان صادمًا نوعًا ما، ومن شدة تركيزه في العمل فلم يميز أن أسلوبه في الطلب الذي كان أقرب ما يكون إلى الأمر بصيغة غير لائقة، ومحرجة له أمام الموظفين الآخرين.
هو ما جعل زميله متجهمًا نحوه في الرد وبصوت عال أقرب ما يكون إلى شجار متحفظ نظرًا لصداقتهم، ولكن هذا أحدث صدعًا ما فيما بينهما.
ومرت الأيام ولم يكن يعلم ما سبب ذلك، ولكنه كان مستنكرًا لتصرف زميله، ولكن لم يستطع مواجهته خوفًا من تصعيد الأمر بينهما.
وتخفيفًا للموضوع برمته إلى أن علم من طرف ثالث صديق مشترك لهما أن السبب كان تركيزه واهتمامه بالطلب لكي يرضي مديره بسرعة التنفيذ على أن يركز على طلب الأمر بأسلوب لائق مراعيًا ظروف عمل زميله إن كان متفرغًا للأمر أم يعمل على موضوع آخر خاص بالعمل أيضًا.
ندرك أمرين أنه لم يكن يقصد هذا الأسلوب والأمر الثاني أنه مستنكر فعل زميله المتجهم، وكان واقعًا في حيرة من أمره إما يتقبل الفكرة أنه أخطأ ووجب الاعتذار، وإما أنه لم يخطئ لأنهم ببساطة في العمل نفسه وأقرب زميل له وبينهما عشرة عمر، فيجب أن يعذره.
وأنه أكبر منه درجة وظيفية، فلا بد وأن يستجيب فورًا لحاجة العمل إلى ذلك، فالأمر يا صديقي القارئ كله قائم على أسلوب الطلب فقط، وليس رفضًا للعمل معه، وهذا حق يجب أن نركز عليه أن لكل منا حق في إبداء الاعتراض في أسلوب الآخر عندما يتعدى الأمر لمجرد طلب مهذب.
قد يهمك أيضًا وما الحبّ إلّا لعبة حظ تناسب القليل
محاسبة النفس
وكان من صديقي بطبيعة الأمر رد فعل سيئ للتجهم هذا، وأخذ محدثًا نفسه في خلوته في المكتب وقت راحة الغداء متسائلًا:
هل كنتُ على خطأ؟
هل غلبتْ عليّ مصلحتي عن مصلحة زميلي في العمل؟
هل كان رد فعلي مبالغًا فيه؟
وهنا توصل صديقي إلى نتيجة، وهي لا بد وأن يعتذر لما بدر منه؛ لأنه هو أساس الخطأ كله.
ولكن عزة نفسه غلبت على الأمر، ومر الموقف لوقت طويل، والصدع بينهما يكبر شيئًا فشيئًا، ومرت الأيام والشهور وصديقي في حيرة من أمره فهو يريد الاعتذار ولكن يخشى اللوم والعتاب أو رفض الاعتذار.
ولكن أدرك صديقي (سلطة الاعتذار) فسبب المشكلة هو الأسلوب وحل المشكلة أيضًا هو الأسلوب.
وأن الاعتذار الصريح البسيط المتواضع دون تعال وتكبر، والمهذب دون التطرق إلى طرق ردود الأفعال والقيل والقال، وهو ما يعرف بالعتاب له سلطة على الموقف كله، فأحيانًا العتاب دون السيطرة عليه يجلب ويضخم من حجم المشكلة.
ولكن الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه مباشرة هو طريقه لتقليص الفجوة عاطفيًا وتمهيد للمصالحة نهائيًا.
اتّفق مع الطرف الثالث زميلهم المشترك واجتمعا في مكتب زميله، واعتذر له اعتذارًا صريحًا، وغير متكلف، ودون أي كلام آخر.
تقبل صديقه هذا الاعتذار، وعادت الأمور لما كان في سابق عهدها، فسلطة الاعتذار واضحة هنا تمامًا في لم شتات الخلاف.
قد يهمك أيضًا أنماط الشخصيات الـ 16 تعرف إلى نمط شخصيتك
الاعتذار ليس ضعفًا
ولكن تسألني صديقي القارئ بأن ما أقوله هو من وحي الخيال، وهذه أفكار قديمة ورجعية، وأن في عصرنا هذا لم يعد للاعتذار سلطة وأنه بمثابة إهانة الشخص لنفسه ولكرامته، وإن لم يعد في هذه الحياة الآن من هو يستحق منا هذا.
وإنّ مثل هذا التصرف وخاصّة لو في العمل سوف يفسره من يراه على أنه ضعف وتراجع عن الموقف، ولكن قال رسولنا الكريم:
"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، ويُعْرِضُ هَذَا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وأيضًا قيل قديمًا:
"إذا اعتذر الجاني محا العذرُ ذنبَه… وكان الّذي لا يقبل العذر جانيًا"
فيا صديقي القارئ، أيعقل هذا التفكير وهذه الثقافة المعادية لكل ما تربينا عليه؟
وكما وجد في الموروث الديني والثقافي لنا أن يكون الاعتذار عن أي خطأ ورد منّا هو منهج حياتنا اليومية وما نربي عليه أولادنا الذين هم جيل المستقبل.
وأخيرًا صديقي القارئ، لا بد أن نتذكر جميعًا أن كل عمل وكل تصرف نحاسب عليه، فيجب أن ننتزع هذه الأفكار السلبية من حياتنا ونعود إلى الفطرة السليمة التي خلقنا عليها جميعًا، ونعيش كل الأمور ببساطة ونعطي لكل أمر حجمه الطبيعي الحقيقي لكي تمر الحياة ولا نقسو على قلوب بعضنا البعض.
وأن نستطيع استجماع كل قوانا لمواجهة ما هو صعب حقًا، فمثل هذه الأمور بسيطة جانب ما هو أصعب وأشد.
وأن نتيقن أن كل اعتذار عن خطأ حقيقي يجعلك تشعر بأنك في مركز قوة وشهامة، وليس مركز ضعف، وأن روحك ترتقي وتسمو إلى أفضل مستوى لها في الحياة.
قد يهمك أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.