في القرن السابع عشر، وفي خضم العصر الكلاسيكي الفرنسي الذي احتفى بصفاء اللغة وجمالها، ظهرت أولى المحاولات المنهجية لوضع نظريات لفن الترجمة، من بين هؤلاء الرواد يبرز اسم غاسبارد دو تاند (Gaspard de Tende) الذي قدم في عمله الصغير رؤية متكاملة تسعى لتحقيق التوازن الصعب بين الالتزام بالنص الأصلي (اللاتيني غالبًا) وبين صياغة نص جديد يتمتع بجماليات وأناقة اللغة الفرنسية.
يستعرض هذا المقال القواعد التسع التي وضعها (دو تاند) التي لم تكن إرشادات عملية فحسب، بل مثلت حجر أساس للنقاشات الحديثة عن الترجمة الحرفية والترجمة الحرة، ودور المترجم كونه وسيطًا ثقافيًّا وفنيًّا.
يتكوَّن هذا العمل من كتب ثلاثة: خُصِّص الأوَّل منها للصِّيغ البسيطة كالاسم والضمير بدراسة كيفية ترجمتها، فدرس استعمال الترادف في الترجمة والظاهرة التي يطلق عليها في يومنا هذا مصطلح الإبدال، فيما يقترح الكتاب الثاني دراسة الأسلوب والملمح الجمالي للترجمات، ويدرس الكتاب الثالث الرَّوابط، طول المقطوعات وفواصلها.
«يجب تجزئة المقطوعات اللاتينية إذا كانت طويلة جدًّا، لكون لساننا ما زال مطنبًا جدًّا، وذلك لمراعاة النفس المتلقية التي قد تنفد الإطالة صبرها لمعرفة المقصود».
والكتاب الأوَّل هو الأحسن نظمًا بين الثلاثة، ابتدأ فيه بالتفرقة بين الترجمة الحرفية littérale والترجمة التحويريَّة oblique. فالنسخ موجود منذ القدم ووجب الحفاظ عليه قدر الإمكان، واللجوء إلى التحوير كائن بغرض جعل الترجمة أكثر جمالًا وأكثر وضوحًا. وكذلك أثار تاند مفاهيم الحشو الأسلوبي والدلالي، الحذف، الكناية من متضمَّن إلى مضمون، الإبدال (كأن يترجم الظرف بالصِّفة)، التوضيح، التكثيف، التجزيء، الأقلمة، وغيرها.
قواعد غاسبارد دو تاند في الترجمة من الأمانة إلى الجمال
إليكم نص غاسبارد دو تاند، مع ملاحظاتنا التي نقدِّمها بين عارضتين، هذه القواعد المستوحاة من عصره تُعد مرجعًا مهمًا في تاريخ نظرية الترجمة:
القاعدة الأولى: إتقان اللسانين وفهم فكر الكاتب
القاعدة الأولى: حسب السيِّد دو فوغلاس هي المعرفة الجيِّدة باللِّسانين خاصَّة اللِّسان اللاتيني، مع الولوج جيِّدًا إلى فكر الكاتب المُترجم وعدم الخضوع كلِّيًا لكلامه؛ لأنَّه يكفي إيصال المعنى بمعنى دقيق وبأمانة تامَّة دون التخلِّي عن الجماليات ولا الصور الموجودة في اللاتينية.

القاعدة الثانية: الحفاظ على كلمات الكاتب الخاصة
القاعدة الثانية: برأي مترجم قصيدة س. بروسبير S. Prosper، لا تتمثَّل فقط في المحافظة على الأمانة والدقَّة التامة في نقل أحاسيس الكاتب، بل العمل على إبراز كلماته الخاصة، إذا كانت مهمة وضرورية.
القاعدة الثالثة: مراعاة عقلية وعبقرية الأسلوب
القاعدة الثالثة: تتمثل في المحافظة على عقلية وعبقرية الكاتب المترجم له، مع الأخذ في الحسبان أن كان الأسلوب بسيطًا أم فضفاضًا منمَّقا، إن كان أسلوب خطاب أو أسلوب سرد، فمن غير اللائق ترجمة كتاب أسلوبه منحط وبسيط بأسلوب عالٍ ومحترم مماثل للكتابات المقدسة أو المحاكية لأسلوب المسيح عيسى؛ ذلك لأن البساطة تمثل في حد ذاتها جمالية في بعض مقامات الورع والتقوى، أضف إلى ذلك أن من غير اللائق ترجمة الخطابات المطنبة بأسلوب دقيق وموجز، ولا ترجمة السرديات التي يجب أن تكون مختصرة ودقيقة بأسلوب مطوَّل.
وحقيقة من يريد ترجمة أسلوب الكتابات المقدسة البسيط بأسلوب منمَّق فضفاض سيقدم نسخة مخالفة للأصل المقدس؛ لأن الرسام الجيد وجب عليه تقديم نسخة مطابقة للأصل الذي اقترح عليه نقله بكل ما فيها من خطوط وتشابه، وكذلك المترجم الجيد وجب عليه إبراز عقلية وعبقرية الكاتب المترجم له، ولكي تكون النسخة منجزة جيدًا وجب ألا تظهر على أنها نسخة بل أصيلة جدًا، وكذلك الترجمة لكي تكون ممتازة وجب ألا تظهر على أنها ترجمة، بل عملًا طبيعيًا ونتاج عقلنا البحت.
القاعدة الرابعة: التعبير بمصطلحات مستعملة ومناسبة
القاعدة الرابعة: برأي صاحب الدراسة تتمثل في التكلُّم والتصرُّف مع كل شخص حسب عاداته وطبيعته وأن يعبِّر الكاتب عن مبتغاه بمصطلحات مستعملة ومناسبة لطبيعة الأمور التي نترجمها. فمثلًا لا يمكن ترجمة هذه العبارة اللاتينية adipe frumenti بشحم القمح، فعلى الرغم كون كلمة شحم هي المعنى المناسب للكلمة اللاتينية adipe، فإن كلمة شحم لا تتناسب مع طبيعة القمح، ومن ثمة فالاستعمال يفرض القول: زهرة القمح.
وفي الوقت نفسه لا يمكن مخاطبة شخص متحضِّر ومؤدَّب، بلسان البربر ولا لسان البدو؛ لأن ذلك لا يتناسب مع عادات وطبائع لا هذا ولا ذاك. ولذلك لكي نترجم جيدًا، وجب ألا نتوقَّف عند مخاطبة كلِّ شخص حسب عاداته وأهوائه، بل يجب أن تكون العبارات بمصطلحات سهلة وعادية، ومستعملة على الدوام، دون اللجوء إلى عبارات لم يسمع بها من قبل؛ لأنَّه توجد لغة كلام ليست جيِّدة للكتابة على الدوام لكنها تصبح كذلك بمرور الزمن.
القاعدة الخامسة: نقل الجمال بالجمال والصورة بالصورة
القاعدة الخامسة: العمل على نقل الجمال بالجمال والصورة بالصورة، فإذا وصل الأمر إلى تعذُّر تقابل الفواصل بين اللُّغتين مثلما هو موجود في أغلب الأحيان نلجأ إلى التعبير عن الصور كما هي والجمال مثلما جاء.
القاعدة السادسة: الإيجاز مفتاح الأناقة
القاعدة السادسة: حسب صاحب ترجمة بعض رسائل شيشرون، هي عدم اللجوء إلى الإطالة، وذلك إلا لجعل المعنى أكثر وضوحًا والترجمة جدَّ كيِّسة؛ لأنه لا يمكن القول إن هذا كاتب وهو لا يمكنه نقل الأمور بكلمات وجيزة وبمصطلحات دقيقة دالَّة، ويلجأ إلى الإطالة التي لا طائل منها، ويرخِّص لنفسه ما لا يسمح به للمتمدرسين الصغار.
وبإطالة الكلام الذي يترجمونه مثلما يفعلون غالبًا، تجدهم يفقدون المصطلح اللاتيني وقد يغيِّر أحيانًا معنى وكلمات الكاتب، ولهذا السبب تكون العبارات الموجزة جدًا والعادية جدًا، أكثر جمالًا والأحسن، وأملنا في قدرتنا على النقل بيتًا ببيت وأن يكون المترجم أكثر إيجازًا حتى من الأصل الذي ترجمناه.
القاعدة السابعة: السعي إلى الوضوح التام في الخطاب
القاعدة السابعة: هي السعي إلى الوضوح التام في الخطاب. ولهذا السبب نجد أن أفضل المترجمين يدركون أهمية تقطيع الفواصل؛ لأن الخطاب المترابط كثيرًا والطويل جدًا يكون أقلَّ وضوحًا من الموجز جدًا والدقيق جدًا؛ ولذلك وجب تقطيع الفواصل اللاتينية في حالة ما إذا كانت طويلة جدًا، لكون لساننا أكثر طولًا، فوجب مراعاة النفس التي تنتظر بشغف نهاية المراد قوله.
القاعدة الثامنة: التوازن في تجزيء الفواصل
القاعدة الثامنة: هي إلحاق الفواصل الموجزة جدًا ببعضها، في حالة ترجمتنا لكاتب أسلوبه دقيق ومتقطع، فلأنه يمكن أحيانًا تقطيع الفواصل الطويلة جدًّا، يجب في المقابل دائمًا إلحاق تلك الموجزة جدًا، وأن نفعل ذلك في كلتا الحالتين بأسلوب متوازن ومعقول وبحنكة.
القاعدة التاسعة والأخيرة: البحث عن الجماليات الخفية
القاعدة التاسعة والأخيرة: هي عدم البحث فقط عن أصالة الكلمات والجمل، مثلما يفعل أشخاص كثيرون، بل العمل على تزيين الترجمة بالفضائل وبالصور التي غالبًا ما تكون خفيَّة ولا يمكن اكتشافها إلا بالتركيز العالي، فمن الواضح والمعقول ألا نكتفي بنقل الجماليات الظاهرة في اللاتينية إلى الفرنسية بل أن نعمل على كشف كل تلك الجماليات الخفيَّة، وإذا شكَّل لفظ لاتيني تعارضًا مع كلمة أخرى في الوقت نفسه، وجب نقل ذلك التعارض بكلمتين من الفرنسية.

هذه بكل تأكيد القواعد لتكوين مترجم ممتاز، وبهذه القواعد يمكن التعبير بطريقة نبيلة وراقية، عن معنى سلسل جدًا، فيغدو بسيطًا وقويًا جدًا، إذا نقل بكل بساطته، وبهذه القواعد نتعلَّم كيف نلتزم الأمانة بالمعنى، دون المساس بكياسة الكلمات، ومحاكاة كياسة دون المساس بالأمانة، وبهذه القواعد يمكن تزيين الترجمة لنجعل النسخة أكثر جمالًا من الأصل.
وأخيرًا فبفضل هذه القواعد يمكننا تزيين لساننا وتبسيط جمالياته وكذلك يمكن لمن لا يتقنون اللاتينية تعلُّم كيفية التحدُّث أفضل والكتابة أفضل. فقد كان هذا العمل الصغير الأفضل لأحسن المترجمين وصاقلي اللِّسان الأوائل، فقد كان همِّي الأوحد فيه تبيان أجود طرائق الترجمة، وأفضل طرائق الكلام. وأظنُّ بأنني لست بحاجة إلى تبرير ذلك. واستعملت في الكتاب الثاني مصطلحات سهلة ومألوفة لتسمية المسمَّيات، وذلك لجعل الأمور أكثر وضوحًا للأطفال حتى لأولئك الذين لا يتقنون اللاتينية، ويرغبون في تحصيل المعارف.
ولم يبقَ لي إلا أن أقول للذين يطالعون هذه القواعد عذرًا عن الهفوات التي وقعت فيها؛ لأنَّ من المحال أن يكون الرَّسم الأول للأشياء متقنًا لأقصى حدٍّ وعلى الزمن استدراك نقائصه، فهذا العمل في مبتغاه البحث عن إزالة الغبن عن المترجمين باقتراح قواعد الترجمة هذه لإجادة ترجماتهم.
ونلاحظ في هذا المقام بأنّ غاسبارد دو تاند يتصور الترجمة كوسيلة لإثراء اللسان ولتحسين أسلوب الفرنسية، وهو في ذلك يقترب من بعض كُتَّاب عصر النهضة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.