سأكتم لواعج شوقي لمضمارٍ يتسابق فيه الود والعطاء.. ففي داخلي نهرٌ ساكن، يسيل ببطء، وقلبي ما زال دافئًا بحب الأرض التي أنتمي إليها، لكنني اليوم، أركن إلى الصمت، فقد بات الانتظار أكثر احتمالًا من مواصلة الصراع الذي أرهق الأرواح وأتعب القلوب.
تُمد الأيادي نحونا، تبحث عن الأمان، ونمدها بدورنا لعل في تلاقيها عزاء.. نهرع نحو الظلم لا لمواجهته دائمًا، بل أحيانًا لأننا اعتدنا عليه، مفضلين السكون على أن نُنبذ ونحن نحاول التغيير.
لهُنيهة، ارتجفت عيناي حين لمحت شظايا الدمار، وسمعتُ وقع الخطر يدنو، كأنما يستعد ليهمس في أذني صوت الخوف، فانهارت مشاعري، وتداعى كياني كله.
تعلقتُ بأملي الأخير، وقلت بصوتٍ خافت: أما من مكانٍ للرحمة في قلوبٍ غابت عنها ملامح الإنسان؟
جفّ حلقي من فرط الدمع، ومن صبرٍ طويلٍ على ظلمٍ امتد حتى كاد يخنق بصيص الفجر.
كل شروقٍ مرّ بي، كان أشبه بغروبٍ جديدٍ لأحلامي، حتى غدوتُ أُصغي لهمس قلبي، الذي ما زال ينبض، ولو ببطء.. نبضًا يرفض التوقف، على الرغم من كل ما به من ألم.
وجاء يومٌ، لم أتوقعه، تلاشى فيه الصمت، فعلت أصوات تطالب بالكرامة، شعوبٌ نهضت لتقول كفى.
ولم تكن دماؤها إلا صرخةً للحياة، لا رغبةً في الفناء.
الأرض ذاتها لم تعد تقبل أن تحتضن الألم، فانفتحت فيها فجوات كأنها ترفض أن تُثقل بدماء البريئون.
ينظر بعضهم لابتسامتي باستغراب، شعري المتناثر، وملامحي المرهقة.. تلك التي بدّدتها قسوة الأيام، وحرمتني من طفولتي، كما حرمت غيري من براءتهم حين فقدوا أحبابهم.
لكن ومضة أملٍ أضاءت طريقي، رايةٌ رفعت في داخلي، تقول إن النور ممكن ولو بعد عتمةٍ طويلة.
أُضحّي بنفسي لا طمعًا في مجد، بل حبًا بوطنٍ يستحق الحياة، ففتحت نوافذي للضوء، ولو لفحني بردُ الظلم أو مسّني بعضٌ من شقاء الماضي.
تسارعت أنفاسي بدهشة.. هل بلغ بهم العطش حد السُّم؟
أم أن رؤيتي لما وراء الأقنعة قد أيقظ فيهم غضبًا؟
ومع كل هذا، بقي قلبي نابضًا.. على الرغم من الطعنات، ما زال يحمل حبًا صادقًا، حبًا لا ينطفئ.. حبًا لا يزال ينبض.. ولا يزال ينبض.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.