"قلوبنا في الهوا نصيبها".. قصة رومانسية

ربما أنني أحببته لكنه لم يحبني، ربما أنه أحبني ولم يدرك ذلك إلا بعد وقت طويل، أو أنه كان أخر وهمي للنجاة من كل مخاوفي التي عشتها وحدي لسنوات، توسمت فيه أن يكون مأمَني، ثمة شعور بالأمان في أعمق نظرة داخل عيناه رغم الخوف البادٍ على وجهه حاولت بكل وسعي أن أصل إليه فنطمئن معًا لكن خوفه الدائم من اتخاذ أي قرار أعجزني عن ذلك، كانت المفاجأة السيئة في قصتنا أن كلانا عاش نفس التجربة قبل أن نلتقي، كلانا شبَّ على الخوف وعدم الثقة في أي شيء، كلانا خُذِل من عائلته، ومن قال أن "المجروح من عائلته لا يُشفى أبدًا" لم يكذب مُطلقًا، على كل حال كان هو الشخص الأول الذي اطمئن قلبي له وسط كل ندباتي.

في أحد الأيام وبعد أن كنت أحاول تجنبه تمامًا طلب لقائي لنتحدث، كان طلبه متأخرًا كثيرًا لقد يأست في أن أسمع منه شيء جديد، ومللت الانتظار أن يشعر بي، لطالما كرهت المنطقة الرمادية التي تجعلنا غير واضحين ومُسمى الصداقة الذي يجمعنا بينما معاملتنا ليست كذلك والأماكن التي تجبرنا أن نلتقي ونتحدث وكبريائي الذي يُلح عليَّ باخفاء ما أكِن له من شعور وعيناي التي تتبعه أينما كان رغما عني..كان يُظهر دائمًا أنه في غنى عني بينما أن من يتشبث به، قررت الرحيل في هدوء هذه المرة دون اختلاق الخلافات حتى وعدت نفسي بأن أتجنب كل التفاصيل التي تربطنا وأن أعيده شخصًا عاديًا وأضعه في أدراج خيباتي مُستردة قلبي لي وحدي مرة ثانية، فإذا به يطلب مقابلتي..ولم يكن هناك مبرر للرفض فوافقت.

استعددت للقائه  بشيء من الفضول نوعًا ما، خذلني مرات كثيرة كنت أنتظر فيها العكس، اقترابه مرة وبُعده المفاجيء مرة أخرى، وضعى في مكانة خاصة ومميزة، ثم جعلي عادية بل أقل،  لقد أرهقني حقًا، أحدث نفسي مالجديد إذن؟! 

-لا بأس سأعرف

كنتُ جميلة في هذا اليوم، جميلة ولكن عادية لم أحاول أن أتجمل أو أبدي اهتمامًا زائدًا بمظهري، قُلت لنفسي أن عاديتي جميلة ورُبما تُدهش أحدهم يومًا ما..

في أحد مقاهي وسط البلد تقابلنا في الموعد المحدد، كان يبدو عليه اللهفة والتوتر في هذا اليوم بينما سلّمت بابتسامة باهتة وجلست،

سألني عن حالي فأجبت: أنا كويسة وسألته وانت ايه أحوالك؟

ضحك وتعجب من كلمة أحوالي!!

-فقلت: أيوة أحوالك، انت مش واخد بالك إنك كل يوم بحال، قلت أسألك عليهم كلهم، الحق عليا

-على العموم أنا كويس طول ما انتي كويسة

ضحكت بصوت عالي لم أكن أقصد السخرية منه لكن الكلمة أصابت قلبي، منذ متى؟! ولو كان هكذا حقًا فمن الذي تسبب في حيرتي كل تلك الأيام السابقة؟!

 -أسفة مش قصدي والله ضحكت غصب عني

- ولو بمزاجك..حقك بردو

رأيت في عينيه نظرة تشي بالحزن وبكلام كثير يود أن يقوله لكن يبدو ثقيل على قلبه وكذلك لسانه، تناسيت كل شيء يؤذيني منه وبِـ عاطفتي المُعتادة سألته؛

  - مالك يبني فيه ايه أول مرة أشوفك كده؟!

سكت لحظات ثم قال،

- صدقيني مش عارف، بس انتي أول شخص جه في بالي لما الدنيا ضاقت عليا، حاسس انك بتبعدي عني بس أنا مش هقدر استغنى عنك، كل اللي أعرفه إني طول عمري خايف، معرفتش شعور في حياتي إلا الخوف..الأمان الي كل الناس بتلاقيه في بيتها أنا فقدته في نفس المكان الي المفروض ألاقيه فيه، بخاف أتساب وبخاف أسيب وبخاف أخد خطوة متكملش، بخاف  امشي في طريق مش عارف أخره ايه، بخاف أظلم حد زي ما اتظلمت..بخاف إني أخسرك..

كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها عن مخاوفه بذلك الوضوح..بكل هذا الكم من الخذلان في عينه، شردت للحظات لا أعرف بعدها ما أقول، وحتى هذه اللحظة لا يريد أن يقول شيء واضح تجاهي رغم علمه بأني أحبه، حاولت طمأنته وقول بعض الكلمات التقليدية التي أعلم أنها لن تجدي شيء..كان هذا كل ما أستطيع فعله حينها، أقسمت أن تكون المرة الاخيرة التي  أنتظره فيها..تحدثنا بعدها في مواضيع مختلفة وتجاوزنا كلامنا البائس، حان وقت ذهابنا فقمنا من المكان نتمَشّى إلى أقرب محطة مترو، كانت تحدثني نفسي بأحاديث متناقضة تمامًا، أسكت الضجيج في رأسه كلامه لي من جديد

-كنت عاوز أقولك شكرًا، شكرًا إنك موجودة وشكرًا على كل حاجة عملتيها عشاني

ضحكت وقُلت،

  -انت قالبها دراما وبجد أوي كده ليه، وعمومًا العفو يا سيدي.

سلّمنا على بعض ومضى كل واحد منا في طريقه، مشيت وأنا اعلم أنها المرة الأخيرة وأنني لن أعود بعد ذلك، سأتخلص من كل شيء يجمعني به، سأعرف كيف أجعله يكره حضوري مثلما جعلته يحبه يومًا، وضعت له بعض المبررات مثل أن الخوف يجلب الأنانية تباعًا وأنه ليس له ذنب في ذلك رغم كوني أكثر من تأذى من أنانيته..علمني دروسًا كثيرة، أن الحب يحتاج للشجاعة والتقبل والوضوح وإن لم يكن فهو ليس حبًا بالتأكيد..وأن سؤاله لنفسه هل أحبني أم لا فهو إجابة بالفعل لأن الحب أبدًا لا يعرف التردد، كأن ثِقلًا زِيح من على قلبي..كانت المرة الأولى التي فضلت نفسي فيها عليه، شعرت بعدها أنني أحب نفسي وأن العالم كله يُحبني فلا بأس إن لم يفعل هو..

فتحت الراديو أستمع إلى شيء يُسليني، فكانت الكلمات التي فتحت عليها مناسبة لحالتي تمامًا،

 "قلوبنا في الهوا نصيبها..حكاية واحدة متشابهة لكن نهاياتها مختلفة"

ابتسمت مُعلنة لنفسي أنني ارتضيت تلك النهاية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميل ورائع.. بُوركتِ وسلمت يداكِ...
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة