في زحامِ الحياة تختلطُ الأصواتُ وتتشابكُ الوجوهُ بلا أمان، حينها تتردّدُ في أعماقنا كلماتٌ صغيرةٌ تطرقُ الأبوابَ ثم تعودُ حَيران، كلماتٌ نخشى البوحَ بها، لا لفراغِها، بل خوفًا أن تُقابَل بالخذلان، أو أن تضيعَ وسطَ الضجيجِ كقطرةِ مطرٍ في سيلٍ جارفٍ بلا عنوان.
ومن تلك الكلمات تنهضُ عبارةٌ تَشُقُّ الصدر، وتُثقِلُ الكيان: (اهتمّ بي)، نداءٌ خجولٌ يَرجو أن يجدَ صدرًا رحيمًا وأذنًا تُصغي في حنان.
أن تقولَ لأحدهم (اهتمّ بي) هو أن تهبَهُ مفاتيحَ ضعفِك، وتفتحَ له أبوابَ الأسرارِ بلا كتمان، غيرَ أنَّ القلبَ يتساءلُ في وجل: هل يصونُ هذا العهدَ أم يتركهُ يتيهُ في النسيان؟ فكثيرونَ يَخشونَ طلبَ الاهتمام؛ لأنه اعترافٌ بالاحتياجِ، وتجرّدٌ من كلِّ دروعِ الكبرياءِ والعنفوان.
وحين تعجزُ الحروفُ عن الوصولِ إلى قلبٍ نابض، يعودُ الكاتبُ إلى الورقِ كما يعودُ العائدُ من ضياعٍ طويلٍ إلى أوطان، الورقُ لا يُجادل، لا يُخاتل، ولا يُهملُ حكايةً تنزفُ من الجَنان، كلُّ كلمةٍ تُكتبُ عليه تتحوّلُ إلى صدى يبدّدُ ثِقَل الروح، ويزرعُ فيها بذورَ الاطمئنان.
فالاهتمامُ ليس ترفًا، ولا ضعفًا يُخشى، بل حاجةٌ إنسانيةٌ تُشبهُ النورَ حين يُبدّدُ العتمات، والظلَّ حين يَحتوي التائهينَ على الأرصفةِ في هوان، كلُّ قلبٍ يحتاجُ قلبًا يربّتُ عليه، يسمعُ سكونَه قبلَ كلامِه، ويقرأُ أنينهُ في صمتِه كما لو كانَ أوضحَ البيان، الاهتمامُ هو الحضنُ الذي يذكّركَ أنَّك لستَ وحدك، وأنَّ حضورَك لا يذوبُ وسطَ الجموعِ كما تذوبُ قطرةٌ في بحرٍ مملوء بالحرمان.
إنَّ (اهتمّ بي) ليست كلمةً عابرةً، ولا رجاءً يُلقى اعتباطًا، بل صرخةٌ تُوجزُ رحلةً من وحدةٍ وانتظارٍ وامتحان، قد نتردّدُ في قولِها، وقد نخشى أن تضيعَ في الفراغ، لكنَّ حقيقتَها تبقى صافية: كلُّ إنسانٍ يحتاجُ إلى من يُنقذهُ بابتسامةٍ، بإيماءةٍ صادقةٍ، أو بلحظةِ حنان.
وفي عالمٍ يُجيدُ الضجيجَ ويُتقنُ الصخب، يبقى الاهتمامُ هو النغمةُ الوحيدةُ التي تُنقذُ الأرواحَ من الغربةِ وتمنحُها الأمان.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.