مما لا شكّ فيه أن العلم والتعليم هما عمليتان مهمتان لتقدم أي مجتمع من المجتمعات التي ترغب في الوصول إلى الارتقاء، والتنمية العاجلة، والاقتصاد القوي، فعندما ننظر إلى الدول العظمى مثل أمريكا، وروسيا، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، والصين، وكذلك دول النمور الآسيوية، وحتى التي تسير في ركب التقدم كالمكسيك، وكندا، والبرازيل، والأرجنتين، سنجد أنها أخذت بأسباب التقدم فوصلت إلى ما وصلت إليه من رفاهية ورقي رغم أنها ستظل بحاجة إلى غيرها من الدول، فهذه هي سنة الحياة، وهذا هو القانون الإلهي "لتعارفوا"، فالمجتمع جميعه بحاجة إلى بعضه البعض؛ لأن الغني لا يمتلك كل الموارد، بل يحتاج إلى استيرادها من غيره.
1.مفهوم العلم والتعليم:
هما عمليتان يقوم بهما الأفراد أو تقوم بهما المؤسسات، بغرض نقل الخبرات والمعلومات والثقافات والتجارب إلى الآخرين للوصول إلى الرقي، والكلمتان مشتقتان من مادة (علم) مع وجود بعض الفوارق بينهما، فالعلم هو مجموعة الخبرات والمعارف التي يكتسبها الفرد، وهو الموضوع والمادة التي يتعلمها الإنسان، أما التعليم فهو الطريقة والوسيلة والكيفية التي ينتقل بها العلم إلى الأفراد.
2.دور العرب في العلم:
لابد أن نعترف أن العرب قديماً قد امتلكوا بعض العلوم كعلم النجوم والأفلاك، فها هو شاعر العربية الجاهلي يقول مادحاً الملك النعمان:
ألم تر أن الله أعطاك صورة *** ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والنجوم كواكب *** إذا طلعت لم يبد منهن كوكب.
كما كانوا على دراية باقتفاء الأثر، وعلى علم بأنساب القبائل، وتأريخ الغزوات والمعارك، ومعرفة الشهور العربية لأداء الحج، وكذلك الشعر والنثر، لكنهم لم يتعدوا ذلك، حتى جاء الإسلام فأمر بالعلم والبحث والتفكير في السماوات والأرض فقال تعالى: "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب".
هنا بدأ الإنسان العربي في طلب العلم والبحث عنه، فسعوا في كل المجالات، لكنهم انشغلوا بالغزوات والفتوحات، ووضع أسس الدولة، والاستقرار حتى وصلنا إلى القرن الثاني الهجري في عهد الخلافة العباسية، فتنافس الخلفاء العباسيون في الاهتمام بالعلم وبمظاهر الحضارة، فنظروا إلى الدول التي سبقتهم في ميادين العلم، فوجدوا الفرس والهنود واليونانيين، فنقلوا علومهم وفنونهم وصنائعهم، بل نقلوا عنهم مظاهر الترف والبذخ في القصور، وألوان الطعام والشراب، فقال شاعرهم في وصف القصور:
صحون تسافر فيها العيون *** وتحسر من بعد أقطارها
وقال آخر في وصف الطعام الذي عرفه العرب عن الفرس:
ومرققات كلهن مزخرف *** بالبيض منها ملبس ومدثر
وقال آخر في رثاء قط:
يا هرُّ قد فارقتنا إلى الأبد *** وكنت منا بمنزل الولد
المهم أنهم نهلوا من معين ثقافة الفرس والهنود واليونانيين، لكنهم كانوا شديدي الحذر فيما يأخذون وما يتركون، فلم ينقلوا الفلسفة اليونانية؛ لأنها تقوم على مبدأ الشك، ولم ينقلوا المسرح اليوناني؛ لأنه يقوم على الأساطير وتعدد الآلهة، لكن الأمر المهم في نقلهم لعلوم الغرب القديمة أنهم أخذوا في ترجمة هذه العلوم إلى العربية، وهذه مكتبة دار الحكمة في بغداد شاهدة على حركة الترجمة التي شجعها الخلفاء العباسيون حتى كان الخليفة يكافئ من يترجم كتاباً إلى العربية بوزن هذا الكتاب ذهباً، وكانت لأسرة البرامكة المسيحية الدور الأكبر في عملية الترجمة، ثم أضاف العرب بعد ذلك إلى هذه الكتب إسهاماتهم وإبداعاتهم، وزادوا عليها وطوروها، فأصبحت علماً جديداً، وبذلك كانوا يقومون بعمل النمل وعمل النحل، ونقصد بذلك كما يجمع النمل طعامه ويضعه في مخازنه، جمع العرب العلوم، وكما يعمل النحل بالرحيق حيث يحوله إلى شراب مختلف ألوانه، أبدع العرب وطوروا وابتكروا في العلوم، فظهر النابغون من علماء العربية مثل ابن سينا، وابن رشد، وابن طفيل، والحسن بن الهيثم، والخوارزمي، والفارابي، وابن النفيس، ومحمد بن إبراهيم الفزاري وغيرهم الكثير، وظل هذا الحال من التقدم حتى ابتليت الأمة العربية بزحف التتار عليها، وكانوا قوماً لا حضارة لهم ولا علم، فاكتسحوا الدول في طريقهم حتى وصلوا إلى بغداد كعبة العلم والعلماء، وأحرقوا الكتب والمكتبات، وعبروا بخيولهم على الكتب في نهر الفرات حتى قيض الله للأمة بطلاً عظيماً هو السلطان المملوكي سلطان مصر (سيف الدين قطز) الذي خرج إليهم إلى الشام، وقاتلهم هناك، وقضى عليهم، وشتت فلولهم، ولولاه لفقدت الأمة كل تراثها وتاريخها وعقيدتها، ولكن الغريب في الأمر أن يحدث بين هؤلاء التتار الصراع والاختلاف وينتهي بهم المطاف إلى أن يدخلوا في دين الله أفواجاً، ويتحولوا إلى الإسلام.
هنا توقفت الحركة العلمية العربية وركنوا إلى التكاسل، وعاشوا على ظلال الماضي، وبدأ نجم أوروبا في الظهور بعد أن خبا نجم العرب الساطع، فحتى القرن الثالث عشر كانت أوروبا تعيش في دياجير الظلام تحت سيطرة الكنيسة التي حرّمت العلم، وفرضت عليهم الجهل حتى رأينا العالم (جاليليو) عندما قال بأن الأرض تدور حول الشمس؛ حاكموه واتهموه بالكفر والجنون، ونظر الأوروبيون حولهم بحثاً عن علم فلم يجدوا أفضل من علوم العرب، ونقلوها، وترجموها، ومن خلال هذه العلوم استطاعوا أن يتقدموا، ويبتكروا، ويصلوا إلى ما وصلوا إليه.
3.أهمية العلم:
لا شك أن العلم هو أقوى سلاح في حياة الأمم والشعوب، ووسيلتها إلى التقدم والحضارة، فلولاه ما استطاع الإنسان الوصول إلى سطح القمر، واختراع سفن الفضاء، وما كان الإنسان قادراً على اختراع الأسلحة الفتاكة، والدبابات، والطائرات التي تجوب السماء، ولا توصَّل إلى المفاعلات الذرية التي تعطي طاقة كهربائية هائلة، ولولا العلم ما استطاع اكتشاف كنوز الأرض واستخراجها، واختراع وسائل المواصلات، وتوفير الطعام، وبناء السدود، والاستفادة من طاقة الرياح، والشمس وغيرها، فالعلم هو القادر على تغيير حياة الإنسان إلى الأفضل على هذا الكوكب الذي يعيش عليه حتى تغنَّى الشعراء بالعلم فقالوا:
العلم يبني بيوتاً لا عماد لها *** والجهل يهدم بيوت العز والكرم.
لكن رغم أهمية العلم علينا أن نستخدمه فيما ينفع البشرية، ويسعدها، ويحقق لها الرفاهية والرخاء، ويجنبها الحرب والدمار، وقتل الأرواح، وإزهاق الأنفس، وتخريب الحضارة، وتدمير الإنسانية.
4.كيف نرتقي بالعلم والتعليم:
إذا أردنا أن نتقدم ونتطور ونقف في مصاف الدول الكبرى فسلاحنا الأساسي هو الارتقاء بالعلم والتعليم، ليكونا الرافد الأول من روافد تقدمنا، وعلينا أن نثق في أنفسنا، وقدراتنا، وإمكاناتنا، ونبدأ من حيث انتهى الآخرون في العلم، فنأخذ أحدث النظريات العلمية وما وصل إليه الغرب ثم نبني على ما نأخذه، ونطور، ونبدع، وعلينا أن نعلم هذه الحكمة "هذه بضاعتنا نردها إلينا"، ولا نكتفِ بأن نكون مستوردين فقط أو مستهلكين للتكنولوجيا، وسوقاً لتصريف بضاعتهم.
ويمكن أن يتحقق ذلك عن طريق الآتي:
أ. الاهتمام الجيد بإعداد المعلم إعداداً جيداً، تربوياً، وعلمياً، ورياضياً، وصحياً، وتقديره معنوياً ومادياً، وجعله على هرم السلم الوظيفي، مع ضرورة الإشراف الجيد على العملية التعليمية وضبطها. ب. لا بدّ من إرسال البعثات التعليمية إلى الخارج في جميع التخصصات من الطلاب الفائقين، ومن العاملين المهرة، والأطباء، والمهندسين وغيرهم، ليقفوا على منجزات العصر كما فعل محمد علي من إرسال البعثات التي كان لها دور في التعليم في مصر، فوجدنا رفاعة الطهطاوي يعود من البعثة وقد أجاد الفرنسية، وترجم نشيد (المارسليز) الفرنسي، وألف كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وإليه يعود الفضل في إنشاء مدرسة الألسن.
ج. تطوير الدراسة بالجامعات، والمدارس بجميع مراحلها، والاهتمام بجانب البحث والنقد والتحليل.
د. توفير الوسائل التكنولوجية داخل الجامعات والمدارس حتى يصبح كل متعلم قادراً على استخدام التكنولوجيا استخداماً جيداً.
هـ. إعادة قراءة الكتب والمؤلفات التي تركها علماء العرب، واستقصاء ما فيها من معلومات، ودراستها، ونقدها، وتحليلها والتعليق عليها.
و. ترجمة الكتب العلمية الأجنبية إلى اللغة العربية، وتوفيرها، وتوفير المراجع في الجامعات والمدارس.
ز. تبادل الخبرات والثقافات والمعارف مع الدول المتقدمة علمياً، والاهتمام بطلاب التعليم الفني وتدريبهم عملياً داخل الورش، والمصانع، والمزارع، والمعامل، والمستشفيات.
ح. الاهتمام بمراكز البحوث في كل المجالات، وتطويرها، والاستفادة من البحوث المتقدمة في الجامعات - رسائل الدكتوراة والماجستير - التي امتلأت بها أرفف المكتبات في الجامعات دون الاستفادة منها أو تطبيقها، وكذلك هيئة براءات الاختراعات التي بها آلاف الاختراعات، فلابد من الاستفادة من هذه الاختراعات وتنفيذها علمياً ومحلياً ثم تجارياً لتصبح لنا قوة ومكانة في العالم.
ابداع رائع
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.