العلمانية هي كلمة فضفاضة واسعة المعاني، وهي تنطق بكسر العين أو فتحها فإذا نطقت بكسر العين فتكون الكلمة مصدرا صناعيا فإذا ما حذفنا التاء المربوطة من الكلمة وقلت (العلماني) بكسر العين فهي اسما منسوبا إلى العلم والدالة على التفكير العلمي حقا لا التفكير الخرافي، والعلم في الإسلام من ألزم الأمور الواجبة بل إن الله جعله فريضة من الفرائض، فقد كانت أولى الآيات التي نزلت هي (اقرأ باسم ربك الذي خلق).
والعلم من أهم متطلبات الحياة لما له من عظيم الأثر في تقدم الشعوب ونهضتها ولا ضير في العلمانية حين توجهنا إلى ركب الحياة المتقدمة، وربط كل ذلك بالقلم الذي له قيمة كبيرة في حياة البشرية. سواء كان ذلك العلم (علما دينيا أو علما دنيويا). وكلنا يعلم ما أحدثته الثورة العلمية والصناعية في حياة أوربا وأمريكا من صناعة السيارات والطائرات وسفن الفضاء التي كان لها الفضل في كشف الفضاء والنزول على سطح القمر، والبحث في حقائق الكون، فالعلماء ورثة الأنبياء إذن الكثير من الكتب السماوية والأحاديث جل الآيات القرآنية والأحاديث فيها دعوة لطلب العلم والسعي في الأرض ومعرفة الخلق والخالق. لكن المفهوم الآخر للعلمانية بفتح العين فإنما تعني أنها حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة، إلى الاهتمام بالأمور الدنيوية، والإنجازات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتأسيس القيم السلوكية على اعتبارات الحياة المعاصرة، والتضامن المجتمعي دون النظر إلى الدين، أو بمعنى آخر هي الإلحاد وإنكار الخالق وعبثية الوجود وعدم الإيمان بالآخرة.
نشأة العلمانية
كان منشأ العلمانية في أوروبا في عصر النهضة الأوروبية وذلك لمحاربة سيطرة الكنيسة على المجتمعات الغربية، ومحاربة تنظيم الناس على اعتبارات دينية وإنما على اعتبارات إنسانية تساوى بين أفراد المجتمع، وقد ظهرت في فرنسا 1790م وتبعتها العديد من الدول، مثل أسبانيا والمكسيك وتركيا وغيرها من الدول، ثم انطلقت هذه الدعوة إلى الشرق في ركاب الإحتلال الأوروبي وكذلك البعثات الدراسية والإعلام، فها هو طه حسين عميد الأدب العربي يعود من فرنسا فيكتب كتاب (في الشعر الجاهلي) ينتقد الأدب العربي والتراث العربي فيواجه بشيوخ الأزهر ويتراجع عن بعض كتاباته.
ولكننا إذا أردنا الحقيقة والإنصاف فإن العلمانية بفتح العين أي (الإلحاد) كانت أسبق من ذلك بكثير في حياتنا العربية ففي زمن الدولة الأموية وجدنا الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أراد أن يستفتح أي يتفاءل بالقرآن ففتح القرآن فكان قول الله تعالى "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" فما كان منه إلا أن ضرب بالقرآن عرض الحائط قائلا:
تهددني بجبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يارب مزقنى الوليد
وكان يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ويقول:
تلعب بالخلافة هاشمي بلا وحي أتاه ولا كتاب
فقل لله يمنعني طعامي وقل لله يمنعني شرابي
وها هو بشار بن برد الفارسي المسلم في ظل الدولة العباسية يقول:
إبليس أفضل من أبيكم آدم فتبينوا يامعشر الفجار.
وها هو أبو نواس الشاعر الفارسي المسلم أيضا يقول:
مالي وللناس كم يلحونني سفها ديني لنفسي ودين الناس للناس
ويقول: الراح شيء عجيب أنت شاربه فاشرب وإن حملتك الراح أوزارا
يا من تلوم على حمراء صافية صر في الجنان ودعني أسكن النارا
كما قتل (ابن المقفع) أعظم كتاب عصره بسبب زندقته وإلحاده فقد دعي إلى طعام فأخذ يتمتم بكلام غير مفهوم فعلم الخليفة بإلحاده فضرب حتى تقفعت أي تورمت قدماه.
فعندما اتسعت الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي والعباسي وأصاب العرب كثيرا من الغنائم، ورأوا مظاهر الحضارة الفارسية والرومانية، فعاشوا حياة البذخ والقصور وتمتعوا بالترف، تخلوا عن بعض تراثهم فشاعت بعض العادات مثل اللهو والمجون والخلاعة والزندقة (الإلحاد)، وهذه الفترة من نهاية عصر الخلفاء وحكم بني أمية حتى الدولة العباسية، وللحقيقة إن هؤلاء الشعراء والكتاب الذين تميزوا بفحش أقوالهم كانوا من فئة الموالي الذين فتحت ديارهم لكنهم في النهاية منتمون للعروبة، وليس معنى ذلك أنه أمر لا يعنينا، بل يهمنا جيدا لأنه يوضح ضعف سلطة الخليفة، وأن هناك جو من الانفتاح والحرية، وانحلال المجتمع وتراجع القيم، وأيضا في زمن أبي بكر كانت هناك حركة أشبه بهذه العلمانية والتي طالبت بترك بعض الفرائض، ولا يغيب عن أذهاننا أن أوربا في القرن السادس عشر في زمن النهضة أخذت في نقل التراث العربي والثقافة العربية وترجمة التراث العربي وظهرت حركة الاستشراق والمستشرقين، وهم الأدباء الغربيون الذين تخصصوا في دراسة آداب الشرق وثقافته، وعنوا بها مثل (إغناطيوس جويدى_سيلفستر دى ساسى_زيغريد هونكة _كارل بروكلمان _ليندم بدول) وغيرهم الكثير فنقلوا ونهلوا من ثقافتنا وعلقوا وشرحوا ونقدوا، وهناك في مكتباتهم مئات المخطوطات العربية الأصيلة وربما نقلوا من بين ما نقلوه عنا (العلمانية) من خلال ما تركه بعض فلاسفة العرب ومفكريهم وشعرائهم وكتبهم، ولا ننسى دور المعتزلة والأشاعرة في علم الكلام وأبن سينا وأبن رشد وأبن طفيل في الفلسفة والفكر وبشار وأبي نواس وأبي العتاهية والوليد بن يزيد في الشعر والقائمة يطول شرحها.
وقد تعددت صنوف العلمانية في أوروبا فمنها:
- العلمانية السياسية: والتي تهدف إلى إبقاء المجتمع بعيدا عن الدين وإبقاء الأفراد بعيدا عن الصراع الديني.
- العلمانية الفلسفية وتهتم بنقد الأديان وتحدى السلطة.
- العلمانية الاجتماعية الثقافية: وتهتم بحياة الناس اليومية والابتعاد عن الدين.
وقد مرت العلمانية بمرحلتين: الأولى هي العلمانية المعتدلة والعلمانية المادية وهي أسوأ مراحل العلمانية بل أنها شديدة الخطورة في المجتمعات، لأنها تقوم على إلغاء الإيمان والدين بشكل كامل وهذا هو مكمن الخطورة. وعلى كل فنحن بحكم عروبتنا وهويتنا التاريخية والدينية والثقافية، إن أردنا أن نأخذ بشيء من المبادئ العلمانية فعلينا أن نأخذ منها بحرص وحذر فنهتم بالعلم ونطور من أنفسنا ونسير في ركب التقدم ونبدع ونتفوق، ونطور من أنفسنا مع الحفاظ على هويتنا المسيحية والإسلامية كمجتمعين متقاربين دون مغالاة. وعموما نحن العرب نتسم بخصائص ومميزات خاصة بنا وفق مبادئنا وعموما فإن هذه العلمانية رغم انتشارها في كثير من الدول شرقا وغربا، فإن نجمها قد أخذ في الأفول الآن لأنها ولدت صراعا واختلالا فى القيم عند الغرب وتغول الدول الأوروبية على كثير من دول العالم وانهيار منظومة القيم والأخلاق، فأصبح الاحتكام إلى السلاح عندها فكفر بها كثير من الأوروبيين كما كفروا بالشيوعية والماركسية واللينينية واتجه الآلاف منهم يوميا إلى دائرة أخرى في أمريكيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول، بسبب طغيان الحياة المادية عليهم ،ومن أمثلة ذلك الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي وزوجته صاحب التوجهات العلمانية والروفيسور سير جيفرى لانج والذي كان علمانيا وناشرا للعلمانية المادية وغيرهم الآلاف لأنه في نهاية الأمر بريق العلمانية خبا وقل عدد المنادين بها وبدأت تظهر نزعات إنسانية تهتم بالإنسان وتعتبره اللبنة الأساسية في بناء المجتمع وتسعى لتوفير احتياجاته المعيشية اليومية...
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.