انطلاقًا من أن المسرحيات العربيات يمارسن الكتابة جزءًا من ممارسة الحياة دون أن تنفصل نصوصهن عن قضاياهن وقضايا قريناتهن العامة والخاصة بكل ما فيهما من تفاصيل؛ فإنه يمكن إدراج تناول إبداعهن تحت باب النقد الأنثوي، فحسب تقسيم توريل موي يمكن أن يقسم حقل النقد النسوي ونظرياته اليوم، في إطار هذه الخلفية، إلى فئتين أساسيتين: النقد الأنثوي و(نظرية الأنوثة).
ويمكن للنقد الأنثوي -الذي يركز بطريقة أو بأخرى على النساء- أن يصنف على أنه نسوي أو لا نسوي، أو على أنه يخلط الأنثى بالنسوية، أو على أنه يدمج الأنثى بالأنوثة، فدراسة حيادية سياسيًّا لمؤلفات نساء ليست بالضرورة نسوية، ومع ذلك يجب أن نؤكد أن أي اهتمام بكاتبات في محيط يهيمن عليه الرجال يعد تأييدًا لمشروع النسويات الذي يتضمن وضع النساء محط الأنظار[1].
وهذا التصور كان الأقرب في ظني لتطبيقه على تناول الكاتبة المسرحية العربية لقضايا مجتمعها عمومًا وقضايا المرأة العربية داخل هذه المجتمعات على وجه التحديد.
وهنا لا بد أن نتوقف لنتساءل هل يمكن للتنظير النقدي القائم على التأصيل لمبادئ النسوية أن يتناول من قريب قضايا المرأة العربية المطروحة في نصها المسرحي ذي المكونات المعرفية والطبقات الثقافية العربية؟
وإذا أردنا –بصدق- أن نجيب عن هذا السؤال فسنجد أن المرأة العربية –في معظم أحوالها في طبقات اجتماعية متباينة- لم تزل تقف عند مطالب الموجة النسوية الأولى في نهايات القرن التاسع عشر التي كانت تطالب بالمساواة مع الرجل وركزت على اكتساب بعض الحقوق السياسية.
إضافة إلى تقليل حدة تعاسة النساء المتزوجات بسبب منعهن من اقتحام العديد من المجالات العملية التي كانت حِكرًا على الرجل، وضمان حق المرأة التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة في العمل، وتأمين ذلك العمل وضمان العدالة في الأجر.
أما الموجات التالية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في أمريكا، والمطالبة بالمساواة الجنسانية وغير ذلك، والحقوق المدنية والطلابية، وفي بريطانيا في الآونة ذاتها ارتبطت بمطالب النساء في المساواة في الأجر مع الرجال، فيما عرف بالنضال العمالي النسائي.
وفي مرحلة ما بعد النسوية التي كانت إحدى تجليات ما بعد الحداثة أغفلت مسألة الجنس، وقضايا النساء كحقوق العاملات والعنف المنزلي والجنسي، وتضمنت نساء من جميع الطبقات، وهناك النسوية الراديكالية التي طالبت بقلب المجتمع القائم على النظام الأبوي رأسًا على عقب، والنسوية الماركسية كاتبات هذا الاتجاه بالمساواة في الأجور وساعات العمل بين الرجل والمرأة[2].
وهذه المشكلات وإن كانت جميعها تقع ضمن أزمات المرأة العربية، لكن الأزمة الأصلية التي تنبثق منها أزمات المرأة العربية هي أزمة ثقافية بالأساس، ذات أبعاد نفسيه وأطر اجتماعية شديدة الخصوصية لا تلتقي مع الأزمات التي تواجهها المرأة في مناطق جغرافية أخرى، ولا ترتبط ارتباطًا أساسًا بالأطروحات النسوية التي تم تناولها في عقود سابقة.
أي إننا لا بد لنا حين نريد الإجابة عن هذا السؤال أن نقف على أن الكتابة للمبدعة العربية من المحيط إلى الخليج فعل حياة؛ كثيرًا ما تتخذ المرأة منه وسيلة لحل تناقضها مع الرجل أو الأم أو ضوابط المجتمع الذكوري ضغوطه؛ فهي «لا تكتب من أجل السيطرة على الرجل كما يفعل هو بواسطة القانون والأدب بل هي ترمي من الكتابة والكلام إلى تفجير الكبت الموجود بداخلها ومحاولة الرد على القهر الوجودي العام الذي تمارسه عليها العلاقات الاجتماعية والنفسية الذكورية»[3].
لذا فتوجد فروق لا بد من إيضاحها بين الأدب النسوي الذي يمكن للرجال والنساء أن يكتبوه على حد سواء، وبين ذلك الأدب الذي يتناول قضايا المرأة، وهو المصطلح الفرنسي الأصل الذي ظهر واستقر في سبعينيات القرن التاسع عشر، وكان هذا المنتوج ضمن موجات تلاحقت فيما بعد من الاعتراض على النظام السلطوي الأبوي، وحينئذ «حاولت المرأة جاهدة إيصال صوتها للعالم من طريق الكتابة النسائية والمطالبة بحقوق النساء»[4]، وبين الأدب النسائي -الذي يقع ضمنه معظم منجز الكاتبة المسرحية العربية- وتنتجه الكاتبة العربية معبرة عن أزمات المرأة العربية التي ذكرنا أسبابها آنفًا.
وأود أن أخلص من ذلك إلى أن هذه الدراسة لا تندرج بوضوح تحت مصطلح (النقد النسوي)؛ كونه مرتبطًا في نشأته الفكرية بمطالب سياسية تخص المرأة، وفي تعريفاتها المتعددة فإن (النسوية Feminism) عند جوليا كريتسيفا بالأساس نعت سياسي يدعم أهداف حركة المرأة الجديدة التي بزغت في أواخر الستينيات من هذا القرن، وعليه فإن «النقد النسوي، إذن، هو نوع خاص من الخطاب السياسي: هو تطبيق نقدي ونظري يلتزم الصراع ضد الأبوة وضد التمييز الجنسي»[5].

وفي ظني أن المبدعة العربية طالما تحرَّك تناول منجزها الإبداعي عمومًا، ولا سيما المسرحي، بين المصطلحات الثلاث التي طرحتها موي في مقالاتها (النسوية، والأنثى، والأنوثة)؛ وفقًا لتطور الوعي الثقافي والمعرفي والمسرحي، ولعل الرؤية العربية للمصطلح، لا تجلي الفروق بينها.
وفقًا لما ارتاح إليه كثيرون من إجراء منطق العربية على المصطلح الأجنبي، فحين مقارنة هذه المصطلحات «علينا أن نميز أولًا بين مفهوم كتابة النساء women writing ومفهوم الكتابة النسوية feminist writing. فالأول يعني ما تكتبه النساء من وجهة نظر النساء سواء كانت هذه الكتابة عن النساء أو عن الرجال أو عن أي موضوع آخر. أما الثاني فيعني الكتابة من وجهة نظر نسوية سواء أكانت هذه الكتابة من إبداع المرأة وهي الغالبة لأسباب نفترض أنها مفهومة ومبررة، أم من إبداع الرجل وهي النادرة، ويجب عدم الخلط بين المفهومين»[6].
وفي المقابل؛ فإن هذه البحث اعتمد منهجًا نقديًّا وحيدًا، وهو المنهج التحليلي بخطواته ومراحله الثلاثة الأشهر والمتفق عليها بين معظم النقاد وهي: التفسير والنقد والاستنباط، بتطبيق إجراءات نقدية تطبيقية الطابع في أغلبها؛ بغية استخراج القوانين التي حكمت النصوص التي طرحتها الكاتبة العربية وتناولت فيها فكرة الحرية بأسلوب أو بآخر، وتجلياتها التي تختلف من بلد إلى آخر في رقعتنا الجغرافية الممتدة من المحيط إلى الخليج.
وسوف أحاول في هذه الدراسة مناقشة قضية الحرية من منظور ورؤية الكاتبة العربية من المحيط إلى الخليج؛ التي تتطلع اليوم إلى مزيد من الاستقلال عن هيمنة السياق الذكوري في المسرح، شأنه شأن كل أنشطة الحياة في عالمنا العربي، والاطلاع على كيفية طرح الكاتبة العربية لقضاياها الشائكة، وعلى رأسها قضية الحرية بمختلف أوجهها وتجلياتها، فاستطاعت الكاتبة في مختلف بقاع عالمنا العربي وبكل جدارة أن تزيح الستار عن القضايا المسكوت عنها في حق المرأة وحق غيرها كذلك، بما يحقق لهذه النصوص خصوصية إبداعية وثقافية.
وعليه؛ فإنني تخيرت أن يكون عنوان الدراسة الفرعي الخاص بالجزء التطبيقي (قضايا الحريات في نص الكاتبة المسرحية العربية نموذجًا)؛ لعدِّه التطبيق الأقرب لاعتماد مصطلح كتابة النساء women writing، دون الولوج إلى تفاصيل حقل النسوية feminism بشكل أو بآخر، لعدم مناسبتها تاريخيًّا لمطالب العربية وأزماتها في اللحظة الراهنة، لكن الدراسة بالضرورة ستتفاعل مع بعض نواتجه بوصفه مصطلحًا يشير إلى «مذهب يدافع عن النساء وحقوقهن، وضرورة أن تكون لديهن فرص مساوية لفرص الرجال»[7]، وإن كانت الأزمة العربية في هذا الجانب أكثر اتساعًا.
تتماشى الدراسة في بعض مواطنها مع رفض كثير من المبدعات حصر نتاجهن تحت مسمى (الأدب النسائي) وهو «ما ترفضه كثيرات من المبدعات لأنه يحصرهن في غيتو بيولوجي»[8]. والتعامل مع نتاجهن على أنه (نتاج فئة)، وفي الوقت نفسه فإنها لا تتجاهل جنس الكاتبة؛ كون ذلك عاملًا مؤثرًا -في بعض الاحيان- في استقراء نواتج العمل على أسس سليمة.
لابد من الإضاءة على أن الكاتبات العربيات من المحيط إلى الخليج، بمختلف أجيالهن وأزماتهن، لم يمارسن فنون الكتابة بكل أصنافها ليدافعن فقط عن قضايا المرأة المسلوبة في ظل هيمنة الرجل، بل كنَّ يملكن من الأدوات ما يمكنهن وبجدارة من السير بالتوازي مع الكتاب الرجال على مستوى الكيف وجدة الطرح، دون أن يستطعن مجاراتهم في الكم لأسباب متعددة قتلت بحثًا في كثير من الأطروحات والرسائل والمقالات.
غير أن المرأة العربية لديها من القضايا ما يختلف عن قضايا المرأة في الغرب ومن أهم تلك القضايا المسكوت عنها التي عانت منها المرأة قرونًا طويلة، وذلك لأن العمل الأدبي الذي تقدمه المرأة ليس إلا نتيجة لرؤيتها الخاصة للعالم الذي تعيش فيه التي تطرحها من وجهة نظرها التي تتبناها لقضايا المجتمع وقضايا المرأة ونتيجة لرؤيتها للواقع الذي يحصر المرأة في دور هامشي في كثير من الأحيان، ما ولَّد واحدة من أشهر أزمات المرأة العربية وهي (حرية الاختيار).
وهو ما طرحته فتحية العسال على سبيل المثال في نصها العمدة في سياق الحريات (سجن النسا) الذي جاء فيه: «ليلى: بس العيب مش عليهم لا العيب على اللي بيسبوهم يظملوا كده ما هو العيب مش على الظالم لا العيب على اللي بيسكت على ظلمه وعشان كدا يا سلوى من دلوقت أنا مش هأقول يا قهرة قلبي على عمري اللي اتسرسب من بين صوابعي زي المية لا أنا اللي أستاهل أنا اللي رضيت وعشت عامية وأنا بأشوف وطرشة وأنا بأسمع وخرسة وأنا بأتكلم.
ومن دلوقتي بأقولها بعلو الصوت أهو عليّ الطلاق من حياتك يا سليم ومن حياة زي حياتك ولو كنت دخلت السجن المرة دي عن طريق الصدفة المرة الجاية حأدخله لأني مش هأسكت على أيّ شكل من أشكال الظلم ولا الزيف ولا الكدب.. الكذب اللي خلاني لبست باروكة صفرة عشان أبقى جوة الفرمة لا الباروكة أهي وتخلغ الباروكة الصفراء ة إذا بشعرها أسود ناعم تفرده وتهزه في زهو وشعري الأسود أهو وعمري ما فرطت فيه»[1].
وبذلك يتجلى تمكُّن الكاتبة في وصف السجن الذي فرضته (ليلى) على نفسها وذلك بسكوتها عن حقها في رفض ظلم (سليم) لها، بتعبير ذكوري خالص (عليّ الطلاق) وتتجلى في وصفها لها بأنها كانت عمياء وهي ترى وكانت بكماء وهي تتحدث وكانت صماء وهي تسمع وكذلك في استبدالها لشعرها الأسود بشعر مستعار (باروكة صفراء) حتى تصبح ملائمة للشخصية التي فُرضت عليها أن تعيشها، وحين تخلع ليلى الباروكة (رمز سجنها النفسي التي كانت تحيا بداخله عمياء، صماء، بكماء) وتتحرر منها مزهوة بشعرها الأسود الناعم وتقول أنها لم تفرط فيه لكنه كان أسيراَ تحت الباروكة الصفراء.
وعلى الثيمة نفسها نجد روعة سنبل تؤسس لفكرة السجن النفسي لكن بأبعاد دلالية أخرى تشتبك مع الحال السوري الراهن في مسرحيتها نقيق[2]، الذي يعرض لفكرة القيود النفسية التي لا تحتاج إلى حوائط أو سجان: «مي: افهمني أرجوك, ابنُكَ بحاجة لك, صار في الخامسة وأنتَ بالنّسبة له عمذار الذي يرسل الهدايا بين الحين والآخر, والذي يراه على الشاشة مرّة أسبوعياً, هداياكَ لم تعد تغريه, واتّصالاتك المقتضَبة لم تعد تكفيه, حتّى إنّه لا يناديك بابا».
«عمّار: لا مشكلة،, هذا طبيعيٌّ بالنّسبة لحالتِها, المهم أن تتحدّثي معها باستمرار, وأن تواظبي على أدويتها, وأن تنتبهي كي لا تغافلكِ وتخرج من البيت فتضيع.
مي: ليتكَ تقبلُ أن ننقلَها إلى مأوى العجزة.
عمّار: (بانفعال) تناقشْنا في هذا مئة مرّة يا مَي, عيبٌ أن ألقيَ أمّي في مأوى العجزة, ماذا سيقول الناس عني؟
مَي: هذا كلّ ما يهمك؟ النّاس؟ ماذا عنّي أنا؟
عمّار: ما بكِ أنتِ؟ ما الذي ينقصُك؟».
إن البنية النفسية للمرأة تختلف عن البنية النفسية للرجل ما «يفرض وضعًا نفسيًّا مغايرًا في الكتابة النسائية، البنية الاجتماعية الانطوائية المفروضة على المرأة تختلف عن البنية الذكورية المهيمنة»[3]، وهو ما طرحته روعة في نصها برهافة دون أن تخفي الأبعاد السياسية والثورية للأمر:
«مَي: عد يا عمار، الأمور هنا في تحسّن، يمكنك أن تؤسّسَ عيادةً وسط المدينة.
لن أؤسّسَ شيئًا فوق هذا الخراب، ثم إن الأوان قد فات، وقّعتُ أمس عقدًا جديدًا لعام آخر».
ونجدها في مباغتة مناهل السهوي لنا في افتتاحية مسرحيتها (بطارية لمصباح اليد): «المسرح معتم، على اليسار باب يتدلى من السقف»[4]. فالباب المتدلى من السقف يرمزهنا للحرية، وهو السبيل الوحيد للخروج من الغرفة المعتمة إلى البراح.
سارة: لماذا يحتاج أحدنا، الخروج من مكان مظلم؟ (صمت) مكان لا يرى فيه حتى نفسه.
تخرج الرسالة من جيبها، تشغل المصباح الصغير وتقرأ «عزيزي، أظن أن الأمر يزداد سوءًا، منذ البارحة أبحث عن مفتاح المنزل لكني لا أجده، منذ البارحة لم أتمكن من الخروج، لا أستطيع ترك الباب مفتوحًا، لا يوجد شيء مهم في الداخل، لكن الحاسوب المحمول هناك وعليه بعض بيانات تخص العمل، لا يعنيني أن يسرق هو والبيانات، لكني لا أستطيع تحمل العراك الذي سينشب مع المدير وخصوصًا أن الحاسوب ملك للشركة، فكرت بحمله معي، لكني أود الخروج للتنزه ولا أود حمل شيء معي، هذا الحاسوب يسبب لي أرقًا منذ البارحة، فكرت أن أضع كلبي على الباب، لكن لا أظن أنها فكرة جيدة فمنذ شهر توقف عن النباح على الإطلاق وأظن أن الأمر يتعلق بحاجته إلى شريكة تبادله الحب، فهو لم يسبق أن جرّب مثل هذا الأمر من قبل، على الرغم من أنه بلغ 6 سنوات، أود سؤالك، هل تتوقف الكلاب عن النباح إن لم تمارس الحب!»[5].
هنا تطرح الكاتبة خطين متوازيين للحرية، حرية سارة التي تتوهمها في مصابح اليد الذي يساعدها على قراءة الرسائل ومعرفة حال من بخارج الغرفة، في حين المرأة التي خسرت حريتها مؤقتًا، وذلك بضياع مفتاح البيت ووجود حاسوب الشركة الذي يمثل السجان لها لأنها لا تستطيع مغادرة البيت للتنزه ما دام كان ذلك الحاسوب موجود وهي لا تريد أخذه معها في نزهتها، وكانت فرصتها الوحيدة للخروج هي ترك الكلب أمام البيت والباب مفتوح لحين عودتها ولكن الكلب كفّ عن النباح منذ شهر.
«سارة: لماذا يجب أن نملك كثيرًا من الأشياء ونقلق طول الوقت خوفًا من سرقتها!»[6].
وتطرح علينا الكاتبة سؤالًا تكمن خلفه تساؤلات كثيرة عن سرقة الأشياء التي نمتلكها لخططنا وحرياتنا «سارة: الكلب توقف عن النباح وأنا أيضًا.. العدل لم ينصف الكلب وأنا.. كلانا لديه أسبابه»[7]، لتدفعنا إلى التساؤل ترى هل تتساوى بطلة مسرحيتنا هنا مع الكلب فكلاهما فقد حريته في الاختيار ولا يستطيع التعبير عن رفضه حتى بالنباح (للكلب) الصراخ (لسارة).
وتطرح مناهل فكرة الوصاية الأبوية التي تقف عائقًا في أغلب الأحوال أمام فكرة توفير حرية الاختيار للفتاة العربية «الرجل: ألهذا ذهبتِ إلى الحرب إذن؟ ألهذا أنت أشبه بالميتة التي تبحث لها عن أب وسط الحرب؟»[8].
ويستأثر بها الرجل فعلًا حين يتساءل هل عندما تفقدنا الحرب حريتنا في الاختيار تتساوى عندنا كل الفرص فرصة البقاء وفرصة المشاركة في الحرب كلهم سواء؟ لينهي الحوار بلهجة آمرة «توقفي عن الكتابة في أحاديثك اليومية، توقفي عن تخيُّل أحداث أخرى»[9].
صفع الرجل سارة بكلماته، (ولاحظ/ي معي هنا أنها لم تسمه، وإنما تركته رمزًا مفتوح الدلالة لكثير من الرجال العرب ذوي التركيبة النفسية المتشابهة وربما المتطابقة في بعض الأحوال)، لكنها (تختار) أن تذهب للحرب بحثًا عن الحرية، لتترك لنا فضاء للتأويل عن تمسكها بالكتابة على الرغم من اختيارها دور المقاتلة:
«سارة: لا فرق بين أي شيء وشيء آخر في هذه الحياة.
الرجل : سارة والموت .. مثلاً!»[10].
طول النص تؤكد الكاتبة فكرة الاختيار كونها قيمة إنسانية طالما بحثت عنها المرأة والفتاة العربية، بجمل قصيرة تطرح تساؤلات متتابعة وتقر مبدأ جماليًّا يعني بتركز «الخلق الأدبي والابتكار الفني في مدى سيطرة الأديب أو الفنان على عناصر لغته، واستثمار خصائص الألفاظ وعلاقاتها، وما توحي به من ارتباطات ومن قرائن».[11].
فبتفجير الطاقات الدلالية لتلك الجمل والتعبيرات تستفيق سارة أن كلا الاختيارين كانا سواء، فكلاهما توهماً للحرية والرجل يؤكد أنها والموت متساويان؛ لأن سارة عندما فقدت حريتها أصبحت كالميتة، وحينئذ تأتي القيمة الرمزية لمصباح اليد «سارة: حسنًا، أنا هنا لأني وددت العتمة دومًا، كنت دائمًا على سطح سفينة تتأرجح، وفي أمكنة مزدحمة، لطالما حلمت بهذا المكان، حيث لا يوجد شيء».[12]
وحينئذ تؤكد سارة صحة اختيارها بالتحرر من الناس «سارة: (تضحك) الباب ومصباح اليد».[13]، لأنها تؤكد أن حاجتها لمصباح اليد الذي هو وسيلتها الوحيدة لمعرفة ما يحدث خارج تلك الغرفة المعتمة هو الباب الذي هو أيضًا المخرج الوحيد لتلك العتمة.
«سارة : تود أن تقنعني أن كلّ شيء هباء
وحين أتسلق الحائط وأوشك أن أنظر نحو الأفق تقول لي بأن الخدعة الحقيقية هي تلك التي نقولها لأنفسنا؟
الرجل: اخرجي من الغرفة
سارة: (صمت)
الرجل: ادفعي الباب .. إنه مفتوح
سارة: أريد بطارية لمصباح اليد
هل يعقل أن يكون هذا هو العبث؟
(تبًا بالاستهزاء)
البطارية هي العبث
البطارية هي عبث
البطارية ه....
الرجل : ليس هناك المزيد
سارة : أنت كاذب
تخرج الرسالة, تحاول القراءة, (تقربها من عينيها)
الرجل : لن تري شيئًا حتى لو كنت في وضح النهار
سارة : توقف عن الهراء
الرجل : لم أقل سوى الحقيقة»[14].

ولعل من سمات الكتابة النسائية العربية هو تصدير مفهوم المقاومة حتى الرمق الأخير، على سبيل أنه ليس أسوأ من القيد، يقول الرجل: «ما حاجتك به؟ إنه لا يعمل.
سارة: لا يهم، ربما أحصل على بطارية أو أجد طريقة أشعله بها»[15].
وكذلك في توظيفها للرمز الثالث (المفتاح) يتضح كذلك تمسكها بأي بارقة أمل، ولعل هذه المفاتيح اللغوية هي التي تفتح للمستقرئ الجاد بابًا لتحليل النص بما يكشف عن قضاياه وأزماته (أزمة الحرية/ أزمة الثقة)؛ فتتوجس سارة خيفة مما حدث للمرأة، فلولا أنها ضيَّعت المفتاح ما كانت تحت القصف إذن فكذلك الحال معها؛ لأنها هي أيضًا ضيعت منها المصباح وتتوجس أن يصبح مصيرها كمصير المرأة صاحبة الرسالة، وهو ما يؤكده الرجل لسارة من أن وسيلتها الوحيدة التي تتشبث بها للحرية ليست صالحة فالمصباح لا يعمل؛ لكنها على الرغم من يقينها أنه لا يعمل تظل متشبثة؛ لأن لا أمل لديها غيره:
«سارة: ما الفائدة، وأنا أحمل كل هذا الألم كوجبة أساسية كلّ يوم
الخيال والعتمة يحتاجان إلى جسد أقوى من الذي أملكه لذلك يتخلى الخيال عنا في النهاية
كما الكلب، يقف طويلًا أمامنا
لكننا جثث في النهاية، ويرحل ليصبح متوحشًا... (صمت)»[16].
ولعل ما طرحته مناهل السهوي في (بطارية لمصباح اليد) كان وجهًا آخر لطرح نهيل مهنا في (واللقب امرأة) التي تعرض فيها لمفهوم الحرية من زاوية مختلفة، بواسطة مجموعة من الرجال وامرأة وحيدة ضاع رجلها ولم يستطع العودة إليها مرة أخرى، على الرغم من أنها في انتظاره دومًا.
النص يمثل غياب العدالة بواسطة قاضٍ في هيئة دمية، وخيوطه وخيوط جميع الرجال في أيدي إحدى الشخصيات (محرك الدمى)، ويتم نقل المجموعة كلها إلى سجن آخر للتحقيق معهم، ليجدوا أنفسهم متهمين بأنهم إرهابيون وأنهم يدعون المرض النفسي.
على الرغم من أن نهيل مهنا إحدى الكاتبات الفلسطينيات؛ فإنها لم تُرَمِّز لفلسطين في النص بشكل فج، بما يحسب لها وللنص، لتظل هذه المرأة المنتهكة رمزًا لكل أنثى تعاني داخل مجتمعاتنا العربية باختلاف تركيباتها، وكأن هناك من يحركها دون إرادة منها، وقد اتضح ذلك في عدة حوارات، منها:
«المرأة: سيدي القاضي، لقد جئتك اليوم لتسمع شكواي، وتعاقب هؤلاء الأوباش وترجع لي حقي منهم. (يتحرك رأس القاضي بواسطة خيطان معلقة، يستدير جهة المرأة وكأنه يستمع إليها)»[17].
إن الجنون الذي تشير إليه الكاتبة هنا ليس جنونًا داخل مصحة، بل هي محاولة من النص المسرحي الإضاءة على المصحة النفسية الكبرى التي نسميها العالم الخارجي، ودومًا ما تكون المرأة فيه واقعة بين منطقتي المفعول به/ رد الفعل السلبي: «أصوات تتصارع وتعلو.. المرأة ترضع طفلها وتبكي في صمت، القفص يضج بالصوت ثم يتم الخناق بينهم والتلاكم، تصدر أصوات غريبة، تخبو الإضاءة شيئًا فشيئًا حتى يصبح المسرح معتمًا، يضاء المسرح دفعة واحدة بإضاءة شديدة، يتوقف المتهمون عن الشجار، ينظرون بعيون واسعة مبحلقة، تداري المرأة نهدها تحت الثياب المتبقية وتنظر مشدوهة»[18].
إن الرجال في هذه المسرحية محبطون للغاية، يحملون هزائمهم النفسية والعاطفية معهم إلى السجن، وهو أمر لا تجده المسرحية مبررًا لهم، لكن كان من الطبيعي بعد سنوات من حبسهم سنوات مع المرأة المنهكة ذات الطفل يدخل عليهم الحارس ليجد الغرفة قد امتلأت بالأطفال المشوهين والمرأة بين الحياة والموت.
إن المسرحية هنا كاشفة لتقييد حرية المجتمع، بما يولد درجات عالية من الضغط الذي يولِّد الانفجار غالبًا في وجه الأنثى/ الجانب الأضعف في هذه التركيبة المجتمعية البدائية القائمة في ترتيبها على القوة البدنية والسند المجتمعي وكلاهما متوافر للذكر دون الأنثى التي تضطر وفق الخط الدرامي للعمل أن تتحرك في اختياراتها بين البدين والمخنث والقناص ومحرك الدمى.
اعتمدت المسرحية لغة مجازية أكثر منها لغة رمزية، فاعتمدت على الإزاحة في معظم الحوارات الواردة بها، ومنها «(بانفعال) سيدي القاضي.. كنت في السوق الكبير أحاول أن أشتري لهذا المسكين دواء حينما اصطادتني هذه البراغيث»[19]، كان أمرًا بالانقضاض عليّ، افترسني أيها القاضي الجليل وأنا أحتمي بطفلي، وهو يبكي ويختبئ وراء ما تبقى من لحني المعرى. جاءني من الخلف هذا المخنث وانكب على مؤخرتي ينهشها كما ينهش الكلب المسعور قطة لحم.[20] وكذلك «القناص: سيدي القاضي لقد رأيتها مسكنًا ومأوى في غياب مكان يؤويني، لم تكن لي حبيبة ولا زوجة، وجدتها بلا راعٍ، الأمر لا يحتاج إلى عنوة مع امرأة تعيش داخل سياج»[21].
وغيرها من النماذج التي استندت إلى الطابع المجازي الذي يخدم اتجاه تصوير المسألة في مخيلة المتلقي من جهة، كمان أنها تساعد على سهولة تعميم المفاهيم التي تريد المسرحية تصديرها.
وتوجد بعض المسرحيات التي اعتمدت على استحضار الرمز بحمولاته الدلالية الجاهزة مثل (لعنة شوبان) للعراقية أطياف رشيد التي طرحت فيه الكاتبة إمكانية دفاع المرأة عن حرية شريكها الرجل، ففي (لعنة شوبان)، وبشيء من التروي يمكننا الوقوف على علاقة بين تاريخ شوبان الموسيقي الفرنسي وبين الوحدة، لأنه كانت جل مقطوعاته الموسيقية عزفًا منفردًا، وما يمكن أن تصدره اللغة الموسيقية في هذه المقطوعات من إحساس بالوحدة، وعلاقة ذلك كله بانفصال بطلة المسرحية (مُدرسة الموسيقى) عن حبيبها الذي انفصل عنها برغبتها؛ حتى لا تراه مسلوب الحرية بجوارها وهي التي تؤكد حرية اختيار الأشخاص الذين نود أن نكمل معهم حياتنا.
فعلى الرغم من الحب الذي جمع بينهما؛ فإنه ما استطاع أن يستمر معها لأنها لم تعط له الاهتمام الذي أراده فكان الخيار الوحيد هو أن تُطلق سراحه من أغلال تلك العلاقة الغير مثمرة، وذلك لأن حرية الاختيار حق مكفول للجميع، ولعل ذلك يتضح من الديالوج «المُدرسة: لم يكن ما بيننا حبًّا، إذا كنت تريد أن تعرف ما الذي كان بيني وبينه حقًّا. كان في كل لحظة يشعر أنه مسجون معي. يختنق بطريقة ما هكذا فهمت من عينيه وهو يدور بهما بعيدًا عن عيوني حين يقول أحبكِ، أراد أن يكون حراَ بشدة، ولم أكن أعرف أن ارتباطه بي هو محض... فقط إحساس بالمسئولية تجاه امرأة أحبها في وقت مبكر من حياته، لم يتحمل فكرة أن يبقى في نفس المكان دومًا، فبدأ يتحجج كوني مشغولة عنه بالموسيقى، الموسيقى نفسها التي جمعتنا، بل بالأخص موسيقى شوبان التي أحبها لحبي لها، هي من كانت الحجة والذريعة للفراق. فهمته حينها، لقد أراد التحليق، أراد التحليق بعيدًا فأطلقته».
الطالب: أطلقتهِ!
المُدرسة: حررته من الارتياط بي، انفصلنا ورحل»[22].
وفي مسرحيتها (صنوبرة) اختارت إشراق الروقي المنطقة البرزخية بين الحياة والموت حيث انفصال الروح والجسد وتحرر كليهما، في مشاهد يختلط فيها الماضي بالحاضر، حيث تقابل جدها الذي مازال محتفظًا بالعود الخاص الذي يعشق أغاني طلال مداح ذات البعد الفلسفي عن الحياة والموت واللقاء والفراق، وتلوم فيه كل الأطر الاجتماعية والأسيجة المفروضة على حياة الفتاة السعودية "أتذكر عندما كنت طفلة صغيرة؟ حينما قررنا الذهاب في نزهة استمتاع إلى البحر
البحر الأزرق الواسع المدى، حينها لم تتركوني أستمتع بقراري
بغرقي وانغماسي
أنقذتموني مما كان هو اختياري!
لم تسمحوا للقدر أن يأخذ مجراه!"[23]
منذ بداية النص المسرحي تربط الروقي بين البداية والنهاية، فكلاهما له أطر، لكن إطار النهاية يمكن للإنسان التخلص منه والتحرر فيه، فهو إطار شفاف رقيق، تقول في مستهل المنظر الأول من نصها «صبية ذات شعر غجري أسود طويل، ترتدي فستان من البياض الخالص ومستلقية على خشبة المسرح على هيئة جنين في رحم أمه، إضاءة هادئة مسلطة عليها وصوت موسيقى عمر خيرت (ليلة القبض على فاطمة) هادئ في بدايته، يحاوط الصبية غطاء بلاستيكي شفاف على شكل نصف كرة بمساحة تسمح لها بالوقوف فيه، ينجلي الظلام شيئًا فشيئًا ويتحول لإشعاع قوي يسلط عليها»، وبالتوقف قليلًا لدى استدعاء موسيقى عمر خيرت في فيلم (ليلة القبض على فاطمة)[24] بموسيقى الفيلم فقط، سيتضح لنا التوازي الذي أرادت إشراق الروقي أن تحققه بين (فاطمة) بطلة الفيلم وبطلة مسرحيتها التي قد تكون مجنونة في نظر بعضنا.
وباستعراض اللوحات التي رسمتها البطلة في حياتها؛ سيتضح لنا أنها كانت مشغولة طول الوقت بمكاشفة الكون، وهو ما حاولت الكاتبة تكثيفه منذ المشهد الأول «وحينما يعتلي صوت المقطوعة الموسيقية؛ تبدأ الصبية بالانزعاج وتضع يديها على أذنيها وتضغط عليهما بشدة وهي مغمضة العينين، تنقلب عن اليمين وعن اليسار عدة مرات، وهي لا تزال تضغط على أذنيها، تجلس جلسة القرفصاء ويداها لا تزال على أذنيها والعينان مغمضة، تحاول محاولات بائسة للوقوف دون جدوى تعاود المحاولة مرة أخرى»[25].
بواسطة المشهد الافتتاحي فقط استطاعت الكاتبة أن تكثف لنا أزمات البطلة التي لم تجد لها حلًّا نهائيًّا إلا بالموت، لأنه تنكشف لها كل الحقائق بالحوار مع جدها، ثم إنها ستجد مخرجًا في النهاية من الأزمات التي كانت تحيط بها في حياتها الأولى «تقف بصعوبة ومن ثم تمد يديها إلى الأمام وتسير، ترتطم بالغطاء البلاستيكي وتقع، حينها تفتح عينيها وهي منزعجة من النور المشع.. تغير مسارها مُحاوَلةً منها للخروج دون جدوى، تنحني إلى الأرض وتتحسسها بيدها، تجد طريقة للخروج برفعها للغطاء البلاستيكي وبمجرد ما ترفعه تعرج إضاءة جانبية نحو اتجاه الصبية، تندهش بما تراه أمامها مباشرة، تحدق فيه من ثم تدريجيًّا تتوقف الموسيقى ويعم المسرح الظلام...»[26].
وفي السياق ذاته تقريبًا عرضت الروقي في مسرحيتها (التواقة) فكرة الحرية والاختيار بين شاب وأمه، لكن اللافت هو استحضار حمولات دلالية لأغانٍ عبرت عن الحياة وحكمتها، وإن كانت في المسرحية الأولى قد اختارت أغاني طلال مداح، فإنها في هذه المسرحية اختارت أغاني وردة التي يلخص فيها العجوز رؤيته للحياة، وحينئذ نجد رد العجوز الفلسفي الذي يلخص المسألة كلها في حقنا في الاختيار ويرى أننا مهما تجاوزنا العقبات التي نعيشها نتيجة هذا المفروض، وبعد تجاوزنا المتفاوت لتلك العقبات؛ فإن المسافات التي قطعناها تساوي صفر، وهو ما يتجلى في غناء العجوز:
«ثمّ يُدندن العجوز أغنية سفر لوردة:
نصيب جايبنا منين ونصيب واخدنا لفين
مش عارفين أنهي محطة حنرسي عليها يا عين
ولا عارفين مين هنفارق ولا حنقابل مين
ولا عارفين فاضل لينا دقايق ولا سنين
سفر .. سفر .. الدنيا سفر
فراق ولقاء .. ولقاء وفراق
والقلب يا ناس مشتاق للسفر»[27].
لينفتح النص بذلك على رؤى فلسفية تشير إلى مسارات الجبر والاختيار، وبتفعيل الطاقات الدلالية لفكرة (المسرح) أيضًا تطرح إشراق الروقي فكرة الجبر والاختيار مرة أخرى بطرح ثنائية الحقيقة والتمثيل، أيهما الحقيقي وأيهما الخيالي على المسرح أم في الحياة بواسطة حواريات ممتدة بين الشاب والعجوز: «الشاب: كان حلمها أني أكون كاتب مسرحي عشان أسوي مسرحية نفسها وجيت بحضرها عشان أشوف وش الشي اللي أبهر أمي لدرجة تبيني أسوي زيه.
العجوز: وتتوقع الشي اللي أبهر أمك بوقتها بيبهرك اللحين؟
بعدين أمك كام حلمها تكون كاتب.. جاي اللحين بعد ما ماتت تحقق حلمها؟
الشاب: تصدق عمري ما فكرت وش هو حلمي
العجوز: عادي ما فاتك كثير»[28].
بواسطة الشاب الذي كان يتوق لتحقيق حُلم أمه بأن يصبح كاتبًا مسرحيًّا مثلما أرادت هي له تطرح الكاتبة كذلك أزمات الأم الداخلية كأنثى بالأساس، وتحاول أن تعوض اختياراتها في ابنها الذي مات/ رحل أبوه منذ أن كان جنينًا في بطنها:
«زهرة شبابي الحقيقية قطفها والدك ثم رحل رحيلًا أبديًّا
لم يزرع لي زهرة جديدة .. ولم يسقيني ويرويني حد الامتلاء
كنت كالفراشة التي تطير بين الحقول ويُسر بمرآها الناظرين
حُرة طليقة لا حدود لأرضي ولا سماءي
نعم أحببته ووهبته نفسي من أجل الحُب
نزعت جناحاي وتركت حقولي والألوان التي أسعد بها وكل شيء من شأنه يجعلني مُحلقة في السماء»[29].
إن الجنين هنا كلاهما: ولدها/ الحلم، لذا فإنها حين تسائل ابنها فإنها كذلك تسائل عمرها الذي انفرط بين يديها: «ما بالك كبرت بهذه السرعة يا ولدي؟
لا زلت أريد أن أنعم بطفولتك، بأظافرك الناعمة
بحجمك الصغير وأنا أضمك لصدري
بصوتك الذي يشبه العصفور ومناغاتك لي وأنت في المهد
تُرى لمَ هذه العجلة يا ولدي؟ لا شيء سيأخذه الريح»[30].
فالحرية الضائعة هنا حال عام، يشترك فيه الولد مع أمه، ويتقاطع فيه مصير الشاب المجهول مع مصير العجوز الكائن فعلًا، وبتعبير الروقي بأدوات فنية عن الفن ذاته كونها مخرجًا لتلك الأزمة استطاعت أن تعيد إنتاج رؤيتها في مشروع قد يمتد ليمثل خطًّا خاصًّا في منجز المسرح النسائي العربي.

المصادر
[1] توريل موي، النسوية والأنثى والأنوثة، ترجمة كورنيليا الخالد، الآداب الأجنبية، العدد 74، يناير 1993.
نشرت هذه المقالة عام 1989 في كتاب القارئ النسوي: مقالات في الجنس وسياسات النقد الأدبي، صـ33. وعنوان المقالة والكتاب الذي أخذت منه المقالة هو: Toril Moi, "Feminist, Female, Feminine" EDITED BY Catherin Belsey &Jane Moore (eds.) The Feminist Criticism (Mac Millan, 1989)
[2] انظر: سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، ترجمة: أحمد الشامى، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2002 صـ60، 61،62،63، وانظر: بام موريس، الأدب والنسوية، ترجمة: سهام عبد السالم، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2002 صـ7، 8، 9.
[3]محمد نور الدين أفايو، الهوية والاختلاف عن المرأة، الكتابة والهامش، إفريقيا الشرق، صـ23.
[4] وفاء خيري، مقالها الموسوم بـ"الأدب النسوي كشاهد على معاناة المرأة عبر العصور"، نون بوست، موقع إلكتروني.
[5] نص هذا الجزء من المقال الأصلي:
" The words "feminist" or "feminism" are poitical lables indicating support for the aims of the new women`s movement wich emerged in the late 1960s . "Feminism criticism", then, specific kind of political dis courses: acritical and theoretical practice committed to the struggle against patriarchy and sexism"[5].
[6] رضا الظاهر، غرفة فرجينيا وولف، صـ10.
[7] ثائر ديب، صفحات من الثقافة العالمية؛ قضايا النسوية والجنوسة، مجلة المعرفة، العدد 483، كانون الأول، 2003، صـ 216.
[8] ألين شووالتر، النقد النسوي في القفر: في النقد النسوي الحديث، 1968، صـ248، 249.
[1] فتحية العسال، مسرحية سجن النسا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1993، ص184 /185.
[2] حصل نص المسرحية على جائزة الهيئة العربية للمسرح.
[3] حسين مناصرة، النسوية في الثقافة والإبداع، عالم الكتب الحديث، 2007, ص 111.
[4] مناهل السهوي, مسرحية بطارية لمصباح اليد, دائرة الثقافة الشارقة, 2017, ص7.
[5] المرجع نفسه، ص9،10.
[6] المرجع نفسه، ص11.
[7] المرجع نفسه، ص20، 21.
[8] المرجع نفسه، ص23.
[9] المرجع نفسه، ص24.
[10] المرجع نفسه، ص33.
[11] محمد زكي العشماوي، قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث, ص 50، 51.
[12] المرجع نفسه، ص 31.
[13] المرجع نفسه، ص34.
[14] المرجع نفسه، ص 38، 39.
[15] المرجع نفسه، ص 42.
[16] المرجع نفسه، ص47.
[17] نهيل مهنا، واللقب امرأة، المتلقى الإبداعي للفرق المسرحية المستقلة، أووربا- البحر المتوسط، 2010، صـ7.
[18] نفسه، صـ14.
[19] نفسه، صـ10.
[20] نفسه، صـ11.
[21] نفسه، صـ12.
[22] أطياف رشيد، مسرحية لعنة شوبان، مجلة المسرح العربي، الشارقة، 2020، ع 25، ص91.
[23] إشراق الروقي، صنوبرة (ديودراما)، نسخة إلكترونية، صـ8.
[24] فيلم مصري من بطولة فاتن حمامةـ وإخراج هنري بركات، ويتناول قصة فاطمة التي اتهمت بالجنون بعد أن ظلمها أخوتها رغم أنها هي من ساعدت أغناهم حين كان فقيرًا، وهي التي كانت تقوم بالعمليات الفدائية بدلًا من أخيها الآخر وكانت تنسب العمليات له حتى تبوأ مكانة كبرى في الاتحاد الاشتراكي، وفي النهاية تنتصر فاطمة وتستطيع أن تثبت أنها كانت أكثر حكمة منهم جميعًا.
[25] إشراق الروقي، صنوبرة (ديودراما)، نسخة إلكترونية، صـ2.
[26] نفسه، صـ2.
[27] المرجع نفسه ص14.
[28] إشراق الروقي, مسرحية التوّاقة, نسخة إلكترونية, ص6.
[29] المرجع نفسه ص15، 16.
[30] المرجع نفسه ص9.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.