قصّة بعنوان "الأشجار تموت واقفة".. قصة قصيرة

ما زلت أعرف تلك المرأة وأتذكر صورتها، فملامح وجهها لا تكاد تغيب عن مخيلتي، فكثيرًا ما عشت معها بل وشاركتها الحياة وقاسمتها الشّقاء والعناء وشظف العيش، رغم أنني أصغرها بما يتجاوز أربعة عقود من الزّمان.

فكم عانت تلك المرأة البائسة في حياتها من عبث الأقدار، وتصاريف الغير، وقسوة القلوب وجحودها، فقد تزوّجت تلك المرأة في حداثة عمرها بأحد أقاربها، والَّذي يكاد يحصل على قوّته بشقّ الأنفس من فأسه الَّتي يضرب بها الأرض فتنتج له بعض الخضروات والأشجار الَّتي يبيع ثمرها ويشتري بثمنها ما تحتاج أسرته إليه. 

وكان عطاء الله ورزقه لهما من الأبناء وافرًا فقد رُزقا بأحد عشر طفلًا في ذلك الزّمان البعيد الَّذي كانت الأسر تتنافس فيه على إنجاب مثل هذا العدد من الأبناء، ظنًا منها أن في وجود مثل هذا العدد خيرًا كثيرًا.

ورغم هذا العدد الكبير وما يحتاجون إليه من جهد وعناء وطعام وشراب وثياب إلا أنها كانت سندًا قويًا لزوجها، وركيزة يُعتمد عليها، فهي الأمّ الَّتي تنجب الأبناء، وهي صانعة الرجال الَّتي تربي، وهي الزّوجة الَّتي تطهو الطّعام، وتغسل الثّياب وتقوم بكل أمور بيتها وأبنائها، يسكن إليها الزّوج بعد عناء وجهدٍ جهيد.

فجأة يمرض ثاني أبنائها ولم يكد يبلغ العامين من عمره فيعجز الطّبّ عن علاجه ويذبل جسده ويموت، فتصبر الأمّ المكلومة وتحتسب، وتواصل رحلة الصراع مع الحياة إلى جانب هذا الزّوج المنهك بالعمل، المثّقل بالأبناء.

لكن لا تفتر له عزيمة ولا تضعف له إرادة، يبتسمان معًا، يواجهان قسوة الحياة بالأمل في غد مشرقٍ يكبر فيه هؤلاء الأبناء ويشبون عن الطوق ولكن... آه من ولكن هذه! الَّتي دائمًا ما يعقبها في جملتها من المفاجئات! ولأن المصائب لا تأتي فرادى ففي صبيحة ذات يوم كئيب يخرج زوجها كعادته إلى عمله ليروي زرعه.

ويجنى رزقه فما أن ضرب الأرض بفأسه حتَّى... حتَّى اصطدمت هذه الفأس اللّعينة بـ (لغم) قديم يبدو أنه كان بانتظاره ليكون هذا المشهد هو الفصل الأخير من المأساة، بل الفصل الأخير من رحلة حياته في ريعان الصبا ولم يمهله القدر، ولم يمنحه فرصة أخرى للحياة لتربية الأبناء، فجاد بأنفاسه الأخيرة وفاضت روحه إلى بارئها راضية مرضيّة.

يا لعبث الأقدار! تخبط بنا خبط عشواء. يصل الخبر المشؤوم إلى الأسماع فتهب الزّوجة الجريحة مسرعة تترك صغارها ومنهم من لم يتجاوز بضعة أشهر تهرول إلى المشفى بحثًا عن هذا الزّوج، هناك يخبرونها بأنه قد أسلم الرّوح إلى بارئها تعود أدراجها مكلومة تحتضن صغارها يواسيها المواسون يتحلقون حولها بثيابهم السّوداء ثمّ ينفض الناس من حولها.

تتوالى الأيام على قلبها كئيبة فما أشبه اللّيلة بالبارحة! إنها ليست بحاجة إلى مواساة الآن لكنها بحاجة إلى إطعام هذه الأفواه، تشمر عن ساعديها، تنتفض.

تضمّد جراح قلبها فلا وقت للأحزان، تستجمع شتات نفسها، تخرج للعمل هنا وهناك في كل الأعمال وأي الأعمال لتطعم هذه الأفواه، ويدور موكب الزّمن دورته فيكبر الأبناء يتعلّمون تضطرّ إلى بيع جلبابها الَّذي حاكته بيديها كي يلتحق ابنها بمدرسة المعلمين، لا يضيرها هذا الأمر شيئًا، الأبناء هم الثّروة بل هم كل شيء. 

يشب الأبناء عن الطّوق تبتسم لها الحياة بعض الشّيء، يصاب ابن لها بحادث سيارة تظلّ معه في مشفاه تسعة أشهر راضية، يصاب أكبر الأبناء، ثمّ يشفى، ثمّ يموت، وهي صلبة الإرادة والعزيمة لا تنكسر.

وتتقدّم في العمر لتتجاوز العقد التاسع بقليل وهي جالسة لا تستطيع السير على قدميها الواهنتين، لكنها تنظر إلى الحياة بأمل، تستشرف المستقبل، حانت صلاة الظهر اعتدلت قليلًا في جلستها، قرأت الفاتحة والإخلاص، أمالت برأسها إلى الأرض فلم تستطع أن ترفعها مرّة أخرى، أسرع الأبناء بها إلى المشفى لكن ملك الموت كان بانتظارها هناك، بل كان أسرع وأمهر من جميع الأطباء.

شيّع جثمانها في مشهد حزين ليدفن إلى جوار الزّوج لتؤنس وحشته فلا يفترقان مرّة أخرى، لله درك أيّتها الأم! أتدرون من هي تلك الأمّ؟! إنّها الأم الَّتي وضعت الجنّة تحت قدميها.    

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميل ورائع وابداع متواصل
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

أشكرك عزيزى شكرا جزيلا لك منى مليون تحية وتقدير وتمنياتى لك بالتوفيق والسداد.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال رائع جدا لقد أبكيتنى يا رجل..
اللهم احفظ امهاتنا جميعا
وارحم من مات منهم
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

أشكر لك هذا الإطراء الجميل الذى لا يأتى إلا من الأجلاء المكرمين دمت جليلة مكرمة وأديبة واعية تمنياتى لك بموفور السعادة والهناء.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مؤثر جدآ 🥺
ابدعت تسلسل الاحداث وطريقتك بالسرد رائعه جدآ وغير ممله.

اتمنى لك التوفيق.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة