لطالما كانت النفس البشرية في صراع دائم بين غفلة الأماني وحقيقة الفناء، وهي لا تفيق من أحلامها إلا بصدمة الشيب أو نذير الرحيل. تأتي هذه الأبيات كواحدة من أبلغ المواعظ الإيمانية التي تصف حال الدنيا الغدارة، وتدعو المرء إلى الزهد في الدنيا الفانية والتعلق بالباقيات الصالحات.
إن نداء «يا نفس هبي» ليس مجرد كلمات شعرية، بل هو صرخة للاستيقاظ وفتح باب التوبة والرجوع إلى الله، والتزود بالتقى باعتباره خير زاد في رحلة الاستعداد للآخرة. في السطور التالية، سنبحر في معاني هذه القصيدة التي رسمت طريق النجاة من لجة الغي إلى رحاب الرضوان.
يَا نَفْسُ هُبِّي مِنَ الأَحْلَامِ وَاعْتَبِرِي *** فَالشَّيْبُ أَنْذَرَ وَالأَيَّامُ تَنْعَاكِ
طَالَ اغْتِرَارُكِ فِي صَرْحٍ بَنَيْتِ بِهِ *** أَحْلَامَ عُمْرٍ فَمَا أَغْنَتْكِ رُؤْيَاكِ
أَمْضَيْتِ زَهْرَةَ هَذَا العُمْرِ لَاهِيَةً *** وَاليَوْمَ تُبْصِرُ دَرْبَ الحَقِّ عَيْنَاكِ
لَا تَجْزَعِي، فَعَسَى يُرْضِيكِ مَأْوَاكِ *** هَذِي الدُّنَا غَدَرَتْ مِنْ بَعْدِ نُعْمَاكِ
كَمْ سِرْتِ فِي غَفْلَةٍ وَالنَّفْسُ غَارِقَةٌ *** فِي لُجَّةِ الغَيِّ وَالأَهْوَاءُ مَرْعَاكِ
تُبْدِي لَكِ البِشْرَ فِي لَيْلٍ وَفِي صُبُحٍ *** وَالسُّمُّ يُخْفَى لِكَيْ يَغْتَالَ مَسْعَاكِ
كَمْ غَرَّتِ النَّاسَ أَيَّامٌ مُزَوَّقَةٌ *** حَتَّى طَوَتْهُمْ فَمَا رَقَّتْ لِبَلْوَاكِ
أَيْنَ الأُلَى شَيَّدُوا الأَمْجَادَ وَارْتَفَعُوا؟ *** أَضْحَوْا تُرَابًا وَمَا عَادُوا لِمَغْنَاكِ
مَا هَذِهِ الدَّارُ إِلَّا مَعْبَرٌ خَطِرٌ *** فَلْتَحْذَرِي الزَّيْغَ لَا يَغْرُرْكِ مَرْآكِ
خَلِّي التَّعَلُّقَ فِي دَارٍ مُفَارِقَةٍ *** وَاخْتَارِيَ البَاقِيَاتِ الغُرَّ سَلْوَاكِ
لا تَرْكَنِي لِلْمُنَى فَالوَهْمُ مَهْلَكَةٌ *** وَاسْتَعْصِمِي بِالرِّضَا فِي ظِلِّ مَوْلَاكِ
يَأْتِي الرَّحِيلُ فَلَا صَحْبٌ وَلَا نَسَبٌ *** بَيْتٌ صَغِيرٌ بِجَوْفِ الأَرْضِ مَأْوَاكِ
عُودِي لِرَبِّكِ فَالرَّحْمَنُ يَقْبَلُنَا *** وَأَرْسِلِي الدَّمْعَ فِي صَمْتٍ وَنَجْوَاكِ
فَدَمْعُكِ الحُرُّ فِي الأَسْحَارِ مَكْرُمَةٌ *** يَا لَيْتَ صِدْقَ الدُّعَا فِي اللَّيْلِ زَكَّاكِ
تُوبِي إِلَى اللَّهِ فَالرَّحْمَنُ يَغْفِرُهَا *** وَقَدِّمِي الزَّادَ فَالآجَالُ تَغْشَاكِ
واسْتَمْسِكِي بِتُقَى الرَّحْمَنِ صَادِقَةً *** إِنَّ التُّقَى خَيْرُ زَادٍ يَوْمَ مَلْقَاكِ
نَقِّي السَّرِيرَةَ مِنْ حِقْدٍ وَمِنْ دَنَسٍ *** حَتَّى يَطِيبَ بِدَرْبِ الحَقِّ مَمْشَاكِ
لَا تَحْزَنِي إِنْ جَفَاكِ الخِلُّ أَوْ غَدَرُوا *** وَاسْتَأْنِسِي بِالهُدَى، فَاللَّهُ أَرْضَاكِ
سِيرِي إِلَى اللَّهِ بِالآمَالِ خَاشِعَةً *** رَبٌّ رَحِيمٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ يَرْعَاكِ
غَدًا تُوَفَّيْنَ أَجْرَ الصَّبْرِ فِي غُرَفٍ *** فِي جَنَّةِ الخُلْدِ إِذْ طَابَتْ سَجَايَاكِ
وَاسْتَبْشِرِي بِنَعِيمٍ لَا نَفَادَ لَهُ *** يَوْمَ المَلَائِكُ بِالرِّضْوَانِ حَيَّاكِ
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.