شهد الشعر العربي الحديث نهضة شعرية امتدت منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقد ضمَّت مجموعةً من الحلقات التطورية المتلاحقة، مثَّلت في مجموعها إرهاصات لمشروع الحداثة الشعرية العربية الذي ظهر أواخر أربعينيات القرن العشرين، ولم يقف عند حدود تكسير بنية الشعر، أو الخروج عن الوزن والقافية، بل تعدَّاه إلى المضمون والمعنى.
فظهر ما يُدعى «شعر الرؤيا» الذي يعبِّر عن موجة إبداعية جديدة، وتعبير خاص يرتبط برؤيا الشاعر الذي يقرأ قضايا عصره من زاويتها، ولا يستند إلى الحقائق المتعارف عليها بين الناس؛ بل يوظِّف طاقاته وقدراته التخييلية في تكوين موقف جديد من العالم والأشياء، وخلق ونسج عالم جديد، يمتزج فيه الرمز بالأسطورة، والواقع بالخيال، والمحدود بغير المحدود، عبر لغة تعتمد المجازات والانزياحات، تتجاوز الصناعة أو الفن في القول، إلى تعبير غير مألوف يصل إلى درجة الغموض والتعقيد.
وقد ظهر هذا الاتجاه في مجموعة من التجارب الشعرية الستينية، لمجموعة من الشعراء، منهم: السياب، أدونيس، ويُعد الشاعر عبدالله البردوني من الذين واكبوا التحولات والتطورات التي شهدها الشعر العربي الحديث، لكن دوره المتفرِّد، المتميِّز في التجديد والتحديث للقصيدة العمودية يمثِّل تيارًا أو مدرسةً شعريةً أخرى، يمكن أن نطلق عليها «المدرسة البردونية»، أو مدرسة البردوني، الشاعر، الثائر، الناقد الأديب، المؤرخ اليمني، المولود عام 1929 في قرية البرَدون في محافظة ذمار، وأُصيب بالجدري الذي أدى إلى فقدانه بصره وهو في الخامسة من عمره، ولُقِّب على أثر ذلك بمعري اليمن، نسبةً إلى الشاعر الأعمى أبي العلاء المعري. تلقى تعليمه الأولي فيها، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى مدينة ذمار، ويلتحق بالمدرسة الشمسية الزيدية المذهب.
بدأ اهتمامه بالشعر والأدب وهو في الثالثة عشرة، ودأب على حفظ ما يقع بين يديه من قصائد، وانتقل إلى صنعاء في أواسط العشرينيات من عمره، ونال جائزة التفوق اللغوي من دار العلوم الشرعية، وأُدخل السجن في عهد الإمام أحمد بن يحيى لمساندته ثورة الدستور عام 1948.
وقد صدر 12 ديوانًا شعريًا من 1961–1994، وهي:
- من أرض بلقيس.
- في طريق الفجر.
- مدينة الغد.
- لعيني أم بلقيس.
- السفر إلى الأيام الخضر.
- وجوه دخانية في مرايا الليل.
- زمان بلا نوعية.
- ترجمة رملية لأعراس الغبار.
- كائنات الشوق الآخر.
- رواغ المصابيح.
- جواب العصور.
- رجعة الحكيم بن زائد.
ونال عدة جوائز، منها: جائزة أبي تمام في الموصل عام 1971، وجائزة شوقي للشعر في القاهرة عام 1981، وجائزة اليونسكو التي أصدرت عملة فضية عليها صورته عام 1982، وجائزة السلطان العويس في الإمارات عام 1993.
وله مؤلفات عدة، ومنها:
- رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه.
- اليمن الجمهوري.
- الثقافة الشعبية: تجارب وأقاويل يمنية.
- الثقافة والثورة.
- من أول قصيدة إلى آخر طلقة، دراسة في شعر الزبيري وحياته.

وقصيدة «من رحلة الطاحونة إلى الميلاد الثاني» مأخوذة من ديوان «مدينة الغد»، ويعود تاريخها إلى أواخر الستينيات. والتجارب الشعرية الستينية تمثِّل المرحلة «الرؤيوية» للحداثة الشعرية.
وعلى الرغم من أن الشكل الخارجي للقصيدة، الذي ينتمي إلى العمود الشعري، فإن العنوان المركَّب من جزأين، كلٌّ منهما يتكوَّن من «حرف جر + اسم مجرور، وهو مضاف + مضاف إليه بالجر»، يُحيلها إلى الخطابات الشعرية التي لا تندرج ضمن «إحياء النموذج».
فضلًا على المفارقة التي يثيرها التضاد الكامن في داخله؛ فحرفا الجر «من – إلى» يحملان معنيين: «الانطلاق – الوصول»، في حين أن «رحلة الطاحونة» تدل على الدوران في المكان نفسه، أما الميلاد، فيحمل معنى الخروج من مكان إلى آخر.
وانطلاقًا من العنوان المركَّب، وما فيه من دلالات تشير إلى اليأس والإحباط من مسيرة الكفاح والنضال الوطني التي أضاعت الطريق، وأضحت تدور في حلقة مغلقة، واعتمادًا على بعض المشيرات في النص.
نفترض أن القصيدة بين أيدينا تندرج ضمن خطاب تجديد الرؤيا، ويعبِّر فيها الشاعر عن رؤياه لواقع مسيرة الكفاح والنضال الوطني، وينقل تجربته المريرة مع هذا الواقع.
تقع القصيدة في ثلاثة عشر بيتًا، تعبِّر عن المعاناة المريرة، واليأس والإحباط من الواقع المؤلم المحبط، الذي آلت إليه مسيرة الكفاح والنضال العربي والوطني التي حققت الثورات العظيمة بكثير من الجهود والتضحيات الجسيمة، لكنها أضاعت طريق الوصول إلى الهدف المنشود؛ فأُصيبت بالانكسارات والنكبات.
وأصبحت تجر الجماهير المناضلة، وتدور في دائرة مغلقة، أو حلقة مفرغة «من الفجر حتى الفجر ننجر كالرحى...» دون توقف أو تقدم نحو الهدف؛ لكونها أضاعت الطريق وتاهت عن الدرب الذي بدأته «... ولاح لنا درب بدأناه فانمحى».
وراحت تبذل الجهد والعمر...، وتسير بكل عزيمة وإصرار «سرينا وسرنا نطحن الشوك والحصى...»، لكنها لا تجني سوى الغبار، ومزيد من التعب والعناء؛ ذلك أنها حادت عن الطريق، فتاهت عن الوصول، وغدت تمضي وتأتي «كطاحونة نمضي ونأتي كمنحنى...» في دائرة مغلقة، وطريق منحني لا يقود إلى الهدف.
البنية اللغوية
تمثِّل أحد العناصر الأساسية في بنية النص الأدبي، وهي إلى ذلك تكشف عن مقدرة الشاعر وبراعته في اختيار المعجم اللغوي. والنص الذي بين أيدينا يدل على أن الشاعر كان بارعًا ودقيقًا في اختيار المعجم اللغوي، بما يتضمن من المفردات اللغوية التي تحمل الكثير من الدلالات، التي سنتطرق إلى الدلالات المهيمنة منها فقط، وذلك على النحو التالي:
«الطاحونة، الرحى، المدار، حولنا» تدل على دائرة مكانية مغلقة، أي إن «رحلة الطاحونة» تعني الدوران في المكان نفسه، وهذا الدوران يمتد «من الفجر حتى الفجر...»، وهذا الوقت يمثل دائرة زمنية مغلقة، وبهذا يكون لدينا دائرتان مغلقتان: «دائرة مكانية، ودائرة زمانية»، وفيهما «رحنا، سرينا، سرنا، زحفنا، نمضي، نأتي، ركضنا، رجعنا».
هذه المفردات تدل على الحركة، والحركة تدل على الحياة، وهذه الحياة التي تمضي على إيقاع التناقضات «ذهاب – إياب، رحيل، رجوع، ركض، زحف...» في دائرة مغلقة، مستغرقة محطات الزمن «أمسى، أصبح»، «من الفجر حتى الفجر»، ومحطات العمر «الميلاد، المهد، الموت».
وتدور في المكان نفسه دون توقف أو استراحة، تجني الغبار والتعب والعناء...، لتغدو دلالة على واقع ما بعد الثورات العربية، والحياة التي وصلت إليها البلدان العربية الثائرة.
البنية الإيقاعية
تتمثَّل البنية الإيقاعية في الوزن والقافية، وينقسم الإيقاع إلى: خارجي وداخلي.
الإيقاع الخارجي: ويتمثل في الوزن والقافية:
الوزن
جاءت القصيدة على البحر الطويل، الذي يتكون من ثمانيةِ أجزاءٍ تتكرَّر فيها (فعولن، مفاعيلن)، ووزنه:
فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ
فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ
وسُمِّي الطويل؛ لأنه طال بتمام أجزائه؛ فهو لا يُستعمل مجزوءًا ولا مشطورًا ولا منهوكًا، وقد جاء في هذه القصيدة قبضُ العروضِ والضرب، والقبض: حذف الخامس الساكن من (مفاعيلن)، فتصبح (مفاعلن)، وذلك كما نرى:
من الفجر حتى الفجر ننجر كالرحى
إلى أين يا مسرى ومن أين يا ضحى
الصدر:
//0/0-//0/0/0-//0/0-//0//0
العجز:
//0/0-//0/0/0-//0/0/0-//0//0
فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِلُنْ
فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِلُنْ
ويتميَّز البحر الطويل بإمكاناته المتَّسعة، التي تتيح للشاعر توظيفه في شتى الموضوعات التي تحتاج إلى طول النفس، كونه سخي النغم، يعطي الشاعر حرية التصرف للتعبير عما يجول في رؤياه.
ولعلَّ الشاعر عمد إلى اختيار هذا البحر لما فيه من مساحة واسعة، تتآلف فيها عناصر المحتوى: الشكل بألفاظه وتراكيبه، والمضمون بمعانيه وأفكاره، كما يعطي إمكانات كبيرة للسرد والعرض الدرامي، وهنا تتوضَّح العلاقة بين البحر وموضوع القصيدة، وتتجلّى براعة اختياره، وتوظيفه في خدمة الموضوع.
القافية والروي
تنقسم القافية باعتبار الروي إلى قسمين: (مقيدة، ومطلقة)، لكلٍّ منهما أنواع.
والقصيدة التي بين أيدينا قافيتها مطلقة، حرفُ الروي (الحاء) متحرك بحركة الفتح المشبعة بالألف. ففي الإطلاق يكون الصوت أكثر امتدادًا، وأكثر قدرةً على البوح عما يجول في النفس من مشاعر الألم والإحباط.
الإيقاع الداخلي: ويتمثل في القيم الصوتية التي تحدث بتكرار الحرف والمفردات، والتجمعات الصوتية، الطباق، الجناس، توازي الجمل...:
التكرار
يُعدُّ من الظواهر الصوتية التي تؤدي دورًا بالغ الأهمية في تعميق الإيقاع الصوتي؛ فكلُّ تكرار، سواءً كان حرفيًّا أم لفظيًّا أم تركيبيًّا، يكشف عن اهتمام المتكلم، ويفصح عن نفسيته، ويلفت سمع المتلقي إليه، وهذا يرتبط بالدلالة، كما يزيد من القيمة الإيقاعية؛ ما يعني أن التكرار يحقِّق وظيفتين: دلالية وإيقاعية. وقد تنوَّع التكرار في النص الذي بين أيدينا، ما بين التكرار الحرفي، التكرار الاسمي، والتكرار الفعلي.
التكرار الحرفي
ونقصد به تكرار حروف المعاني وغيرها. وسنتناول الأكثر تكرارًا، مقتصرين على ثلاثة حروف:
(النون = 48)، (الواو = 41)، (الراء = 39)، وهي من الأصوات المجهورة، التي تمثل القوة والوضوح؛ كون الجهر أقوى من الهمس في البوح عما يجول في النفس... والتعبير عن قوة المعاناة والألم.
وقد تنوَّع تكرار حرفي (النون، الواو)؛ إذ جاء الأول بوصفه ضميرًا للمتكلمين، أو (نون الفاعلين)، أكثر من كونه أصلاً في الكلمة. وإذا كان الحديث بـ(نا) المتكلمين، أو (نون الفاعلين) يدل على تعظيم الذات؛ فإن من جانب آخر، يشير إلى التلاحم والتوحد مع الجميع، والاهتمام بهم، والتعبير عن همومهم ومعاناتهم، كما هو الحال في هذا النص؛ فحضور الذات الجماعية، وغياب (الأنا)، يدل على اهتمام الشاعر بالهموم والآلام الإنسانية والمعاناة التي يعيشها الجميع من ناحية، كما يدل على براعة الشاعر في التعبير عن المعاناة المريرة التي يعيشها من خلال التعبير عن معاناة الجميع.
أما حرف (الواو)، فكان حضوره بمعنى العطف أكثر من حضوره في الكلمة. والعطف يمثل معنى المشاركة في العمل، ويعزز الترابط الفني والموضوعي بين أجزاء القصيدة، كما يعمل على الاستمرارية بين الأبيات وتوضيح معانيها، ممتدًّا كجسر من الإيقاع الصوتي بينها، فضلًا عما يرافق هذا الامتداد الإيقاعي من وظيفة دلالية، تدلُّ على تلاحم الذات الفردية بالذات الجماعية، واشتراكهما في الفعل والمعاناة.
وبجمع الحروف الثلاثة حسب أكثرها تكرارًا، تتكوَّن لدينا كلمة «نور»، التي تدل على الحياة، غير أن القصيدة تعبر عن الواقع المؤلم المحبط المظلم، الذي يدل على معنى «الظلام» الذي يغدو رمزًا للموت، وهنا يتجلى الصراع بين (الموت × الحياة).
التكرار الاسمي
هو تكرار أصوات بعينها، ويشمل الحروف والكلمات، والضمائر البارزة المنفصلة والمتصلة، ومن هذا التكرار في القصيدة، جاء تكرار الضمير (نا) عشرين مرة. وقد أشرنا إلى دلالة هذا التكرار ضمن الحديث عن تكرار حرف النون.
التكرار الفعلي
ومن أمثلة هذا التكرار: تكرار فعل (أضعنا، أضاعنا) للتأكيد على معنى الضياع. وتكرار فعل (سرينا، سرنا) يدلُّ على الإصرار والتحدي والسير ليلًا. وتكرار فعل (تعبنا، أتعبنا)، وكذلك (قال، قلنا).
الصورة الشعرية
تزخر القصيدة بالصور الشعرية التي أضفت عليها بهاءً ورونقًا من الجمال الفني، من ذلك توظيفه للانزياح كما في قوله: ...رحلة الطاحونة...، ننجر كالرحى، كطاحونة نمضي. فكل من (الرحلة، والمضي، والانجرار) يتطلب الانتقال من مكان إلى آخر، في حين كل من (الطاحونة) و(الرحى) تدور حول نفسها أو في المكان ذاته، وهذا الانزياح يعبر عن واقع الكفاح والنضال العربي، الذي أضحى يدور في حلقة مغلقة دون أي تقدم.
فضلًا على حداثة الصور الشعرية التي تتجلى في الصورة التشخيصية، القائمة على أنسنة الأشياء والكائنات والمعاني، ومن ذلك أنسنة المسرى والضحى بالاستفهام والنداء الموجه إليهما، في قوله:
إلى أين يا مسرى ومن أين يا ضحى
وكذلك أنسنة المنحى في قوله:
...............ونأتي كمنحنى
يشد إلى رجليه تلاً مجنحًا
الأساليب
وإذا عرَّجنا ناحية الأسلوب، نلاحظ هيمنةً مطلقةً للأسلوب الخبري على أرجاء النص، فقد رجحت كفَّته على الأسلوب الإنشائي، وذلك عائد إلى الغاية التي يقصدها الشاعر، وهي التعبير عن الواقع المؤلم المحبط الذي آلت إليه البلدان العربية، لكننا لا نعدم بروزًا للأسلوب الإنشائي بين الفينة والأخرى، متمثِّلًا بالاستفهام والنداء، كما في قوله: «إلى أين يا مسرى ومن أين يا ضحى» الذي يحمل معنى التهكُّم وعدم الرضى عما يجري في الواقع، أو بالنداء كما في قوله: «... يا زحف نرتاح ساعة»، وقوله: «فيا ذكريات التيه...».
وبفضل هذه القراءة السريعة، نستطيع القول بأن الشاعر عبَّر في قصيدته عن رؤياه للواقع المؤلم المحبط الذي آلت إليه مسيرة الكفاح والنضال العربي... مستخدمًا لغةً شعريةً تفيض بالدلالات الفنية، موظِّفًا صورًا شعريةً متنوعة جعلت القصيدة تتفيَّأ ظلال الجمال.
وقد استطاع أن يطوِّع العمود الشعري لاستيعاب مظاهر الحداثة، ونصل في النهاية إلى صحة إثبات الفرضية، وانتماء القصيدة من ناحية مضمونها إلى خطاب تجديد الرؤيا، وختامًا نقرُّ بقدرة وبراعة الشاعر على نقل تجربته والتعبير عنها بطريقة جديدة غير مألوفة.
من «رحلة الطاحونة إلى الميلاد الثاني»
من الفجر حتى الفجر ننجر كالرحى
إلى أين يا مسرى ومن أين يا ضحى
أضعنا بلا قصد طريقًا أضاعنا
ولاح لنا درب بدأناه فانمحى
وشوشنا تلويح برق أهاجنا
وولى ولا ندري إلى أين لوحا
وقلنا كما قال المجدون من غفا
عن الفوز لم يظفر ومن جد أفلحا
إذا لم نجد في أول الشوط راحة
فسوف نلاقي آخر الشوط أروحًا
ورحنا نسقي الرمل أمواه عمرنا
فيظمأ ويرويه إلى أن ترنحا
سرينا وسرنا نطحن الشوك والحصى
ونحسو ونقتات الغبار المجرحا
ومن حولنا الأطلال تستنفر الدجى
وترخي على الأشباح غابًا من اللحى
هنا أو هنا، يا زحف نرتاح ساعة
تعبنا وأتعبنا المدار المسلحا
كطاحونة نمضي ونأتي كمنحنى
يشد إلى رجليه تلاً مجنحا
فيا ذكريات التيه من جر قبلنا
خطاه وأمسى مثلنا حيث أصبحا
ركضنا إلى الميلاد قرنًا وليلة
ولدنا فكان المهد قبرًا تفتحًا
ومتنا كما يبدو رجعنا أجنةً
لنختار ميلادًا أشق وأنجحا
مضمون القصيدة
تعبِّر القصيدة عن الواقع المؤلم المحبط الذي وصلت إليه مسيرة الكفاح والنضال، التي أضاعت طريق الوصول إلى الهدف المنشود، الذي شقَّته بالجهود العظيمة والتضحيات الجسيمة التي توَّجتها ثورتا سبتمبر وأكتوبر.
فأضحت تدور في دائرة مغلقة، وتجر الجموع معها «من الفجر حتى الفجر ننجر كالرحى...» دون توقف وبلا فائدة، غير أن رحلتها ما زالت مستمرة، وتسير بكل إصرار، تحسو الألم، وتقتات التعب، وتجني الشقاء والعناء، لكنها حادت عن الطريق الحقيقي، وفقدت الدرب الواضح، فتاهت عن الوصول، وظلت تمضي وتدور كالطاحونة دون أي تقدُّم.
الذي استطاع الخروج به من نطاق التقليد والمألوف إلى فضاءات الحداثة الشعرية والإنسانية، يجعله مدرسةً شعريةً هي مرحلة الريادة أو ما يُسمَّى بالمرحلة «العقلانية»، التي دشَّنتها تجربة الشعراء الرواد... تلتها مرحلة «الرؤيوية»، تمثلت في تجارب شعراء الستينيات، ثم مرحلة التصالح بين العقلانية والرؤيوية، وتتمثل في تجارب ما بعد الستينيات إلى الوقت الحاضر.
وقد تجاوزت الحداثة الشعرية التجديد في الخروج على الوزن والقافية إلى تجديد الرؤيا، فظهر ما يُسمَّى بشعر الرؤيا، الذي يقوم على حداثة الرؤيا أو الرؤيا الجديدة للحياة والعالم والكون...، وبهذا فإنَّ القصيدة العربية الحديثة قد مرَّت بعدة تحوُّلات.
وشهدت عدة تيارات وتجارب شعرية، فمن تجربة إحياء النموذج، أي القصيدة العمودية، إلى تجربة «الذات» أو الرومانسية، إلى «تكسير البنية»، والخروج عن الوزن والقافية والنمط القديم، ثم «تجديد الرؤيا»...، ولكل تيار أو تجربة من هذه التجارب مذهبها وخصائصها وشعرها وروادها وشعرائها.
أما الشاعر عبدالله البردوني، فقد واكب جميع التحولات والتطورات التي شهدها الشعر العربي الحديث، وتمكن من استيعاب كل هذه التطورات وتوظيفها في شعره دون أن يخرج على العمود الشعري، وقد استطاع بما يمتلكه من موهبة فذة، ومخيلة خصبة، وثقافة واسعة في اللغة والأدب والتاريخ.
فضلًا على الوعي الكبير بمجريات الواقع المحلي والعربي والدولي، أن يُطوِّع العمود، ويُشكِّل اللغة، ويُحدِّث القصيدة العمودية، وجعلها قادرة على استيعاب جميع المذاهب الشعرية والمظاهر الحداثية، فأصبحت «القصيدة البردونية» متفرِّدةً، متميِّزةً، لا يمكن تصنيفها إلا ضمن «المدرسة البردونية».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.