هل جربت يومًا أن تشعر بالغربة وأنت في بيتك؟ أن تبكي على أحلام الطفولة التي كانت تعانق السماء، لتجد نفسك فجأة أمام واقع مسروق؟
هذه القصيدة ليست نظمًا للقوافي، بل هي نزيف روح أدركت أن الكرامة أغلى من الأرض، وأن عزة النفس هي الوطن الحقيقي للإنسان الحر.
هنا حكاية قلب حديد صلب قرر أن يقطع حبال الود مع من باعوا الضمائر، ليعيش غريبًا بشموخ، ويموت حرًا.
كُنْتُ أَحْلَمُ فِي صِغَرِي أَحْلامًا تُعَانِقُ السَّمَاءَ عُلُوَّهَا
كُنْتُ أَحْلَمُ أَنَّ نَجْمًا يُعَانِقُ مَوْطِنِي.. وَيَبُثُّ صَفْوُهَا
كَبُرْتُ.. فَلَا أَحْلَامِي لِلسَّمَاءِ عَلَتْ كَمَا ظَنَّ قَلْبِي نَيْلَهَا
وَلَا مَوْطِنِي عَانَقَ النَّجْمَ.. بَلْ غَارَ فِي الظَّلامِ حِمْلُهَا
رَأَيْتُ بِلَادِي وَقَدْ أُثْخِنَتْ جِرَاحًا.. وَبَانَ لِلنَّاسِ هُزْلُهَا
غَدَا المَجْدُ فِيهَا حَكَايَا قَدِيْمَةً.. قَدْ أَضَاعَ الخَلَفُ أَصْلَهَا
تَهَاوَتْ قِلاعُ الفَخَارِ جِهَارًا.. وَاسْتُبِيحَ بِالغَدْرِ نَخْلَهَا
فَلا النُّورُ يَهْدِي طَرِيْقَ الحَيَارَى.. وَلا العَدْلُ يَرْفَعُ ظِلَّهَا
أَيَا مَوْطِنِي كَيْفَ صِرْتَ غَرِيبًا؟ وَأَنْتَ لِلرُّوحِ كُلِّهَا!
أَرَى الظُّلْمَ فِيكَ فَشَا وَاسْتَفَاضَ.. وَأَذَلَّ النُّفُوسَ جَهْلُهَا
بَكَيْتُ عَلَى عَهْدِ طِفْلٍ بَرِيءٍ.. حَسِبَ النُّجُومَ مِلْكًا لَهَا
فَإِذَا بِالسَّمَاءِ بَعِيْدَةُ المَنَالِ.. وَالأَرْضُ ضَاقَتْ بِأَهْلِهَا
يَبِيعُونَ فِيكَ الحَيَاءَ جُزَافًا.. وَيَشْرِي الدَّنِيُّ قُدْسَهَا
فَمَا عَادَ فِي الأُفْقِ وَعْدٌ يُرَجَّى.. وَلا العِزُّ يَحْمِي أَهْلَهَا
صَبَرْتُ حَتَّى عَيَّ الصَّبْرُ مِنِّي.. وَشَابَ فِي الرَّأْسِ كُلُّهَا
أَنَا الحُرُّ لَا أَرْتَضِي الذُّلَّ يَوْمًا.. وَلَوْ سَامَتِ الرِّيحُ نَصْلَهَا
إِذَا ضَاقَ بِي وَطَنِي وَارْتَكَبْتُ.. رَحِيلًا يَصُونُ نُبْلَهَا
فَلَسْتُ بِمَنْ يَنْحَنِي لِلْخِدَاعِ.. وَلَوْ زَانَ لِلْعَيْنِ شَكْلُهَا
أَمْضِي وَقَلْبِي حَدِيْدٌ صَلِيْبٌ.. لَا الرَّدَى يَهزُّ فِعْلَهَا
خُلِقْتُ عَصِيًّا عَلَى كُلِّ وَجْدٍ.. إِذَا الخِيَانَةُ بَانَ نَصْلُهَا
وَمَنْ خَانَ عَهْدِي فَلا عَوْدَ عِنْدِي.. وَلَوْ جَاءَ يَسْحَبُ ذُلَّهَا
بَابِي مَنِيعٌ وَرَأْيِي حَصِينٌ.. وَالنَّفْسُ تَعْرِفُ مَحَلَّهَا
سَأَبْقَى غَرِيبًا بِعِزٍّ شَمُوخٍ.. وَأَتْرُكُ لِلنَّاسِ هَزْلَهَا
فَمَا كُلُّ نَجْمٍ يَسُرُّ المَآقِي.. وَمَا كُلُّ أَرْضٍ نَحَلُّهَا
وَطَنِي الَّذِي ضَاعَ خَلْفَ السَّرَابِ.. قَدْ سَقَى العُيُونَ كُحْلَهَا
بِدَمْعٍ مَرِيرٍ عَلَى ذِكْرَيَاتٍ.. كَانَ فِيهَا النُّورُ جُلَّهَا
فَلا تَعْذِلُونِي إِذَا قُلْتُ إِنِّي.. سَأَقْطَعُ لِلْقَوْمِ حَبْلَهَا
فَمَا عُدْتُ أَرجُو مِنَ الغَدِ شَيْئًا.. بَعْدَمَا بَاعَ الصِّحَابُ عَدْلَهَا
سَأَحْيَا أَبِيًّا وَأَمُوتُ حُرًّا.. وَأَتْرُكُ لِلْبِيدِ رَمْلَهَا
وَيَبْقَى سُؤَالِي لِنَجْمِ الصِّبَا: لِمَاذَا الدِّيَارُ أَضاعَتْ فَضْلَهَا؟
هذه الأبيات تلخص الصراع الأبدي بين الانتماء والكرامة، الشاعر لا يكره وطنه، بل يكره ما آل إليه حاله من الظلم وبيع القيم.
القرار بالرحيل لم يكن هروبًا، بل كان فعلًا للمقاومة؛ فالبقاء في مكان يُهان فيه العزيز هو الموت الحقيقي.
عزة النفس هنا تجلت في أبهى صورها حين قال: «أنا الحر لا أرتضي الذل يومًا»، لتكون درسًا لكل من يظن أن الصبر يعني الخنوع.
رائع
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.