قصيدة انكسارُ الوهْم على شَفا الرَّحيل

لا تأتي لحظات الفراق اختيارًا، بل ضرورة لحماية ما تبقى من الشغف والروح. حين تُغلق أبواب الوهم، ويتبدد غبار السنين العجاف، يجد الإنسان نفسه واقفًا على أعتاب البداية الحقيقية؛ بدايةٍ لا تمنحُ الماضي أكثر مما يستحق، بل تُعيد للذات حريتها وكبرياءها المسلوب.

لَمْ تَعُودِي مُجْبَرَةً..

اخْلَعِي عَنْ عَيْنَيْكِ قِنَاعَ المَسَافَةِ،

يَكْفِيكِ حَشْوُ أَنْفَاسِي بِغُبَارِ سَدِيمِكِ،

أَسْرِجِي خَيَالَكِ بِوَسْوَاسٍ عَقِيمٍ،

تَأَرْجَحِي عَلَىٰ مُنْحَنَىٰ سَرَابِكِ؛

فَإِنِّي قَطَعْتُ وَتِينَ المُسْتَحِيلِ..

أَطْفَأْتُ ثَوْرَةَ بُرْكَانِ عِشْقٍ مَجْنُونٍ

ظَلَّ يَسْتَوْطِنُ كِيَانِي، يَلْتَهِمُ ثَوَانِيَ العُمْرِ،

وَأَنْتِ تَتَسَمَّرِينَ عِنْدَ ظِلِّ الأَمَانِي

عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ لِلرَّحِيلِ؛

فَانْهَارَتْ ثَرْثَرَاتُ الحُبِّ فِي قَعْرِ العَدَمِ..

***

أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ عِجَافٍ، أَنْهَكَتْ سَنَابِلَ الشَّوْقِ،

تَغَشَّاهَا يَبَاسُ الكَلَامِ،

طَغَىٰ عَلَيْهَا مَحْلُ المَوَاسِمِ..

***
كُنْتُ أَنَا هَيْثَمَكِ المُسَافِرَ فِي دَمِكِ،

أَرْمُقُ مَدَاكِ البَعِيدَ

بِعَبْرَةٍ تَتَدَلَّىٰ مِنْ مَثَانِي الوَجْدِ؛

فَمَا أَكْرَمْتِ مَثْوَايَ وَلَا طَمَسْتِ أَطْلَالَ مَنْفَايَ.

سَتَعْجِنُ الأَيَّامُ فُتَاتَ قَرَابِينِ عِشْقِكِ الغَافِي عَلَىٰ شَطِّ العَابِرِينَ؛

لِيَصِيرَ أَرْغِفَةً لِعَوَالِمَ أُخْرَىٰ تَقْطُنُ جُيُوبَ لَيَالِيكِ..

***

الأَحْلَامُ يَا صَغِيرَتِي لَا تُولَدُ فِي نَشْوَةِ اليَبَاسِ،

وَالشَّذَىٰ لَا يَضُوعُ فِي جَوْفِ زُجَاجَةٍ صَمَّاءَ.

اِسْتَمِرِّي فِي تَهْذِيبِ طُقُوسِكِ الغَجَرِيَّةِ،

أَشْبِعِي رَغْبَةً فِي دَيْجُورِ السِّنِينَ،

وَفِي تَأْتَآتِ الوَقْتِ.. فَلَنْ تَضِيقَ مَوَاقِيتُ الصَّبْرِ..

***

نَزَعْتُ كُلِّي مِنْكِ؛

فَمَا كَانَ لِي أَنْ أَغْرِسَ حُزْنِي وَشَجَنِي فِي عَظْمِكِ العَاجِيِّ،

حُزْنِي وَنَوْحِي لِنَفْسِي، وَلِلنَّسِيمِ مَغْنَايَ.

وَأَدْتُ خَيَالَكِ فِي صَمِيمِ الذِّكْرَىٰ وَعَانَقْتُ مَوَاسِمِي،

فَهَا أَنَا ذَا كَسَرْتُ طَوْقَ أَوْهَامِي وَفَرَدْتُ جَنَاحَيَّ لِلرِّيحِ،

سَأَمْلأُ رِئَتَيَّ بِرَذَاذِ غَيْمَةٍ تَغْسِلُ قَلْبِي الشَّغُوفَ،

فَتَنْمُو فِي وَرِيدِهِ طِفْلَةٌ مِنْ عِطْرٍ تَتَوَسَّدُهَا قَصَائِدِي

عُمْرًا بِلَا لُغُوبٍ..

***
فَقَدَرِي الَّذِي فَرَضَ عَلَيَّ الهَوَىٰ،

وَقَلْبِي المَغْمُورُ بِالصِّدْقِ،

سَيَرُدَّانِنِي إِلَىٰ مَعَادٍ...

في نهاية المطاف، ليس كل رحيل خسرانًا؛ فبعض الفراق ينبوع حياة جديدة. حين نكسر طوق الأوهام ونُطلق أجنحتنا للريح، نكتشف أن صدقنا لم يذهب سدىً، وأن المستقبل يتسع لأحلامٍ أنقى وقصائد أجمل. هكذا يُردُّ القلب إلى معاده الشريف، معافىً من الحزن، وجاهزًا لإشراق يومٍ جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة