تُعد القصص الواقعية المستوحاة من قلب المعاناة نافذةً نطل منها على قوة الروح البشرية؛ وفي هذه القصة المؤثرة، نرافق الطفل سليم في رحلة بين الركام والدمار، حيث يتشابك ألم الفقد مع إرادة البقاء.
تبحث هذه القصة القصيرة في التناقض العجيب بين قسوة الحروب وبراءة أحلام الأطفال التي لا تعترف بالقيود. إنها حكاية عن الأمل المستحيل ورسائل الحب التي تُكتب تحت ضوء القذائف، مما يجعلها واحدة من أكثر القصص الإنسانية عمقًا، حيث ترسم بكلماتها مأساة جيل شابت أحلامه قبل أوانه، لكنه لا يزال يؤمن بأن في الحياة متسعًا للفرح، وأن الحرية تولد من رحم المعاناة.
ليست كل الحروب يجب عليك أن تخوضها؛ لا بأس أحيانًا في أن تُلقي رايتك، ولو مؤقتًا، وأن تلبث هنيهةً في صفوف المتفرجين.
بعض الحروب في خسرانها شرف. الانتظار يأكل القلوب كما تأكل النار الهشيم؛ الجميع مرتبك من صوت الضربات المفجِع، ومن هول الرصاص المتطاير. لا تعلم ما يجب عليك فعله؛ أتحتمي من الطلقات، أم من مشاعرك المكبوتة وقلبك المنهك، أم من نظرات عائلتك وأهلك ومن تخاف فقدانهم؟
الأمل، بطريقة ما وبطريقة عجيبة، لا يكف عن مداعبة قلوب الرجال في تلك الأمكنة والأطفال؛ من الركام يُبنى الأمل، وبين أحضان الغرفات تنمو الورود.
ثمة امتزاج غريب بين الضحكات المحفوفة بالأمل والحسرة، وما بين نبضات القلوب التي تخلع الصدور، وما بين صمود وخط فاصل للتسليم. بطريقة ما، يشعر الجميع بالارتياح إزاء قرار وقف إطلاق النار، على الرغم أن الجو لا يزال يشوبه بعض القلق.
مكث الجميع مدة طويلة حتى يستشعروا معنى الطمأنينة من جديد؛ لعل بعض المشاعر الأخرى تنتابهم، غير مشاعر الخوف والذعر والوجوم. وغير مشاعر الاضطراب والصحو على قذيفة قد رجَّ صوتها ثنايا القلوب قبل جدران المنازل.
في منزله الآيل للسقوط وسط الركام وما تبقى منه، انزوى سليم مع لعبته الصغيرة، يغني لها تارة، ويربت على جسدها الجامد تارة، يحكي معها ويمدها من طمأنينته الخافتة.
في الحقيقة، لا تعلم من يستمد طمأنينته من الآخر؛ المنزل، حتى ولو ظل ركامًا في وجه الأعداء، يظل المأمن المملوء بالدفء والحنان، رغم جدرانه الباكية، وسقفه المنحني انحناءةَ من يحمي ذويه من الموت.
لم يسمع سليم طوال الأسبوع سوى صوت القذائف والصواريخ التي تنهمر من حولهم؛ منذ أن انقطعت الكهرباء قبل أيام، والجو هناك قاتم السواد، يحاولون منفردين ألَّا يتسلل هذا الظلام إلى داخل قلوبهم، فتظل الروح النور المضيء الذي يشعل دفء الطمأنينة.

وأيضًا، بالمثل، توقفت المدارس عن استقبال الطلاب خوفًا عليهم، رغم أن الأطفال في تلك الأجواء، مع كل ذخيرة تُطلق، ومع كل انفجار، يشيبون كآبائهم.
فتح سليم حقيبته المدرسية، فوجد بها متنفسًا ما؛ أخذ يقلب صفحات دفتره حتى علت شفتاه ابتسامة الحب والحنين البريء؛ نطق اسمها: «ريم»، وابتسم. ما زالت دميته بيده.
استطرد يقرأ ما في دفتره من كلمات؛ كانت ريم زميلة له في فصل المدرسة المهدوم حاليًا، وكانا من الأصدقاء المقربين الذين يشد بعضهم أزر بعض؛ كلمات حانية بريئة تحمل في ثناياها دفء النار وبقايا الصواريخ، وليس دمارها.
«عزيزي سليم، بكرا بتنتهي الحرب، وبنرجع إلى مدرستنا، ونكبر سوا، لغاية ما نصير بكلية كبيرة ونتزوج لو عيشنا، وبيصير لون شعرنا أبيض، تفتكر؟»
كلمات الحب الطفولية ليست لها مثيل أو وصف؛ هكذا كانت كلمات ريم دافئة حانية تبث الطمأنينة، ولو لقبس من الوقت، رغم استنكارها في آخر حديثها: هل يمهلهما القدر هذه الفرصة أو هذه المشاعر؟ لا أحد يعرف في مثل هذه الظروف، كبيرًا كان أم صغيرًا.
خفق قلب سليم تكرارًا؛ كلما انتهى من كلماتها أعادها مرة أخرى؛ مرة يبتسم ويعلو وجهه الأمل في رؤية القمر بلا دخان من جديد، وتارةً، وجلًا، يمسك بدميته ويشد قبضته عليها، كأنه يخاف أن تزل قدماهما فيفترقا.
ينظر إلى منزله الجاثي فوق ركامه، وإلى أبيه الذي يعتصره الخوف والجلَد بجانبه، ودعوات أمه التي لا تتوقف؛ كان الرصاص والقذائف كأوابل من اللهب، تدمر كل ما في طريقها، ولكن الكل في ذلك المشهد يبحث عن الأمل بطريقته.
ربما ريم لا تعلم عن سليم شيئًا الآن، وربما سليم لم يزل يغط في نومه العميق، يقضي ما تبقى من حياته داخل حلمه المسجى على رفات الأمل، للعناء أصناف وأقساهم فقدان البراءة في طريق النجاة.
مثل آلاف الأطفال الذين تتشابك مشاعرهم بين ما يذوقون من آلام الفقد، وإرادة البقاء، مثلهم مثل آلاف الأطفال الذين يحملون آمالهم ويحييونها رغم ثقل المعاناة، يحلمون بالأمان والبعد عن الدمار.. رائحة الدماء التي تعبق الأجواء، رائحة الموت التي تحوطهم من كل جانب، ومستقبلهم المجهول.
ربما للحلم بقية، وربما في الحياة متسع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.