تُعد القصص الرمزية مرآةً تعكس عيوب النفس البشرية وتناقضاتها؛ فهي لا تسرد أحداثًا فحسب، بل تُشرح الظواهر الاجتماعية المعقدة، وفي هذه القصة، نجد تجسيدًا حيًا لـ«سيكولوجية القطيع» وكيف يمكن لشرارة وهمية أن تُشعل هستيريا جماعية تطمس العقول قبل الأعين.
في صباح يوم عادي، استيقظ عادل، رجل في الأربعين من عمره، فجأة على ارتطام جسم غريب يصدر منه إشعاعٌ جعله يفرك عينيه بشدة. عندما رفع رأسه ونظر إلى السماء، خرج مسرعًا، فقابله جاره وقد ظهرت على وجهه ملامح الحيرة والقلق، يسأله: ماذا بك يا عادل؟ فأجاب بصوت مرتجف: ألا ترى؟ نظر الجار للأعلى فلم يجد شيئًا، ثم قال له بنبرة هادئة: أرى ماذا؟ رد عليه بنفس النبرة السابقة: يوجد وهج أرجواني غريب يرقص حول الشمس، إنني أشعر بحرارة غير طبيعية في جفوني.
ارتبك الجار فرفع رأسه مرة أخرى ليتأكد من الأمر، فلم يجد شيئًا، فشعر بالخوف من أن يظهر بمظهر الأعمى أو الغافل، فألقى بنظرة ثاقبة نحو مجهول من اللاشيء، ثم قال بنبرة متظاهرة بالثقة: نعم، كلامك صح، إنه يتحرك ببطء جهة الشمال.
خلال ساعتين انتشر الخبر بين الناس في البلدة بأن إشعاعًا مجهولًا في السماء يسبب العمى تدريجيًا.

بحلول الظهيرة، بدأت الهستيريا تأخذ شكلًا آخر، فأُغلِقَت المحلات التجارية أبوابها، وهرع الناس لشراء النظارات السوداء، ومن لم يجد غطى عينيه بقطعة قماش داكنة.
ساد الصمت في كل أرجاء البلدة، وتحولت الشوارع إلى ممرات يسكنها الخوف والريبة، وكان الناس يمشون بحذر متمسكين بالجدران، ويدَّعي بعضهم أنهم بدأوا يفقدون القدرة على تمييز الألوان.
رغم التحذيرات من الخطر الذي وقع على البلدة، كان يوجد مقهى في زاويةٍ ما، وفيها كان الوحيد الذي ظل مفتوحًا، يجلس فيه رجل طاعن في السن يلقبه الناس بالشيخ حسن، وهو رجل فقد بصره منذ سنوات طويلة. كان يسمع خرافات الناس وتدافعهم، يضحك بصوت عالٍ على نبرات أصواتهم المخجلة.
التفت إليه رجلٌ يضع عصابة على عينيه وقال له بنبرة غاضبة: كيف تضحك ونحن نواجه نهاية العالم؟ السماء تحترق يا رجل!
أجاب الشيخ بنبرة بها رصانة وهدوء: يا بني، أنا أعيش في هذا الظلام منذ ولادتي، ولم أشعر يومًا بسلام نفسي كما أشعر به اليوم، فالشمس التي تصفونها باللهب لا تزال ترسل دفئًا حنونًا على وجهي، والطيور التي تقولون إنها سقطت من أثر الأشعاع ما زلت أسمع زقزقتها فوق رأسك تمامًا.
لم يهتم الناس، ولم يصغوا لما قاله، بل بدأوا يبتكرون علاجات وهمية. صاح أحدهم بأن غسولًا بخل التفاح يقضي على الأشعاع، فاكتظَّ الميدان بالناس وتحول إلى ساحة للمعارك للحصول على المنتج، الأمر الذي أدى إلى إصابة الكثيرين بالتهابات حادة حقيقية في العينين. فصاح الشيخ بنبرة جهورية عالية: الآن... لقد أصبح الألم واقعًا، والدموع التي تُذرف لم تكن من الأشعاع، بل من وهمكم وابتكاركم وجهلكم الذي أخذكم إلى التهلكة والدمار.
في مساء ذلك اليوم، وصل شاب يعمل في وكالة الأرصاد الجوية إلى البلدة، وعندما عرف بما يحدث من خرافات البشر حول تعاملهم مع الحدث الكوني الكارثي، والأدهى من ذلك رفضهم وطمس آذانهم عن الإصغاء للحقيقة، فذهب مسرعًا بسيارته، وعليها مكبرات صوت عالية، كان يصرخ بنبرات ملتهبة فيها إشفاق: «يا ناس، لقد فحصنا الغلاف الجوي بالأجهزة المتطورة، فلم نجد شيئًا غير طبيعي، فالسماء صافية تمامًا، ولا يوجد أي وهج أرجواني، ارفعوا العصابات عن أعينكم!»
لم يصغِ له أحد، وكانت مفاجأة صادمة له عندما لم يرفع أحد العصابة، بل صرخوا في وجهه بنبرات حاقدة ونظرات بها ازدراء: أنت كاذب، تريدنا أن نفتح أعيننا لنصاب بالعمى.
حينها أدرك الشاب أن الكذبة تحولت إلى هوية، وأصبح الخوف هو الرابط الوحيد الذي يجمعهم.
انتهى اليوم، وما زال الناس في البلدة غارقين في عتمةٍ اختيارية، مع أن الحقيقة كانت واضحة كوضوح الشمس أمامهم دون الحاجة إلى أجهزة متطورة؛ كانت تحتاج فقط إلى شجاعة فرد واحد يستطيع كسر الروتين المعتاد والخروج من جو القطيع ويعترف بأنه لا يرى شيئًا.
لقد وقع الناس في فخ الهستيريا، ليس لأن السماء تغيرت، بل لأن البشر فيها يفضلون أن يكونوا مع حثالة من القطيع على أن يكونوا عقلاء وحدهم فاهمين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.