اللغة العربية هي الوعاء الذي يحمل تاريخنا وقيمنا، وفي ظل الانفتاح العالمي المتسارع، أصبح تعلم اللغات الأجنبية ضرورة لا غنى عنها لفتح آفاق التواصل وفهم الثقافات الأخرى. لكن، متى يتحول هذا التعلم من مهارة محمودة إلى وسيلة للتخلي عن الهوية والأصل؟
كثيرًا ما تتردد في أذهاننا تساؤلات حول معايير التحضر؛ هل تُقاس قيمة الإنسان بمدى طلاقته في لغة غيره؟ ولماذا يتعرض البعض للتنمر لمجرد تمسكهم بلسانهم الأم؟ من خلال قصص ملهمة وواقعية، ندرك أن الفخر الحقيقي ليس في ذوبان الذات، بل في القدرة على عبور جسور اللغات دون التفريط في الجذور.
لا بد للإنسان أن يدرك أن تعلَّمه لغاتٍ أخرى أمرٌ محمود، لكن الخطأ أن يتحول هذا التعلم إلى وسيلة للتخلي عن هويته وأصله. لماذا نفتخر دائمًا بأننا نتحدث اللغات الأجنبية بطلاقة، مع أننا لسنا مجبرين على ذلك؟ إننا نتعلم اللغات الأجنبية لكي نُسَهِّل التواصل، ونتعرف على ثقافات الشعوب المختلفة، وليس لكي نتجرد من هويتنا أو لغتنا.
فكما أن في دولٍ كثيرة لا يُسمح للإنسان أن يتحدث إلا بلغتهم، فإن اللغة العربية هي لغةٌ عريقةٌ ضاربةٌ في جذور التاريخ، وليست لغةً أقل شأنًا حتى يخجل منها أصحابها. ومع ذلك، نجد أحيانًا أن بعض الأشخاص يتعرضون للتنمر فقط لأنهم لا يتحدثون الإنجليزية أو غيرها بطلاقة، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بقدرته على تقليد لغة غيره.
مع أننا لسنا مجبرين على أن نتحدثها بطلاقة، يكفينا أن نتعلمها لنحسن التواصل، لا أكثر ولا أقل. فنحن نتعلم اللغات لكي نُسَهِّل التواصل مع الآخرين، وليس لكي نلغي أنفسنا أو نهمل جذورنا. إن الفخر الحقيقي ليس في أن نتخلى عن لغتنا، بل في أن نتعلم غيرها دون أن نفقد أنفسنا.
اللغة والهوية
في قريةٍ واسعةٍ تشبه العالم، كانت البيوت فيها لا تُبنى بالحجارة، بل تُبنى بالألسنة والكلمات. كان كل بيتٍ يمثل لغةً مختلفة، وكان أهل القرية يتنقلون بين البيوت، يتعلمون لغات بعضها البعض، كي يسهل عليهم التواصل والتفاهم.
وفي قلب هذه البيوت، كان هناك بيتٌ عريق، قديمٌ في أصله، راسخٌ في تاريخه، اسمه اللغة العربية. كانت كالأم، ولدت أبناءها من حروفها، وربتهم على فصاحتها، وغذَّتهم من تراثها. كان الأبناء يكبرون، ثم يخرجون إلى البيوت الأخرى، يتعلمون لغاتها، وينبهرون بها أحيانًا، ويحاولون التحدث بها كما يتحدث أهلها.
وكان ذلك طبيعيًا، بل كان وسيلة للتواصل بين البيوت. لكن مع مرور الوقت… بدأ شيءٌ يتغير. بدأ بعض الأبناء يتفاخرون بطلاقة غيرهم في تلك اللغات، ويشعرون أن قيمة الإنسان تُقاس بقدرته على إتقانها، حتى أصبح من لا يتحدث لغة البيوت الأخرى بطلاقة محل سخريةٍ وانتقاد.
وكان من بينهم شابٌ مختلف. كان يتعلم تلك اللغات، لكنه لم يكن يجيدها بطلاقة، ولم يكن يرى ذلك نقصًا. كان يقول بهدوء: «يكفيني أن أفهم اللغة، حتى أستطيع أن أتواصل مع أهلها، وأفهم ثقافتهم، دون أن أفقد نفسي». لكنهم لم يسمعوا له، بل بدأوا يقولون: «أنت غير متحضر». «أنت لا تجيد اللغات». «أنت أقل منا». وكانوا يسخرون منه لأنه لا يتحدث بطلاقة كما يتحدثون. ومع ذلك، ظل ثابتًا على رأيه؛ لم يكن يرى أن الطلاقة معيارًا للقيمة، بل وسيلة فقط للتواصل، لا أكثر.
وفي يومٍ من الأيام، عاد إلى بيت أمه، اللغة العربية. جلس إليها، يشكو لها ما يراه من سخرية أبنائها منه، ومن نظرتهم إليه. فابتسمت الأم، وقالت له بصوتٍ دافئ: «يا بني… أنت لست مخطئًا». ثم أكملت: «ليس المطلوب منك أن تتحدث اللغات الأخرى بطلاقة لتكون أفضل، بل المطلوب أن تتعلمها لتفهم العالم من حولك فقط».

وسكتت لحظة، ثم قالت: «لكن إياك أن تظن أن قيمتك في تقليد غيرك، أو في التخلي عن هويتك». ثم وضعت يدها على قلبه، وقالت: «اللغة العربية ليست مجرد كلمات، بل هي جزء من هويتك، وجزء من تاريخك، وجزء من نفسك». وأضافت: «والخجل منها، أو التقليل من شأنها، هو نوعٌ من التجرد من الذات». ثم قالت بحنان: «تعلم اللغات الأخرى، نعم… لكن لا تجعلها تسرق منك نفسك».
ابتسمت الأم، ثم قالت له بهدوءٍ عميق: «يا بني… إن بيوتًا كثيرة في هذا العالم لا تسمح لأحد أن يدخلها إلا إذا تعلم لغتها، ولا تتحدث مع الزائرين إلا بلغتها هي، ويعدون ذلك فخرًا واعتزازًا بهويتهم». ثم تنفست قليلًا، وأكملت: «ومع ذلك، لا يرون في ذلك نقصًا، بل يرونه قوةً وتمسكًا بالأصل». ثم قالت بنبرةٍ أكثر وضوحًا: «ونحن لسنا أقل منهم، بل لدينا لغة عريقة، وثقافة عظيمة، وتاريخٌ ممتد».
وأضافت: «نحن نتميز فعلًا… بقدرتنا على تعلم لغاتٍ أخرى، وفهم ثقافات مختلفة، والتواصل مع العالم». ثم توقفت لحظة، وقالت بحزمٍ هادئ: «لكن هذا لا يعني أن نتجرد من هويتنا». وأكملت وهي تنظر إليه: «ليس المطلوب أن نلغي أنفسنا، أو أن نستبدل لغتنا في بيوتنا، أو بين أهلنا، بل أن نحافظ على ما يمثلنا».
ثم قالت وهي تشير إلى المعنى الأعمق: «حتى أولئك الذين يتفاخرون بتعلم اللغات الأجنبية، أحيانًا ينسون أمرًا مهمًا… وهو أنهم في بيوتهم أنفسهم، باتوا يتحدثون بلغاتٍ لا تمثلهم، وكأنهم غرباء داخل أوطانهم». ثم خفضت صوتها قليلًا وقالت: «وهنا تكمن المشكلة… ليس في التعلم، بل في الاستبدال». ثم وضعت يدها على قلبه، وقالت: «تعلموا ما شئتم من لغات العالم، لكن اجعلوا لغتكم هي لسان بيتكم، وهي صوتكم الحقيقي». وختمت حديثها قائلة: «فالإنسان لا يُعرف بما يتعلمه فقط، بل بما يحافظ عليه من ذاته».
فنظر إليها الشاب، وشعر لأول مرة بالطمأنينة، وأدرك أن المشكلة لم تكن فيه، ولا في نقصه، بل في ميزانٍ خاطئ وضعه الناس للقيمة. ثم قال في نفسه: «أنا أتعلم لأتواصل، لا لأتخلى عن هويتي». ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يرى اللغة الأجنبية معيارًا للتفوق، بل وسيلةً للفهم فقط، أما هويته… فكانت ثابتة لا تتغير.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.