قصتي مع شقيق كورونا

قبل حوالي عشرة اعوام، شعرت ببعض الآلام في رأسي وارتفعت حرارتي بشكل جنوني، ثم صاحب ذلك قيء وغثيان وفقدان للشهية، قضيت الليل بكوابيس مخيفة وانا اتقلب من شدة الالم وارتفاع درجة حرارتي، في الصباح الباكر اخذني والدي إلى المستشفى الذي يبعد عن ثلاثة كيلومترات عن منزلنا، لم اكن انطق شيئًا وجسمي كان لا يحتمل ملمس القميص الذي ارتديه، وكل جسدي يقشعر من مجرد سماع صوت عال، قطعنا وصل الدخول إلى الطبيب، ووقفنا في الطابور الذي كان مكونا من مجموعة كبيرة من الرجال والنساء والأطفال الذين يعانون مختلف الامراض، تدبر والدي طريقة ما، لم اعلم بها، بإدخالي إلى الطبيب متجاوزا مجموعة ممن كان دورهم قبلي، وكان ذلك بمثابة انتصار كبير، دخلت على الطبيب اخيرا وكانت غرفته مكتضة بالمراجعين، ولاول مرة رأيته يرتدي كماما ازرقا، وكفوفا بيضاء، لم أتساءل عن ما رأيته فالالم والقيء اتعباني وانهكا قواي، لكن سرعان ما تغير لون وجه والدي والطبيب يهمس له ببعض الكلمات التي لم افهمها لشدة انخفاض صوت الطبيب، بعد ثواني قليلة سقطت ارضا وحملني والدي إلى المكان الذي عينه الطبيب لنقلي اليه، قرأت القطعة المكتوبة على باب الردهة بصعوبة بالغة وكان مكتوبا عليها (الانتقالية)، لم افكر بمعنى هذه الكلمة وكل ما كان في بالي اني مصاب بحمى التيفوئيد التي سبق وان اصبت بها في صغري وكانت اعراضها مشابهة لهذه الاعراض..

غرقت في النوم لساعات ولما استيقظت كان الظلام قد اخذ بغزو النهار وتسلل إلى الفضاء الفسيح الذي يطل عليه الشباك الذي بجانب سريري.

بدا الألم الذي كنت اعانيه قد اخذ بالتلاشي وشعرت بأني قادر على التحرك وحدي، سألت والدي اخيرا، لماذا نحن هنا، وما الذي اعانيه؟ اخبرني بأني اعاني من حرارة مرتفعة ولا شيء مهم وسنخرج بعد دقائق، دخل بعض اقاربي على الردهة التي كنت فيها وهم ينطقون (انت مصاب بهذا الفايروس حقا؟ كيف حدث ذلك، ومتى انتشر المرض في العراق؟).. تفاجأت وعدّلت من وضع استلقائي على السرير وانا انظر في عيني ابي وكأني اعاتبه على إخفاء الامر عني، وتذكرت اني قد قرأت على باب الردهة قبل دخولي عبارة (الانتقالية) وان فايروسا منتشرا في العالم اسمه انفلونزا الخنازير (H1N1)، فعرفت حينها اني مصاب او مشتبه بإصابتي بهذا المرض الذي كان شائعًا حينها في دول كثيرة، نظرت لمن حولي وانا ارى جميع الممرضين يرتدون بدلات بيضاء وكمامات وكفوف واحذية غريبة، لم اشعر بالخوف الا من اني محتجز مع اشخاص قد يكون احدهم مصابا بهذا المرض فعلا، فأنا كنت اعتقد اني مصاب بالتيفوئيد لا غيره. كانت وفود من العائدين للمرضى تدخل وتخرج دون ان يمنعها احد، والنكتة الأخرى ان بعض المحتجزين كانوا قد خرجوا وعادوا بعد ساعة، ولما سألهم ابي: اين تذهبون؟ قال احدهم: ذهبت لتناول العشاء في البيت وعدت!!

كيف لمحتجز مشتبه بإصابته بهذا المرض ان يخرج ويعود دون ان يمنعه احد؟!

في الصباح كنت قد تحسّنت كثيرا، وقد يكون تحسّني بسبب الخوف من البقاء او انني كنت اعاني من نزلة برد او ما شابه، اخبرت ابي بأن علينا الخروج وإني اخاف ان أصاب انا او هو بالعدوى من احد المصابين فعلا بهذا المرض، وبالفعل، بعد دقائق قليلة امسك ابي بيدي ولُذنا بالفرار من الردهة التي كنا (معتقلين) فيها ونحن نطلق ساقانا للريح غير آبهين بمن ينظر لنا ونحن آتيان من جناح الردهات المخصصة للامراض الانتقالية فالحجز لم يكن مبنيا على تحاليل طبية ولم يكن سوى قرار من الطبيب دون ان يتفحص حالتي. 

هل ستتكرر هذه القصة مع كورونا؟ لا سيما وان هذين الوباءان من سلالة الأوبئة القاتلة سريعة الانتشار واني ممن يُصابون بنزلات البرد والانفلونزا بشكل شبه منتظم في كل موسم..

بصراحة، لو أصبت بهكذا اعراض سوف أتأكد أولاً من أنني مصاب حقًا وأول شيء سأفعله هو عزل نفسي لحماية عائلتي وأصدقائي. فأنا صاحب تجربة مرة. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

Apr 9, 2020

للأسف، هذا التعامل مع المرضى في الوطن العربي ذون اي اهتمام فيهم، ولدينا ذات التعامل ايظا.

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

نعم، مع شديد الأسف عزيزي مروان

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jul 19, 2020 - د خالد جمال عبد المعين
Jul 6, 2020 - عبد المنعم محمد أحمد السلمون (عبد المنعم السلموني)
Jun 17, 2020 - عبد المنعم محمد أحمد السلمون (عبد المنعم السلموني)
Jun 14, 2020 - أبوبكر عمر محمد احمد
Jun 11, 2020 - أحمد سمير عبدالمقصود محمود عبده
Jun 11, 2020 - د/ نورالدين السعداوي
Jun 6, 2020 - كميل محفوض
May 31, 2020 - وليد خليفة هداوي الخولاني
May 31, 2020 - وليد خليفة هداوي الخولاني
May 18, 2020 - المغراوي حسن
May 16, 2020 - د/ نورالدين السعداوي
May 15, 2020 - مصطفى محمد جمال الدين احمد عيسى
May 6, 2020 - حسناء ماهر محمد كرم الله
Apr 29, 2020 - عبدالقادر حسام عبدالقار أبو شعبان
Apr 7, 2020 - محمد رجب العلي الجوار
Apr 5, 2020 - شيماء مسعودي
Apr 1, 2020 - حنين الباشا
Mar 28, 2020 - Ibrahim Al - Sarraj
Mar 26, 2020 - أمجد أسامة أبوبكر إمام
Mar 14, 2020 - امل حسن لافي
Mar 1, 2020 - ابراهيم احمد موسي الشريف
نبذة عن الكاتب