قصّتي مع تدخين الحشيش


أذكر ذات يوم أنّ أحد أساتذتي سألني عمّا أريد أن أصبح عندما أكبر، لقد أجبته بكلّ ثقة أنّي سأغدو مهندس قناطر وجسور،

لقد كنت حينها مفعمًا بالحياة مفعمًا بالأمل، وكلّي طاقة إيجابيّة.

أذكر أنّي كنت أحبّ المغامرات والخروج إلى الطبيعة كما أنّي أحببت خوض التّحدّيات...

أتت المرحلة الثّانويّة... وتعرّفت فيها على أصدقاء جدد... أصدقاء كانوا يشاركوني حبّي لأشياء جميلة مثل الفنون، من بين هذه الفنون فنّ المسرح الّذي صرت أزاوله في دار الشّباب، فكنت أجتهد في تقمّص الأدوار الّتي تعطى لي، وكنت أبادر لفعل أيّ شيء من شأنه الرّقيّ بأعمالنا الفنّيّة.

نعم، لقد كنت مجتهدًا، إلى أن تعرّفت على بعض الرّفاق، سأسمّيهم رفاق السّوء.

كنا ننتهي من أنشطتنا التّربويّة في دار الشّباب لنجتمع في مكان قريب نجلس فيه نتبادل الأفكار والآراء، ونتجاذب أطراف الحديث ونتشارك النّكات والقصص.

بعض الرّفاق كانوا يدخّنون، لم أهتمّ للأمر، كنت أرى أنّهم مخطؤون، وهم يتحمّلون مسؤوليّة أفعالهم، وكنت أقول أنّي لن أدخن مثلهم أبدًا.

إلّا أنّه مع الوقت وتوالي الأيّام صار عندي فضول لأعرف ما هو الإحساس الّذي تتركه السّيجارة عند المدخّن، ولماذا هؤلاء الرّفاق يخسرون دراهمهم القليلة ليشتروا هذا السّمّ القاتل فقرّرت أن أجرّب، وفعلت لكنّي لم أجد أيّ تأثير يذكر، ثمّ في أحد الأيّام قرّرت أن أجرّب تدخين الحشيش لكي أجزم بأمره هو الآخر، فطلبت من أحد الأصدقاء أن يمرّ لكي أدخن معه من سيجارته الملفوفة، وكذلك فعل، وليته لم يفعل.

لمّا دخّنت من تلك السّيجارة الملفوفة بعناية أحسست نفسي سعيدًا لدرجة كبيرة، وكنت مستعدًا للضّحك على أبسط الأشياء، نعم لقد تخدّرت وصرت أرى كلّ شيء جميل، وبداخلي أحس بشعور الطّمأنينة، لا أدري من أين يأتي.

نعم، يا إخوتي لقد أعجبتني التّجربة، وأعجبني مفعول تلك السّيجارة الملفوفة، فصرت أطلب من أصدقائي أن يتركوني أدخّن معهم، وكانوا يفعلون، إلى أن صاروا يرونني أطلب ذلك منهم باستمرار، فطلبو منّي أن أساهم معهم ببضعة دراهم لاقتناء الحشيش والسّجائر، وكذلك صرت أفعل، كنت آتي كلّ ليلة ومعي بضع دراهم لأساهم بها، فكنّا نجلس كالعادة نتسامر وندخّن الحشيش.

لم أدرك نفسي حتّى صارت جلسة تدخين الحشيش طقسًا رسميًّا بالنّسبة لي، وإن لم أدخّنه أفقد مزاجي ويتعكّر، وشيئًا فشيئًا صرت أدخّن في اللّيل والنّهار حتّى جاء وقت لم أعد أحسّ بنفسي مستيقظًا ويقظًا، فكلّما أتى يوم جديد أبتدئه بتدخين سيجارة ملفوفة بالحشيش، وقبل أن أنام أختتم اليوم بسيجارة ملفوفة أخرى.

أحسست أنّ حياتي باتت تتمحور حول الحشيش فقدت الرّغبة في ممارسة هواياتي، كلّ ما صرت أرغب فيه هو أن أدخّن، وحتّى الرّغبة في الدّراسة اختفت، كنت أذهب للمدرسة متكاسلًا كارهًا، وأنتظر فقط متى تنتهي الحصّة.

نعم لقد أثّر بي تدخين ذلك المخدّر المقزّز، وأثّر برغباتي، وبشخصيّتي، وتسبّب لي بانطواء على ذاتي، فصرت أسال نفسي كلّ يوم، هل هذه الحياة الّتي كنت أريد؟ أين المغامرات الّتي كنت أقوم بها؟ أين هو المسرح الّذي كنت أحبّ؟ أين هي هواياتي؟ أين أصدقائي الطّيبون المحترمون، لم أعد أعرف سوى الأشخاص السّيئين في حياتي.

لقد أدركت أنّني أخطأت لكنّي لم أعلم كيف أنقذ نفسي من هذا الواقع السّيّئ.

الحمد لله على نعمة الإسلام، حينما كنت في أضعف حالاتي تذكّرت ربي ذا الجلال والإكرام، ولجأت له وانهلت عليه بالدّعاء والبكاء... بكيت لله، بكيت حتّى أحسست أنّني أزلت أوساخًا ثقيلة من صدري، أمضيت شبه ليلة كاملة وأنا أدعو ربّي، وأحسست أنّه بجانبي، ويسمع دعائي فقلت يا ربّي: أنت القدير الكبير اعف عنّي، أنا عبدك الضّعيف.

وها أنا وقد أقبل الفجر حتّى كانت طمأنينة ربانيّة تغشى جسدي وروحي، جلست مع نفسي أفكّر، فقلت: أنا اليوم لا أريد التّدخين بعد الآن فإن كنت حرًّا فسأطوي صفحة التّدخين، وإن كنت عبدًا فسأعلق فيها، لملمت أحاسيسي واستجمعت قواي، وأقسمت، نعم أقسمت على أنّي لن أتناول مخدّرًا كيف ما كان نوعه بعد الآن، وأقسمت على أن أحترم هذا القرار مهما كلّفني الأمر.

اليوم أنا أحتفل بالذّكرى التّاسعة ليوم إقلاعي عن تدخين الحشيش، كلّي سعادة لأنّي استطعت أن أطوي تلك الصّفحة لكنّ سعادتي ليست كاملة، لأنّي أعلم أنّ هناك إخواننا في أماكن أخرى في هذا العالم، لا يزالون يعانون مع هذا المخدّر، أعلم أن نسبة كبيرة منهم تريد الإقلاع لكنّهم لا يعلمون كيف، نصيحتي لكم إن كنتم من هاته الفئة لا تيأسوا ولا تستسلموا واعلموا أنّكم مفتاح مستقبلكم، وإنّ إرادتكم هي القوّة الوحيدة في هذا الكون القادرة على إخراجكم ممّا أنتم فيه، واعلموا أنّني توقّفت عن مزاولة الأنشطة الفنّيّة والتّربويّة، ولم أصبح مهندسًا جسورًا، ولا قناطر، بسبب إدماني الحشيش، ولا أريدكم أن تفقدوا أحلامكم مثلي بسببه.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب