«المشكلة إني حاسس إن الناس كلهم مراقبيني، أنا إزاي هكمل حياتي كده، وكأنهم منتظرين إني أعمل أي غلطة، حتى في طريقة مشيتي، وكلامي، حقيقي الحياة صعبة جدًا». منذ أقل من عامين، عانى أحد أعز أصدقائي من القلق الاجتماعي. بدأ الأمر معه وهو غير واعٍ به، كان قلَّما يخرج من المنزل إلا لتحصيل دروسه، ولم يكن يفعل في حياته غير المذاكرة -بالتأكيد فهذه سنة شهادة الثانوية العامة- كان أكثر ما يخيفه ويبعث فيه الرعب ليس الظلام، فهو لم يعد طفلًا، ولا أي فيلم من سلسلة أفلام «Annabelle» ولا سلسلة «Saw»، فقد سمع عنها كثيرًا واعتادها، ولا البقاء وحيدًا -اللهم وإن كانت تلك هي لحظة سعادته البالغة- بل كان الخروج من المنزل والوقوف وسط زخم ضجيج هذا العالم، يسمع هذا يتحدث وتلك تتحدث. وإن كان سيره على قدميه أمام أحدٍ ما، كان يشعر بأنه لا يسير بطريقة صحيحة، فيشعر بأن إحدى قدميه تسير في اتجاهٍ والأخرى في اتجاهٍ آخر. وإن كان هناك بعض الفتيات في طريقه، فإنه يحيد عن الاتجاه، لا بسبب الزحام، ولكن خشية أن يراه أحد فيظن أنه ينوي معاكسة إحداهن أو يظن به أي سوءٍ كان. وإن كان صديقنا المسكين يتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه لكي ينزوي عن الأنظار ويسير في الشارع وكأنه «The Invisible Man» من سلسلة «Hotel Transylvania»، حيث لا يراه أحد.
مقاطعة إلى منظورٍ آخر.. تأثير بقعة الضوء
عذرًا، قارئي العزيز، على المقاطعة، لننتقل من عقل صديقي إلى فقرة علمية لن تطول لتفهم حقيقة ما يدور داخل عقله: هل شعرت يومًا أن الجميع يراقبك وكأنهم يترقبون وقوعك في أي خطأ أو قيامك بأي سلوكٍ غير مهذب؟! تُعرف هذه الظاهرة بتأثير بقعة الضوء «spotlight effect» التي تؤدي إلى ميل البعض للاعتقاد بأن الآخرين يولونهم اهتمامًا أكبر مما هو عليه في الواقع. بمعنى أن ميلنا الدائم إلى الشعور وكأننا تحت أضواء اهتمام الآخرين يحدث كثيرًا في حياتنا اليومية، سواء في المواقف الإيجابية كأن نقدِّم عرضًا تقديميًّا ناجحًا ونبالغ في تقدير مدى إعجاب زملائنا به، أو في المواقف السلبية كأن نفشل في العرض ونشعر أن الجميع لا بد أنهم يسخرون منا من وراء ظهورنا.
ما تأثير بقعة الضوء؟
يُعد تأثير بقعة الضوء مجرد مثالٍ واحد على نوعٍ من التشوهات المعرفية يُعرف في علم النفس بالانحيازات الأنانية. يؤثر هذا في طريقة رؤيتنا للأمور، إذ يجعلنا نعتمد بطريقة مفرطة على وجهات نظرنا الخاصة، بدلًا من التكيُّف مع وجهات نظر الآخرين وأخذها في الاعتبار. ومن الأمثلة الشائعة لهذا الانحياز الأناني -كما يتمثل في عقل صديقي المذكور في أول المقال- تأثير الإجماع الوهمي الذي يجعلنا نفترض أن معظم الناس يشاركوننا المعتقدات والآراء ذاتها. ويوجد أيضًا وهم الشفافية الذي يشير إلى ميلنا إلى الاعتقاد بأن الآخرين قادرون على تمييز ما نفكر فيه أو ما نشعر به.
على مدار حياتنا اليومية، يمكن القول إننا جميعًا نؤدي دور عالم النفس الاجتماعي الهاوي، إذ نحاول باستمرار فهم دوافع تصرفات الآخرين. غير أن الانحيازات الأنانية المتعددة تكشف عن نزعتنا إلى جعل أنفسنا محور الأحداث، حتى وإن لم نقصد ذلك -ففي النهاية، المنظور الوحيد الذي نمتلك وصولًا مباشرًا إليه هو منظورنا الخاص، ما يعني أن تفسيرنا لأي موقف يكون مُرشّحًا عبر أفكارنا ومشاعرنا الشخصية.
مضاعفات ظاهرة بقعة الضوء
يمكن أن ينتج الشعور بالرهاب الاجتماعي عن هذا التأثير، ما يؤثر على حياتنا الاجتماعية وصحتنا العامة، كما قد يدفعنا إلى اتخاذ قراراتٍ بناءً على افتراضٍ خاطئٍ بأن الآخرين يراقبوننا باستمرار ويقيِّمون تصرفاتنا. غير أن الحقيقة، سواء كانت مريحةً أم محبطةً، هي أن الناس غالبًا لا يلاحظون أو يكترثون للأمور التي نشعر بوعيٍ شديدٍ تجاهها. ويمكن لهذا التصور الخاطئ أن يكلّفنا فرصًا ثمينةً ويؤثر سلبًا على علاقاتنا بالآخرين. لكن بمجرد أن ندرك وجود هذا الانحياز، يمكننا اتخاذ خطواتٍ للتغلب عليه.
ماذا بعد الرهاب الاجتماعي؟
لن يجدي العلاج بالدواء نفعًا، عن تجربةِ صديقي العزيز، لكن المواجهة كانت ولا تزال علاجه الوحيد: مواجهة هذا العالم، مواجهة المعتقدات الباطنة، مواجهة الظنون الكاذبة. كلنا نحيا في عالمنا، ولا شيء يستحق الظن بأننا تحت أنظار الجميع؛ لأنهم في عالمهم، وفي مشاغلهم، وفي مشكلاتهم، وفي عقباتهم، وفي أكاذيبهم وظنونهم ومعتقداتهم، وقصة حياتهم التي هي أشبه بالمسلسل، ليست ثلاثين حلقةً مثل مسلسلات رمضان، أو عشر حلقاتٍ أو ثمانية كالمسلسلات الأجنبية، ولكنها تمتد بطول حياة كلٍّ منا، وتفنى بفنائنا.
صديقي العزيز، وأنتَ، وأنتِ، أنتم أبطال هذا المسلسل. هيا بنا، عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة، نحيا مسلسلنا الخاص، ولا نُشغل إلا به، ونتحاشى الظن بأن اليد العليا في هذا المسلسل للآخرين. يعتقدون بك ما شاءوا أن يعتقدوا، لكنها يداك، وطريقة تفكيرك، ومبالغتك في التفكير والتصرف، التي كان بيد صديقي تحاشيها، لكنه أراد أن يكتب هذه الحلقة من مسلسله تحت عنوان «قصتي مع الرهاب الاجتماعي».
احسنت النشر صديقي مقال رائع
احسنت النشر صديقي مقال رائع
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.