قصَّة


صدمة، خيانة، ألم، يأس...
أقف الآن على الحافة في منتصف الليل.
حافة ماذا؟
حافة مبنى بثلاثة طوابق.
في يدي اليسرى الشيء الوحيد الذي أحببته في هذا العالم وفي اليد الأخرى أكثر شيء كرهته.
-لا! لا تفعلي!
صراخ، أضواء، دموع، والمزيد من الألم.
هل حقًا يظنون أني سأقفز؟ لست بهذا الضعف.
أرفع يدي اليمنى وأفتح قبضتي عن ذلك الخاتم الصغير.
المزيد من الصراخ، الأضواء، الناس، أصوات كثيرة.
الخاتم في يدي، ذكريات، ذكريات، ألم...
وفجأة لا أسمع شيء، دموع، خيانة...
وحدي، حزن، ألم...
أقف على الحافة.
حافة البئر.
أفكار، ذكريات، أسئلة، لا أجوبة.
أكمش يدي على الورقة.
دموع، ذكريات، رفض، العائلة.
-ماذا تفعلين هنا نحن على وشك الرحيل.
صوت، عادات، تقاليد، سمعة.
أصعد على الحافة.
-ماذا تحاولين الفعل يا مجنونة؟ هل تعرفين عواقب أفعالك؟
حيرة، نسيان، أفكار، المزيد والمزيد.
هل تظن حقًا أني سأقفز؟ لست ضعيفة لأفعلها؟
أرفع الورقة أتأملها، دموع، ذكريات، ألم.

الواقع، غضب، كبرياء.
أرمي الخاتم بكل قوتي بعيدًا.
-أرجوك لا تفعليها.
عادت الأصوات، ألتفت.
ألتفت لأنزل لكن فجأة أسقط للخلف.
صدمت، سقوط، فراغ، فزع.
هل هي النهاية؟ أشعر بأنني أهوي.
مستحيل هل سأذهب هكذا؟
هل بعد كل شيء سأذهب هكذا؟
استسلام، ضعف، أغمض عيني، النهاية، ثوانٍ.
اصطدام، ألم، أصوات، صراخ، كلام، ثم لا شيء...

أمزق الورقة، أشلاء، دموع، وقت.
رميت الأشلاء في البئر العميق لتهوي في الظلام.
ألتف لأنزل لكن سقوط، صراخ، صدمة، ألم.
هل هي النهاية؟
فزع، أسئلة، بكاء، نداء.
هل سأتوقف هنا؟
هل هذا كل شيء لي؟
ثوانٍ، أصوات، تشويش، اصطدام، ظلام، وجوه، دم، ألم، أصوات، صراخ، ثم لا شيء...

تشويش، ألم، دم، النهاية، الوداع، ظلام...
تهطل الأمطار بقوة على الطريق الخالي تقريبًا من الناس.
سيارة الإسعاف تشق طريقها بسرعة نحو المستشفى في منتصف الليل.

خلفهم سيارة الشرطة التي كانت تحاول الوصول للفتاة التي تحتضر الآن قبل أن تقفز خلفها سيارة أخرى لأهل الفتاة إن صح التعبير، داخل سيارة الإسعاف صوت جهاز دقات القلب ممزوج مع صوت سيارة الإسعاف، والشرطة، ووقع قطرات المطر القوي في الخارج، صمت قوي لا أحد في سيارة الإسعاف غير تلك الفتاة التي تودّع الحياة، بالإضافة للممرضة التي تبدو قلقة من موت الفتاة قبل الوصول للمشفى، وتلك المرأة التي تبدو وكأنها والدة الفتاة تجلس أمامها في صمت وكأنها في عالم أخر يبدو عليها أنها امرأة في آخر الثلاثينات...

هالات سوداء تحت عينيها، جبينها يتصبَّب عرقًا رغم أنهم في شهر ديسمبر...
أفكار، عرق، هواجس، خوف.
-لقد وصلنا!
أفاقت المرأة على صوت الممرضة التي بدأت في إنزال سرير الفتاة مع بعض الممرضات الأخريات.
-بسرعة!
تيت تيت تيت تيت...
-إننا نفقدها!
تيت تيت تيت تيت...
-أين الطبيب!
تيت تيت تيت تيت...
-أنا هنا!! بسرعة أخبروني ما هي حالتها!
تيت تيت تيت تيت...
-فتاة عمرها 18 سقطت من مبنى مكون من ثلاث طوابق منذ ساعة تقريبا!
إصابة قويَّة في الرأس، وأقل خطورة في باقي أعضاء الجسم!
علينا نقلها لغرفة العمليات فورًا!
تيت تيت تيييييييييي
-لا وقت!
بسرعة أحضروا لي جهاز الصدمات الكهربائية!
-ماذا حدث لابنتي!
تييييييي.
-قلبها متوقف!
الضربة الأولى
-ما زال متوقفًا ارفعوا القوة!
الضربة الثانية
-نبضها عاد لقد نجحنا!! لكنه ضعيف!
الضربة الثالثة
-لقد عاد النبض!
-بسرعة علينا نقلها لغرفة العمليات!

بعد ثلاث ساعات:
نفس المرأة جالسة على الكرسي بضياع.
هواجس، خوف، تفكير، قلق...
رجل واقف أمام باب غرفة العمليات يسير ذهابًا وإيابًا، وجهه شاحب، وهالات سوداء تحت عينيه الخضراء.

قلق، توتر، هل ستموت؟
خرج الطبيب، وجهه لا يبشر بالخير.
هواجس، خوف، فضول، ألم.
-ماذا حدث؟
قالت المرأة بفزع:
-هل هي بخير؟ هل ستعيش؟
تكلَّم الرجل بنفس النبرة.
نزع الطبيب الكمامة عن وجهه ثم تنهد وقال:
-نعم ستعيش
تنهد الاثنان براحة بينما قالت المرأة بتفاؤل:
لقد أخبرتك أنها ستكون بخير!
وقبل أن تنهي جملتها قاطعها الطبيب بأسف:
لكن للأسف لقد دخلت في غيبوبة...

وهنا عادت نظرت الفزع على وجه المرأة والرجل ليكمل الطبيب قائلًا:
لا يبدو أن ابنتكما تريد التمسك بالحياة.
وهنا تكلم الرجل بصوت مهتز:
ماذا تقصد؟
أجابه الطبيب بأسف:
أعني أنها سبق واستسلمت وسلمت روحها للموت.

قال هذه الكلمات لتجهش المرأة بالبكاء بينما سأل الرجل بخيبة:
هل هناك إمكانية أن تستيقظ؟
وهنا هز الطبيب كتفيه وقال:
إن حالتها معقدة جدًا.
وهنا نبست المرأة بصوت منهار:
لقد انتهى كل شيء!
ذهب الدكتور...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب