من أكل الوعل؟!
في شوارع المدينة خرجت أبحث عن الوعل، كنت أظن أنني سألتقي أحد أولاد حمير أو أحد أحفاد معدي كرب أو رجلًا من سلالة ذي يزن يقود خلفه وعلًا ويمشي به في شوارع المدينة وأزقتها الضيقة، لكني لم أجد شيئًا من هذا هنا، ما وجدته في هذه الشوارع هو البؤس والتعاسة والفقر والحرب والخراب، كل هذا منقوش بدقة على جدران المدينة.
يا ترى أين هو الوعل؟! ومن ذا الذي يقوده؟! هل سيمر الوعل وصاحبه في شوارع هذه المدينة؟!
ظلت هذه الأسئلة تراودني بين الفينة والفينة، لم أجد لها إجابة ولم أجد مجيبًا عنها، لكني لم أخبر عنها أحدًا، الجميع هنا مشغول بأمره، الكل يجري بعد اللاشيء، يغدون ويروحون لا يحملون في أيديهم شيئًا سوى الفقر المدقع الذي لا يقوون حتى على حمله.
الساعة تتخطى الـ11 صباحًا وليس هنا للوعل أي أثر، والتعب والعطش داهماني ولحسن الحظ كنت قريبًا من إحدى الكافتيريات.
فجلست على إحدى طاولاتها وطلبت كوبًا من القهوة، وما إن قدمت لي القهوة إلا ورجل عمره يتجاوز السبعين سنة تقريبًا، يجلس على الكرسي الآخر للطاولة نفسها.
كان يرتدي إزارًا أبيض بعضه فوق بعض، وشالًا يمتد من كتفه الأيسر إلى أعلى الفخذ الأيمن، والخصر مطوي دائريًّا، ومن الوسط ترى جنبية صغيرة تميل لليسار قليلًا، أما قدماه النحيلتان فيغطيهما الرداء إلى ما فوق الركبة، وعمامة دائرية تغطي شيب رأسه.
كانت ملابسه تعبر عن الرجل اليمني الأصيل العريق، الرجل الذي لا يزال يتمسك بتاريخه ويفتخر به.
تبادلنا أطراف الحوار ومنذ البداية أردت أن آخذه بعيدًا عن حال اليوم القبيح وأحداثه التعيسة.
فقلت له: اليوم ذكرى الوعل اليمني، هل التقيت وعلًا وجهًا لوجه في حياتك؟!
رد علي: «ما هو يا بني، كما معا أسمعش».
أعدت عليه السؤال مرة أخرى.
قال: «مو، من أكل الوعل؟!».
قلت له: «أيوه من أكل الوعل».
قال ضاحكًا أنا أكلت الوعل، لكن «مش أنا الذي قتلته».
بالعافية على قلبك يا حاج...
آه، آه زفر زفرتين وكأنه سحبهما من أعماق الأرض وليس من أعماق جسده.
يا بني الوعل لم يقتل، الوعل يا بني شرد، هرب خارج هذه البلاد، لم يبقَ منه هنا سوى الأثر، القرون والصور لو كان لها روح لهاجرت من هذه الديار، هذا البلاد لم تعد صالحة للحياة كل ما فيها يريد الهرب، لم يتركوا شيئًا إلا ذبحوه أو أخفوه عن الأنظار فقطعوه ومزقوه وشرد من بين أيديهم من شرد.
الوعل يا بني مات جوعًا بعدما حاصروه في أحد الأدغال، أغلقوا كل المنافذ وكلما أطل بقرونه منها أمطروه بوابل من الرصاص والقذائف حتى سالت دماؤه وتمزقت أشلاؤه حتى جاء من ينقذه.
وجد قرنيه بارزين فعاد بهما إلى أهله وشاورهم عن المكان الذي يضع فيه هذه القرون التي ترمز للتاريخ، للقوة، للبأس الشديد، فاتفق الجميع على سطح دارهم العريق في ركنه الأيمن ليراه كل من مر أمام الدار.
مرت الأيام والسنوات ولا تزال قرون الوعل على سطح ذاك الدار، حتى جاءت الحرب وقصف الدار ومات كل من فيها وبقيت قرون هذا الوعل تعتلي الركام.
من أكل الوعل؟!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.