قصة يوم أكل فيه الفرنسيون القطط والكلاب

اشتهر الفرنسيون بفن الطهي.. ولكن.. لمدة أربعة أشهر ونصف من عام ألف وثمانمائة وسبعين، انخرط أهل باريس في طهي كل الحيوانات تقريبا.. من حصان إلى جرذ، ومن كلب إلى فيل، فمن أجل البقاء على قيد الحياة، أكل الفرنسيون كل ما كان يمشي على أربعة أقدام، أو اثنتين، أو حتى ما ليس له أقدام.. فما حكاية أسوأ حصار فرض على باريس؟

اقرأ أيضاً حقوق الانسان وواجبات رجل الشرطة

حكاية أسوأ حصار فرض على باريس

بدأت قصتنا في عام ألف وثمانمائة وسبعين، عندما قرر الألمان أن أفضل طريقة للسيطرة على باريس هي تجويع سكانها فعليا لإجبارهم على الاستسلام عن طريق قطع خطوط الإمداد الخاصة بهم.

فلم تكن الحرب هي الخيار الأمثل للإمبراطورية الفرنسية، ولم يكن لها نصيب من رومانسيتها إبان تلك المدة، فقد نكل بها الحصار وعبث بهدوئها. كان الجانب الألماني يتميز بالتفوق العددي والأسلحة الحديثة، في وقت كانت فيه فرنسا غير مستعدة، وخلال تلك المعركة انتهت كل أحلام نابليون الذي تزعم الحرب الفرنسية؛ وهزمت فرنسا وسقطت في قبضة ألمانيا التي لا ترحم أحدا.. ومن هذا الوقت بدأت كارثة المجاعة تلوح في أفق باريس.. واضطر الباريسيون إلى أكل ما لم يكن على الخاطر والبال.. اضطروا إلى تناول لحم القطط والكلاب والغربان والفيلة.

أعي أن الأمر يشعرك بالغثيان، فلا يوجد شيء أقبح من الحروب، فدائما الشعب هو من يدفع الثمن..

 ودفعت فرنسا الثمن الأصعب..

فمع استمرار الحصار استوطنت البطالة ومعها غلاء الأسعار كل مكان بمدينة الأضواء، ولم يعد يوجد شيء لأكله، فراح الباريسون يؤقلمون أنفسهم مع الموارد المتاحة...

اقرأ أيضاً حروب الإنسان ضد الإنسانية

مجاعة أهالي فرنسا بعد الحتلال 

وجاء شهر أكتوبر المشئوم على فرنسا عام ألف وثمانمائة وسبعين، فتوقفت باريس عن بيع لحم الأغنام والماشية، وفتحت أبوابها أمام لحوم الخيل، ومع قلة عدد الماشية في العاصمة الفرنسية اضطر السكان لاستبدال الحيوانات الموجودة في شوارع المدينة -القطط والكلاب- بما يعرفونه من لحوم الأبقار والغنم والماشية!

واتجه الفرنسيون لأكل لحوم الخيل، إلا إن الحكومة سرعان ما صادرت الخيل، بعدما اضطروا إلى إرسال نصف مخزون العاصمة من الأحصنة إلى الجبهات الحربية، وحينها تحول الباريسيون إلى أكل لحم الحمير، التي سرعان ما منع ذبحها..

فوجدت المجاعة طريقا إلى أفواه الناس، وتحول ما هو إنساني إلى وحشي.. تلك هي قوانين ألمانيا..

ففي نوفمبر من عام ألف وثمانمائة وسبعين، بدأ الشعب في تناول لحم الكلاب والقطط والفئران، والبعض الآخر التهم لحوم الجمال والدببة والفيلة؛ لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فضحت حديقة الحيوانات في باريس بما توفر لديها من حيوانات لإطعام العامة، وفي الوقت الذي تناول بعضهم فيه لحم الخيل المشوي، وقف الفقراء في طوابير، منتظرين حساء من عظام الأحصنة..

وبدأت تمر أيام الاحتلال وتزداد فرنسا قهرا.

اقرأ أيضاً كيف كانت أثيوبيا سببا في اشتعال الحرب العالمية الثانية

زيادة قهر فرسنا بسبب الاحتلال 

واشتدت المعاناة وارتفعت الأسعار أكثر فأكثر، فبلغ سعر القط عشرين فرنكا، والغراب خمسة فرنكات، والكلب أربعة فرنكات، والفأر ثلاثة فرنكات، فلم يعد لكثير من الباريسيين إلا "خبز الحصار" المصنوع من الأرز والشوفان والقش.. فالعثور على كعكة بين ويلات الحرب أمر مستحيل.. فكفى خبز الحصار..

وجاء ديسمبر من عام ألف وثمانمائة وسبعين، محملا بالبرد القارس، وتقلبت درجة الحرارة بين خمس درجات وعشرين درجة مئوية تحت الصفر، وتجمد نهر السين لمدة ثلاثة أسابيع تقريبا، ونقص الخشب والفحم، وعاشت باريس في ظلمة حالكة لا تضيئها إلا قذائف ألمانيا من حين لآخر..

ومع بداية العام الجديد ألف وثمانمائة وواحد وسبعين، اضطرت فرنسا إلى عقد هدنة مع ألمانيا، ولكن ما فائدة المعاهدات حينما يضطر الشعب إلى أكل رفات أجداده؟ إنها قساوة الاحتلال التى تفعل أكثر من ذلك، ففي الأيام الأخيرة من الحصار، اضطرت الحكومة الفرنسية إلى طحن عظام بشرية، وخلطها مع الدقيق المعد لصناعة الخبز فأكل الباريسيون عظام ذويهم دون أن يدروا. 

لكن دعونا ننظر إلى نصف الكأس الممتلئ، هذا الحصار القاسي، كان له الفضل في تغيير عادات المطبخ الفرنسي، فأصبحت قوائم المطاعم تعج بحساء الخيول الطازج وصلصة الغزلان اللذيذة وأرجل الضفادع المقرمشة.. فكيف سيكون المطبخ الفرنسي دون هذا الحصار الرهيب؟!

فماذا لو جنحت بك الطائرة وهبطت بفرنسا.. هل ستتناول حساء الخيول أم أرجل الضفادع المقرمشة؟!

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

أظن أن الصينيين أبدعوا في هذا النوع من الأكل(أكل كل شيء) من دون حصار أو حرب.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة