قصة "وما زلنا نلتقي".. قصص قصيرة

في إحدى القرى الريفية الهادئة تعرَّفت على بعض الأصدقاء، جمعتنا أفكار واهتمامات واحدة، وكنا أصحاب وظائف حكومية من طبقة ليست فقيرة معدمة، وليست متوسطة.

كل يوم أنتهي من عملي في الثانية عصراً لأعود إلى البيت، وأتناول الطعام، ثم أنام قليلاً، ثم نلتقي في بيت أحد الأصدقاء لنتناول القهوة التي لم أتناول مثلها برائحتها ونكهتها، وربما كان المجلس مع القهوة مع هؤلاء الأصدقاء جعلني أرى كل شيء جميلاً ورائعاً.

في كل ليلة نتبادل أطراف الحديث، نتكلم في كل شيء، سياسية، اقتصاد، دين، ولا نصل في نهاية المجلس لشيء، ننتقد كل من يأتي ذكره في مجلسنا الموقر، ولم نفكر مرة أن ننتقد أنفسنا.

وفي ليلة قرَّر أحدنا أن يكون له عمل حر بجوار عمله الحكومي، وظللنا هذه الليلة على غير عادتنا دون كلام في سياسة ولا غيره ذهبت كل جهودنا في إقناع هذا المسكين أن يتخلى عن هذه الفكرة الشيطانية.

نقول له أنت في راحة تعمل نهاراً ونلتقي ليلاً، ولم تدفعنا الحاجة أن نمد أيدينا لفلان ولا علان، لماذا نجلب لأنفسنا التعب.

انظر إلى فلان كان معه مال، واستثمره في مشروع وفشل، وأصبح الآن بلا مال، وفلان، وفلان.

لكنه يبدو من ردوده وتعبيرات وجهه أنه يصر على خوض التجربة

بدأ مشروعه وبعدها لم نره إلا في يوم الجمعة، ليحدثنا عما لحقه من تعب بسبب هذه الفكرة، ودائماً يبدأ حديثه بتنهيدة، ثم يقول ما الذي فعلته بنفسي، أنا مثل الذي يدور في ساقية.

ننشغل به قليلاً ثم نعود إلى حديثنا المعتاد سياسة دين اقتصاد، أحياناً نفس القضايا، ونادراً ما تأتي قضايا أخرى.

حديث لا نمل من تكراره في كل مرة كأنها أول مرة.

وبعدها بسنة علمنا أن مشروع صاحبنا بدأ يكبر، وبدأنا لا نراه إلا كل أسبوعين أو كل شهر، مرت سنتان، واشترى صديقنا سيارة، بعد أن انقطع عن مجالستنا، ولكن كان دائم الاتصال يشاركنا ونشاركه في الأفراح والأتراح.

إلا أنه لما توسعت أعماله بدأت الفجوة بيننا تتسع بيننا شيئاً فشيئاً، حتى أصبحنا لا نراه إلا في المناسبات بسيارته الجميلة وملابسه الأنيقة، نقف بعد كل مناسبة نستدعي ذكريات مجالسنا، ثم ينصرف هو ونعود نحن لروتيننا اليومي عمل في الصباح وسهر في المساء وحديث لا نمل تكراره.

وبعدها أصبحنا لا نرى صاحبنا إلا نذراً، ولم يعُد كسابق عهده، أصبح لا يأبه لنا، وأصبحنا نرى هذا فيه فلا نلتفت له.

ربما يرى أننا نحقد عليه لما وصل إليه من نجاح، ونحن نرى أنه أصبح يتكبر علينا ونسي أيام الصحبة وعهود الصداقة

ولكن هو كلما مر عليه الزمن كان لديه شيء جديد، سيارة تبهر عيون الناظرين، طريقة في الكلام، استقبال الناس له وتوديعهم إياه، أما نحن فما زلنا نلتقي، نتحدث السياسة وعن الاقتصاد وعن كل شيء وعن صاحبنا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة